- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم

2026-02-27
الرادار:
قوات سوريا الديمقراطية وإيران: عِبرةٌ لمن يعتبر
بقلم المهندس/حسب الله النور
صرّح المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، قائلًا:
«انتهى الغرض الأصلي لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) كقوة رئيسية لمكافحة داعش على الأرض».
حلب اليوم
19/1/2026
وبالمقابل، تتجمع الحشود العسكرية الأمريكية في مياه الشرق الأوسط بشكل غير مسبوق، مع تصاعد لهجة التهديد الأمريكي للنظام الإيراني، الذي طالما خدم السياسة الأمريكية في المنطقة.
تشكّلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) رسميًا في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2015، كتحالف عسكري يضم عدة فصائل، لا كقوة واحدة منذ البداية. وكان الهدف من تشكيلها توحيد قوى محلية مختلفة لمواجهة تنظيم داعش بشكل أساسي، بدعم مباشر من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
وقد تولّت أمريكا دعمها دعمًا كاملًا من حيث التمويل والتدريب والتسليح، وذلك لتحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة تحت ذريعة محاربة داعش. وبعد انتهاء دورها، سحب الرئيس الأمريكي ترامب القوات الأمريكية من المنطقة، وسمح للنظام السوري بطرد قوات قسد من المناطق التي كانت قد سيطرت عليها سابقًا، وبذلك تكون أمريكا قد تخلّت عنها، وتبدّدت أحلام قسد.
وقد وصف العديد من الأكراد على مواقع التواصل الاجتماعي هذه الحادثة برمّتها بـ«الخيانة»، وكأن الولايات المتحدة تتحمل واجبًا أخلاقيًا ومسؤولية استراتيجية تجاههم مقابل ما قدّموه لها من خدمات.
وعلى الجانب الإيراني، فإن المساجلات بين إيران وأمريكا قد دخلت عقدها الخامس، فما حقيقة هذه العلاقات؟
و حتى نتبيّن ذلك، لا بد من التوقف عند بعض المحطات في مسار هذه العلاقة.
ولكي لا نقفز على الأحداث، يجدر بنا التوقف عند كيفية نشأة النظام الإيراني، وذلك بحسب ما ورد في العديد من الوثائق الأمريكية التي كُشف عنها منتصف عام 2016.
فقد ورد أنه، وبطلب من الخميني، وبعد تعهده بالتعاون مع أمريكا، أشرفت الإدارة الأمريكية بشكل مباشر، عن طريق الجنرال الأمريكي روبرت هويسر، نائب القائد العام لحلف شمال الأطلسي، على تحييد كبار قادة الجيش الإيراني الموالين للشاه، ثم الإشراف على إخراج الشاه وعائلته من إيران إلى منفاه منتصف كانون الثاني/يناير 1979، ومن ثم إعطاء الضوء الأخضر للخميني للتوجه إلى طهران، حيث أقلّته طائرة فرنسية ليتسلّم زمام السلطة في إيران.
وفوق ضمان تدفّق البترول الإيراني إلى الأسواق العالمية، حققت أمريكا هدفين استراتيجيين:
الأول: بعد استقرار الخميني في السلطة، تخلّص من حليفين رئيسيين له في معارضته لحكم الشاه، وهما الحزب الشيوعي الإيراني (حزب توده) والفصائل اليسارية الأخرى، حيث حظرهم عام 1983، واعتقل قادتهم، وتعرّضت كوادرهم لحملات إعدام وتعذيب، وبذلك ضمن إبعاد إيران عن الاتحاد السوفيتي، لا سيما مع رفعها شعارات الإسلام.
أما الهدف الثاني، فبعد عام واحد من تسلّم الخميني السلطة، اندلعت الحرب مع العراق، التي أخذت طابعًا طائفيًا بين السنة والشيعة، وتحولت إلى دائرة قتال مفتوح، وذلك بعد أن سمحت أمريكا لإيران بالتمدد في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن، وبذلك تكون أمريكا قد ضمنت مزيدًا من الفرقة والشتات بين المسلمين.
أما المحطة الثانية في مسار العلاقات، فهي التفاهمات التي جرت بين أمريكا وإيران حول العراق. وبالرجوع إلى ما ورد في كتاب زلماي خليل زاده، الدبلوماسي الأمريكي والمبعوث في العراق، «رحلتي في عالم مضطرب»، فقد لخّص طبيعة تلك العلاقة، حيث ذكر أن محمد جواد ظريف تعهّد له بعدم التعرّض للطائرات الأمريكية في حال اخترقت المجال الجوي الإيراني.
وأشار إلى أن اللقاءات بينهما استمرت بعد الغزو، وبُحث خلالها مستقبل الحكم في العراق، وأن إيران دعمت بقوة تشكيل حكومة من معارضة المنفى، واستئصال حزب البعث، وإعادة بناء قوات الأمن العراقية من جديد، وهو ما تحقق بالفعل.
أما في محطة أفغانستان، فيُعدّ مؤتمر بون ذروة التعاون الأمريكي–الإيراني، كما أشار إلى ذلك تريتا بارسي في كتابه «خسارة عدو: أوباما وإيران وانتصار الدبلوماسية»، حيث ذكر أن ذروة هذا التعاون تجلّت خلال المؤتمر الذي عُقد في مدينة بون في 10 كانون الأول/ديسمبر 2001، عندما أُقرّت الخطة الجديدة للحكم في أفغانستان، وقد وضعت الولايات المتحدة وإيران معًا، وبعناية تامة، الأساس لهذا المؤتمر قبل أسابيع من انعقاده.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الإيراني السابق رفسنجاني:
«لولا مساعدة قواتنا في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني»
(جريدة الشرق الأوسط، 9/2/2002).
كما قال محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي للشؤون القانونية والبرلمانية، في مؤتمر «الخليج وتحديات المستقبل» الذي عُقد في أبو ظبي بتاريخ 13/1/2004:
«لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة، لكننا حصلنا على مكافأة، وأصبحنا ضمن محور الشر!»
(إسلام أون لاين، 13/1/2004).
وكرّر الرئيس أحمدي نجاد هذا المعنى خلال زيارته لنيويورك لحضور اجتماعات الأمم المتحدة، في لقاء مع صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 26/9/2008، حيث قال:
«إن إيران قدّمت يد العون للولايات المتحدة فيما يتعلق بأفغانستان، وكانت نتيجة هذه المساعدات توجيه تهديدات أمريكية مباشرة بشن هجوم عسكري ضدنا، كما أن بلادنا قدّمت مساعدات لأمريكا في إعادة الهدوء والاستقرار إلى العراق».
لقد سمحت أمريكا لإيران بالتمدد إقليميًا والسير في برنامجها النووي حتى بات مصدر تهديد للمنطقة، ثم ما لبثت أن صنّفتها ضمن محور الشر، وحاصرتها اقتصاديًا حتى خسرت إيران أكثر من 80% من قيمة عملتها، وهاجمتها عسكريًا، واليوم تحاصرها حصارًا خانقًا ملوّحة بإسقاط النظام الإيراني.
ما الذي يحدث؟
إن أمريكا تتعامل وفق مصالحها وما يقتضيه فقه الواقع لديها، فحالة إيران تُسمّى «الخصم الوظيفي»، كما أن هناك دولًا تصنّفها أمريكا كـ«صديق وظيفي».
وقد حققت أمريكا عدة مصالح من حالة العداء المعلنة مع إيران، منها:
تبرير الوجود العسكري الأمريكي.
دفع دول الخليج للاعتماد الأمني على واشنطن.
شراء السلاح بالمليارات.
الابتزاز المالي.
إدارة المنطقة عبر سياسة «الخوف لا الاستقرار».
ان حالة قسد وإيران ليست بالحلات المعزولة ولكن قائمة الحكومات التي استخدمتها أمريكا ثم لفظتها تطول، ونذكر منها على سبيل المثال:
النميري، الذي رحّل يهود الفلاشا استجابة لطلب أمريكا، ومع ذلك أوعزت أمريكا للنظام المصري فأعاق عودته حتى سقط حكمه.
وكذلك الرئيس البشير، الذي فصل جنوب السودان بطلب أمريكي، ولم ينل سوى الوعود الكاذبة حتى سقط نظامه.
وكذا قال وزير الدفاع الباكستاني: يصف معاملة أمريكا لبلاده بأنها “أسوأ من ورق المرحاض”، مؤكدًا أن واشنطن استخدمت إسلام آباد لتحقيق أهدافها ثم تخلّت عنها عند انتهاء الحاجة
الغدير
12/2/2026
و كذا حسني مبارك، وبشار، والمقاتلون الأفغان الذين قاتلوا معها، وغيرهم كثير.
ومع هذا التاريخ الأسود لأمريكا، ما زال الحكام العملاء والساسة المنتفعون، وخاصة في البلاد الإسلامية، يتزلفون لأمريكا طمعًا في رضاها، ولم يقنعهم ما آلت إليه حال من قبلهم، ولا قول ربهم
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ﴾.
أفما كان لهؤلاء، بدل اللجوء إلى أمريكا، أن يلجؤوا إلى ربِّ أمريكا؟
وبدل تكريس الفرقة والشتات الذي أورثهم الضعف والهوان، أن يستجيبوا لنداء ربهم:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾.
فيُوحِّدوا رايتهم تحت قيادة واحدة «خلافة راشدة» تجلب لهم العزة بدل الهوان:
﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْـمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْـمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَـمُونَ﴾.
أوَما آن لأبناء هذه الأمة أن يأخذوا على أيدي الحكام، وأن يأطروهم على الحق ويقسرونهم عليه قسرًا؟
كما قال صلى الله عليه وسلم:
«كلا والله، لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهَونَّ عن المنكر، ولتأخذُنَّ على يد الظالم، ولتأطرُنَّه على الحق أطرًا، ولتقصُرُنَّه على الحق قصرًا، أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم».
رواه أبو داود والترمذي.
المصدر: الرادار