الأحد، 09 شوال 1441هـ| 2020/05/31م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

المؤمن القويّ يجيد استغلال وقته ليحقق خلافته في الأرض بالنهضة بالأمة والبشرية

 

تسمى سورة يوسف بأحسن القصص، فالقصة التي بدأت بحلم وانتهت بتحقيقه تحمل في سطورها دروساً لمن أراد أن يتعلم، وعبراً لمن أراد على نهج يوسف أن يسير، متلمساً خطاه في نجاحه وارتفاع كعبه وعلو قدمه، وفي وصوله لقمة النجاح الدنيوي والأخروي.

 

يوسف عليه السلام قبل أن يُدخَل محراب النبوة والاصطفاء، أُدخل جُبّ الامتحان أكثر من مرة. وقبل كل اصطفاء كان يُبتلى فيثبت في امتحانه فيعلو. وفي هذا المعنى سئل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى مرة: أيُمكّن للعبد أم يبتلى؟ قال لا يُمكّن للعبد حتى يبتلي. والابتلاء فتنة، والفتنة في النعمة أشد منها في سلبها، والوقت نعمة مغبون فيها كثير من الناس.

 

القرآن ليس كتاب قصص وإن أوردها ولا كتاب مواعظ وإن كثرت فيه. هو كتاب حياة، كتاب يرسم صورة لما يجب أن يكون عليه المجتمع والأمة والأفراد من نماذج، حتى تكون مؤهلة لتؤدي رسالتها والغاية من وجودها وهي إنهاض البشرية بالفكر الرباني، وإرشاد العباد إلى طريق الله. فالقصص القرآني هو تربية للمسلمين بأسلوب القصة، كأن الله يقول: تعلموا وخذوا عبرة من المعنى لا الشخوص. فقصة يوسف وزليخة مثلاً هي قصة العفة والشهوة في كل مكان، وقصة يوسف في سجنه هي قصة الدعاة في كل حين، وقصة موسى وفرعون هي قصة حملة الدعوة مع الطغاة في كل عصر.

 

وبالعودة إلى يوسف عليه السلام، وفي تفسير قوله سبحانه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، أن الله أوحى إلى يوسف "أنك سألت السجن فسُجنت ولو سألت العافية لعافيناك". وفي المعنى نفسه قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ * وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

 

وهكذا فالقرآن الذي أورد قصة يوسف كمثال على تحقيق حلم ونجاح دنيوي وأخروي، وانتصار في معركة العفة ضد الشهوة، يعلمنا أن المسلم لا يربط خياراته بين مصيرين ولا تقتصر نجاحاته على الدنيا دون الآخرة، ولا يرضى إلا بالقمة في كل شؤون حياته. فيوسف عليه السلام ظن أنه بين خياري السجن أو الفاحشة بلا ثالث لهما، فكان هذا درساً لمن بعده من المؤمنين الذين يخوضون معركة الصراع بين الحق والباطل، أنّ اللجوء إلى الله هو طريق النجاح، وأنّ ما بيدنا من وسائل وقوى إنّما هي أسباب واقعة في قدر الله، ولا تغني شيئاً دون التوكل على الله. فالمطلوب هو تعلق القلوب برب الأسباب وإلّا أوكلنا الله إلى ما تعلقنا به من أسباب ثم لم يكن لنا إلا ما قدّر لنا!

 

وفي موضوع الأخذ بالأسباب يحتل الحرص على الوقت رأس القائمة. فنحن أمّة بورك لها في بكورها، يتعلم أطفالها في سنيّ حياتهم الأولى «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا عَمِلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ». فالأصل أنَّ حديث رسول الله «اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ» شعارُ هذه الأمة.

 

وعوداً على بدء. فقصة يوسف التي تعلمنا أن النجاح في امتحان الآخرة لا يعني البتّة الفشل في امتحان الدنيا بل العكس؛ هي مكية كسورة العصر والتين والشرح اللاتي نزلن لصياغة شخصية إسلامية في المؤمنين الجدد تصلح لتكون شخصية قيادية تنهض بالبشرية جمعاء إلى أعلى مراتب السموّ والرقيّ، تترجم عملياً كلمات ربعيّ بن عامر رضي الله عنه حين قال: "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد".

 

وهذه القيادة التي تحمل الأمة الإسلامية تبعاتها وتتحمل أعباءها، لن تتحقق دون أن يحسن حامل الدعوة استغلال وقته، بل قبل ذلك معرفة قيمة الوقت الذي وهبه الله إياه. لن ينجح المسلم في حياته قبل أن يفقه ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. ولن يكون له أثر في الدنيا يجعله مفتاح خير لغيره قبل أن يترجم عملياً قول الغزالي: "أتدري كيف يُسرق عمر المرء منه؟ يذهل عن يومه في ارتقاب غده، ولا يزال كذلك حتى ينقضي أجله، ويده صِفر من أي خير".

 

إن التنبه من الفطنة، وإن البلاء في الغفلة، والتنبه يورث التذكرة، والتذكرة تنتج الإسراع والاجتهاد والتفاني فراراً إلى الله ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: 50] فإن المقصد والثمرة من الإيمان العمل، واستثمار الوقت صنو ذلك بل ولب لبابه، وإن الكيس من استثمر وقته وحسن عمله ولا يكتفي بل يستدين من غيره وقتاً إن استطاع، ليزداد من الأعمال ما يقربه لربه، وييسر عليه حسابه فيرتاح من بلاء الدنيا وينجو برحمة ربه، فيكون قد أحسن اغتنام الوقت والعمل فيكون أحسن عملاً فيفوز بإذن الله فوزاً عظيماً.

 

الله حين يقسم بشيء فهو لا بدّ عظيم، وليس القسم إلا لتعريف الناس بأهمية المقسوم عليه، وإلّا فالله حين يقول فهو الحق وقوله الحق. ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. وقد أقسم الله بأكثر من وقت دلالة على عظم هذه النعمة. فقال ﴿وَالْعَصْرِ﴾ وهو وقت من النهار. قال ابن عباس، في قوله ﴿وَالْعَصْرِ﴾: العصر: ساعة من ساعات النهار. يقسم الله ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ينجو من هذا التعميم فئة ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. والربط بين العصر والخسر ثم استثناء المؤمنين بالقسم من الله سبحانه وتعالى، أمر يؤكد أن النموذج الأسمى الذي يريده الله للمؤمن القوي هو نموذج يحسن صاحبه استغلال وقته جيداً ويجعل الآخرة قضيته المصيرية والدنيا مرتبطة بها لأنها دار العمل والزرع الذي يُحصد في الآخرة. والله حين يُقسم بالعاديات ضبحاً فليس عبثاً، وحين يُقسم بالتين والزيتون أن الإنسان رُدّ إلى أسفل سافلين، استثنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات فكان أجرهم غير ممنون. والمتأمل في سورة الليل يدرك أنّ إدارة المسلم لوقته هي فعل ينتج عنه إما نجاح أو فشل، كأن الله يقول لنا: إن النجاح في الدنيا والآخرة قرار شخصي.

 

ليس المهم كم عمرك لكن الأهم ما رصيد إنجازك، ما جوابك حين تُسأل عن عمرك فيمَ أفنيته؟ هل ستحار في الجواب أم سيكون الجواب في ميزان حسناتك أمّةً عملت لنهضتها ودولة الإسلام التي أحييتها، وإسلاماً دافعت عنه، وفكراً قوّمته، وكلمة حق قلتها؟ ﴿لِمِثلِ هَـذَا فَلیَعمَلِ العَـامِلُونَ﴾ [الصافات: 37]. ليس المهم كم مرة تختم القرآن في رمضان بحيث يصبح الختم همّك، بقدر ما يهم ماذا انتفعت من القرآن، وكم أثّر القرآن في قلبك وغيّر من روحك وارتقى بك. ليس المهم كم كتاباً تقرأ بل ماذا تقرأ وكيف تُفيد مما تقرأ، فنحن لسنا أمة اقرأ بل أمّة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.

 

والعبرة: ليس المطلوب ملء الوقت لمجرد ملء الفراغ وتضييع الوقت ليمرّ بسرعة، بل أن تعرف قيمة هذا الوقت وأنّه يوزن بالذّر في ميزانٍ ينطق عليك يوم القيامة. ﴿إِذ یَتَلَقَّى المُتَلَقِّیَانِ عَنِ الیَمِینِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِیدٌ * مَّا یَلفِظُ مِن قَولٍ إِلَّا لَدَیهِ رَقِیبٌ عَتِیدٌ﴾ [ق: ١٧-١٨]. وتُسجّل لحظاتك في كتاب: ﴿هَـذَا كِتَـابُنَا یَنطِقُ عَلَیكُم بِالحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَستَنسِخُ مَا كُنتُم تَعمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـالِحَـاتِ فَیُدخِلُهُم رَبُّهُم فِي رَحمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ المُبِینُ﴾ [الجاثية: ٢٩-٣٠]

 

فنسأل الله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأوقاتنا وأن يستعملنا ولا يستبدلنا، فإن السعيد من حفظه الله من حظ نفسه. وأن يجعلنا ممن قال فيهم: ﴿وَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى﴾ [النازعات: 40-41].

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال – الأرض المباركة (فلسطين)

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع