الأحد، 24 جمادى الأولى 1441هـ| 2020/01/19م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 


التخويف – سلاح الرأسمالية في وجه توكل المسلمين

 


تخلل الانتخابات البرلمانية الأخيرة ارتفاع أصوات ونداءات تحث المسلمين على الاشتراك بقوة في الانتخابات الفدرالية من أجل التصويت لصالح الحزب الليبيرالي وخوفا من فوز حزب المحافظين. لقد تصاعد الخوف من فوز حزب المحافظين نتيجة الارتفاع الملحوظ في عدد الهجمات على الإسلام والمسلمين في الحياة العامة. هذه الهجمات نابعة من دوافع عنصرية تغذيها التحذيرات من الأجنبي التي يطلقها السياسيون المحافظون. إنّ أجواء الخوف والترقب أصبحت أداة لدى الحزب الليبيرالي لإقناع المسلمين بالاندماج في العمل السياسي وإعطائه الدعم على أساس أنه هو المدافع والحامي لحقوق المسلمين.


يجب هنا ملاحظة أوجه التشابه والاختلاف بين تصرفات الطبقة الرأسمالية في بلاد الغرب وتصرفات الحكام في بلاد المسلمين. أما الحكام في بلاد المسلمين فهم يلجؤون بدعم من القوة الاستعمارية الرأسمالية إلى العنف والقمع للقضاء على أي محاولة للتغيير وخاصة إذا كانت المحاولة يقودها الإسلام السياسي. أما الطبقة الرأسمالية في بلاد الغرب فهي تلجأ إلى التخويف من العواقب المحتملة من أجل دفع المسلمين إلى الاندماج في أنظمة المجتمع وطلب الحماية منها.


نتيجة لذلك نرى أن الرأي العام عند المسلمين في هذه البلاد أصبح يسيطر عليه مفهوم "الخوف يبرر التصرف". فارتفعت أصوات تقول إن عدم المشاركة في الانتخابات سيؤدي إلى مشقة كبيرة وإلى تهجير المسلمين من هذه البلاد. كما ظهرت آراء "فقهية" تقول بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات كأساس للاندماج. وذهبت بعض الأصوات إلى أبعد من ذلك حيث ادعت أن المشاركة في الحياة السياسية واجب شرعا والامتناع عن ذلك حرام من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


كذلك، رغم أن الخوف من الله هو من العقيدة الإسلامية نرى أن القائمين على إدارة المساجد يجهلون هذا المفهوم عند التفكير في رعاية شؤون المسلمين. حيث ترى الكثير من المساجد تفتح أبوابها للعمل السياسي القائم على أساس فصل الدين عن الحياة، وفي الوقت نفسه تغلق أبوابها في وجه العمل السياسي القائم على أساس العقيدة الإسلامية.


كذلك، تتطرق هذه المساجد إلى معاناة الأمة الإسلامية دون ذكر أسباب هذه المعاناة التي من ورائها حكام المسلمين الذين لا يطبقون الإسلام ويتحالفون مع القوى الاستعمارية الرأسمالية ويسكتون عن جرائمهم المتعددة ضد الأمة. وتبرر هذه المساجد صمتها عن حقيقة معاناة الأمة بأن ذلك يضمن أمن المسلمين في هذه البلاد.


إن التفكير العميق في نفسية الإنسان تظهر أن الخوف شعور طبيعي وأنه مظهر من مظاهر غريزة البقاء. فعندما يشعر الإنسان بالخطر يقوم هذا الإنسان بأعمال من أجل معالجة هذا الشعور. لكن رغم أن الشعور بالخوف أمر طبيعي يجب علينا أن نتفطن إلى أمر مهم. إن الطبقة الرأسمالية تستعمل الخوف من العواقب المحتملة كوسيلة للحفاظ على النظام الرأسمالي، لأن الناس سرعان ما يتفطنون لفساد هذا النظام وأن هذا النظام يخدم فقط طبقة الرأسماليين إذا انعدم الخوف.


لقد تعلمنا من التاريخ الذي جاء ذكره في القرآن أن الطبقة التي بيدها السلطان سرعان ما تلجأ إلى التخويف كسلاح تشهره في وجه المؤمنين. فرد فرعون على الحق الذي جاء به موسى عليه السلام كان بقوله لقومه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾.


يجب علينا كمسلمين الرجوع إلى عقيدتنا كلما أثار الخوف في أنفسنا تساؤلات عن كيفية التعامل مع هذا الخوف. وذلك لكي نتجنب ردات الفعل المجانبة للصواب. يجب علينا أن نعي على أن من أمور عقيدتنا الإيمان بأن الله وحده هو الذي يجيرنا في الدنيا والآخرة. وأن من عقيدتنا الإيمان بأن الخوف يكون فقط من الله ومن عواقب معصية أوامره. ويجب أن يكون حبنا التقرب إلى الله أقوى من الخوف الذي يكون نتيجة إثارة غريزتنا. يقول الله في كتابه العزيز: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، إن هذا المفهوم جاء شرحه في نصيحة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنه: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ؛ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّه،َ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ»، رواه الترمذي.


إن الذي يدرس سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل أن يقيم سلطان الإسلام ودولة الإسلام في المدينة يرى أنه واجه أجواء من الخوف تشابه أجواء الخوف التي تعيشها الأمة حاليا. وقد وصف الله هذه الأجواء قائلا: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، رغم ذلك استمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العمل دون كلل أو خوف أو مداهنة أو تنازل ودون التحالف مع قوى الكفر بحجة "أقل الضررين". وبعد حينٍ أعز الله دينه ونبيه الذي غير المجتمع والعالم أجمعين من أجل خير البشر.


وهنا نتوقف لنسأل أصحاب "فقه التخويف" الذين يحللون الحرام على هذا الأساس: ماذا تقولون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يداهن ولم يتنازل رغم أنه واجه ظروفا أصعب بكثير من ظروفنا؟ هل أصبحت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبارة عن قصص تحكى للأطفال الصغار لنحثهم على الأخلاق الحسنة وفي مقابل ذلك نتجاهلها كلية في معالجة القضايا السياسية وقضايا المجتمع؟!


علينا نحن المسلمين أن نتيقن أن التوكل على الله جزء من عقيدتنا. فالله هو وكيلنا وهو الذي نضع فيه ثقتنا في كل أحوالنا، ولهذا فإن الإخلاص في التوكل يعني التفرغ لعواقب الآخرة وعدم الاكتراث لمتع الدنيا، فيصبح التوكل على الله يضبط مواقفنا من قضايا المجتمع ويمنع عقولنا من الوقوع ضحية للخوف. وفي هذا الحال يكون الخوف من الخالق هو الضابط لأعمالنا وليس الخوف من المخلوقات.


علينا نحن المسلمين أن نبتغي الأمن من الله وليس من النظام الرأسمالي العلماني. فالتحالف مع الأحزاب السياسية الرأسمالية هو تحالف مع نظام ظهر إفلاسه. بل يجب علينا كشف عوار هذا النظام في هذه البلاد والبلاد الإسلامية وأن نظهر للأمة أن هذه الأنظمة الرأسمالية فاسدة لأنها من إنتاج العقل البشري وعلى هذا فهي لا تصلح لحل مشاكلنا في سوريا أو اليمن أو لبنان أو العراق أو كشمير أو غيرها من البلاد. يجب علينا أن نظهر للأمة أن الحل الوحيد هو الإسلام الذي تطبقه دولة الخلافة التي على منهاج النبوة.


وأخيرا إن الأمة تنتظر من أئمة المساجد والمشايخ أن يكونوا قادة بشجاعتهم وثباتهم أمام الهجمات ضد ديننا. وأن يكونوا مشكاة تكشف فساد نظام فصل الدين عن الحياة. وأن يكونوا معلمين يعلمون الأمة كيف تتمسك بدينها كاملا لا تفرط فيه شيئا. وأن يعملوا في هذه البلاد لحماية المسلمين من المفاهيم التي تخالف الإسلام.


إن الأمة الإسلامية هي أمة التوكل على الله ولا يليق بها أن تقع ضحية للخوف الذي يسلطه عليها نظام فصل الدين عن الحياة.


﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾


التاريخ الهجري :1 من جمادى الأولى 1441هـ
التاريخ الميلادي : الجمعة, 27 كانون الأول/ديسمبر 2019م

حزب التحرير
كندا

2 تعليقات

  • mai
    mai الجمعة، 03 كانون الثاني/يناير 2020م 10:23 تعليق

    شكرا جزيلا ، بارك الله بكم

  • Mouna belhaj
    Mouna belhaj الأربعاء، 01 كانون الثاني/يناير 2020م 23:43 تعليق

    ثبتكم الله ونصركم على الظالمين المتآمرين على الإسلام والمسلمين يارب استجب دعائنا

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع