الجمعة، 17 ذو الحجة 1441هـ| 2020/08/07م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السياسة الاقتصادية في الإسلام هي البلسم الذي لن تطبقه إلا دولة الخلافة

 

بحثت وزيرة المالية والتخطيط الاقتصادي المكلّف د. هبة محمد علي، تحضيرات مؤتمر أصدقاء السودان المُزمع عقده بالعاصمة السعودية الرياض إسفيرياً في آب/أغسطس المقبل، وتأتي عملية تحقيق السلام في السودان على رأس أجندته. (صحيفة الصيحة، 20 تموز/يوليو2020م)

 

وأكدت هبة، أن الشراكة مع برنامج الأغذية العالمي مستمرة، وأنها من الشراكات المهمة والاستراتيجية، وذلك في إطار سعي الحكومة لبناء شراكات دولية والعودة إلى المجتمع الدولي، وذكرت وزارة المالية السودانية في بيان، أن الوزيرة التقت مع الدكتور حميد نورو مدير برنامج الغذاء العالمي بالسودان وأكد نورو مواصلة البرنامج في تنفيذ الدفعات المتبقية من بنود الاتفاقية المبرمة بين الحكومة والبرنامج، والتي كانت نصت على أن يقوم برنامج الغذاء العالمي بشراء القمح نيابة عن الحكومة السودانية، على أن تقوم الحكومة بسداد المقابل بالعملة المحلية، وناقش اللقاء أيضاً تنفيذ المرحلة التجريبية من برنامج دعم الأسر، الذي بدأت الحكومة فيه مؤخراً.

 

في الواقع ليس هناك دولة في هذا العالم لا تملك ما يسد الرمق لرعاياها فتمد يدها متسولة لقمة العيش لهم من الآخرين، نعم قد تتفاوت الملكيات والقدرات والإمكانيات والمواهب والخبرات، ولكننا قطعاً نملك ما يغنينا عن الآخرين، ونستطيع أن نستثمره لصالح الناس بل ما يملكه السودان قد يكون سبباً في رخائنا، ورخاء من حولنا بشهادة العالم، لكن ظلت الحكومات السودانية المتعاقبة منذ الاستقلال المزعوم عام 1956م ترفع شعار "السودان سلة غذاء العالم"، انطلاقاً مما يملكه السودان من مقومات أساسية تتيح له تحقيق هذه الأمنية، لكن ظل هذا الشعار حبيس الخطط والاستراتيجيات التي توضع مع بداية كل حكم مدني أو عسكري من دون جدوى، ويرجع عدم تحقيق هذا الشعار أو على الأقل النهوض بالاقتصاد لتحقيق الاكتفاء الذاتي، إلى القصور في السياسات المتبعة والتي تعتمد على ما يرسمه صندوق النقد والبنك الدوليان وكل حكومة تجرب الشيء نفسه، وفعلاً أغلى ما يملكه الإنسان هو العقل والتعقل فإن فقد ذلك فلا قيمة له!

 

قطعاً بهذا الوضع ستظل حكومة الفترة الانتقالية تدور في الفلك نفسه الذي سارت عليه الحكومات السابقة من الاستجداء للغرب في الحلول غير الموفقة لإشباع الحاجات الأساسية للناس، يستجدون قوتهم من فتات الغرب، تماماً كما يفعل المتسولون في الطرقات، ويرضون لأنفسهم أن يعيشوا على هامش الحياة أذلاء للغير لا يملكون حلولاً حقيقية للناس الذين وصلوا درجة من الضنك غير مسبوقة، مع أنهم قادرون على أن يضمنوا العيش بطريقة أفضل تضمن لرعاياهم حياة كريمة ومرفهة وترفع رأسهم عن الاستجداء والذل بقليل من الإجراءات الاقتصادية التي تنبثق عن دينهم الذي يمتلك حلاً لكل مشاكل الاقتصاد، فما هي السياسة الاقتصادية في الإسلام التي هي البلسم الشافي؟ هذا ما سنتعرض له في هذه الجزئية:

 

ترتكز السياسة الاقتصادية الإسلامية على قاعدة إشباع حاجات جميع الأفراد الأساسية فرداً فرداً إشباعاً كاملاً وتمكينهم من إشباع حاجاتهم الكمالية بقدر المستطاع، وعليه فلا ينظر إلى الثروة الموجودة بحوزة الأمة من حيث الكم زيادة أو نقصاناً وإنما ينظر إلى الموجود منها من حيث كيفية تصريفه وتوزيعه على الناس بناءً على قاعدة الإشباع، وهذا ما يفتقده المبدأ الرأسمالي الوضعي الذي تتبناه حكوماتنا كلها!

 

أما ما هي هذه الحاجات الأساسية فإنها في نظر الشرع الإسلامي وحسب الأدلة والاستنباط قسمان:

 

أحدهما: الحاجات الأساسية لكل فرد من أفراد الرعية بذاته، وهي: المسكن والمأكل والملبس.

 

وثانيهما: الحاجات الأساسية للرعية كلها، وهي الأمن والتطبيب والتعليم.

 

أما الحاجات الأساسية لكل فرد فهي التي لا يستطيع أي إنسان الاستغناء عن واحدة منها، ولذلك كان إشباعها حقاً لكل إنسان يأخذه بوصفه حقاً من حقوقه التي يجب أن يصل إليها. فإن عدم توفر هذه الحاجات الأساسية هي المشكلة الحقيقة، وتوفيرها هو الذي يعالج هذه المشكلة. فإذا وُفرت لكل فرد لم تبق هناك مشكلة أساسية. وقد حدد الإسلام الحاجات الأساسية هذه في نصوص صريحة واضحة، والدليل عليها قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾، وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ.

 

وضمن الإسلام إشباع جميع هذه الحاجات الأساسية لجميع أفراد الرعية فرداً فرداً ضماناً قطعياً في نصوصه الصريحة أيضاً، وضمن أن يكون هذا الإشباع إشباعاً كلياً في نصوصه الصريحة كذلك.

 

فقد أوجب الإسلام على الفرد العمل لتأمين نفقته ونفقة من يعول كالزوجة والأبناء والأبوين ومن تجب عليه نفقتهم، وبضمان ذلك فقد ضمن إشباع جميع الحاجات الأساسية لجميع أفراد الرعية إلا من لا يوجد له رحم محرم، وإلا إذا عجز هؤلاء عن الإنفاق. وهاتان الحالتان قد احتاط الشرع لهما وشرع لهما أحكاماً معينة محددة. ففي حال عدم وجود أحد ممن تجب عليه النفقة، أو وجد ولكنه لا يستطيع الإنفاق أوجب الشرع النفقة في هاتين الحالتين على بيت المال، أي على الدولة.

 

فأحاديث الرسول صلّى اللـه عليه وآله وسلّم تزخر بالمعاني الدالة على أن الدولة تضمن هذه الحاجات للذين لا يملكونها، فقوله عليه وآله الصلاة والسلام: «مَنْ تَرَكَ كَلاًّ فَإِلَيْنَا وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ» والكَلّ الضعيف الذي لا ولد له ولا والد.

 

وقوله ﷺ: «فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيَاعاً، فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَهُ» أي أن الدولة تكفله وتضمن له العيش الذي يستلزم ضمان المأكل والمسكن والملبس.

 

ولكن الدولة لا تعطي الكسالى الذين يتوفر لهم العمل وهم قادرون عليه ولكنهم يتكاسلون، لا تعطيهم بل تجبرهم على العمل لكسب نفقاتهم ونفقات من يعولون حسب ما فعله الرسول ﷺ.

 

أما الحاجات الأساسية للرعية فقد دل عليها حديث الرسول صلّى اللـه عليه وآله وسلّم في قوله: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» فاعتبر ﷺ في هذا الحديث أن الحد الأدنى من المتطلبات الواجب توفيرها للرعية هي الأمن والصحة، وأما التعليم فدل عليه حديثه ﷺ في قوله: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً...» وقوله: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ،...» فتشبيه العلم بالغيث ومقابلة العلم بالجهل وربطه بأشراط الساعة دليل على اعتبار التعليم من ضروريات الحياة الواجب توفيرها. ولقد أجمع الصحابة رضي اللـه عنهم على إعطاء المعلمين رزقاً من بيت المال، فكان عمر رضي اللـه عنه يعطي معلمي الصبيان في المدينة من بيت المال خمسة عشر ديناراً في الشهر.

 

وبسد حاجات الرعية الأساسية وتمكينهم من إشباع حاجاتهم الكمالية قدر الإمكان تختفي معظم الأسباب الموجبة لخلق التوترات والصراعات بين ما يسمى الهامش والمركز ولن يحدث ما نراه في المجتمعات الرأسمالية من انقسام المجتمع إلى طبقات رأسمالية وعمالية ومتوسطة يعتريها التطاحن والتقاتل، وتسود علاقاتها مظاهر الاستغلال والجشع، وتطغى عليها مشاعر الكراهية والحقد والحسد والتربص، ولا نشاهد ما يشاهَد في المجتمعات الرأسمالية الآن من احتجاجات دورية ينتج عنها تعطيل مصالح العامة وإهدار طاقة الأمة وتبديد ثرواتها، وإيقاع المجتمع برمته في دوامة امتلاك المال، يلف الناس في دوامته ويثير فيهم هوس حب المال وعشق المادة، ينسيهم ما يجب أن يكون عليه حالهم من حيث وجود مغزى ومعنى ومضامين سامية لحياتهم في الدنيا.

 

والإحساس بضمان هذه الحاجات الأساسية يجعل الناس يلتفتون إلى ما هو أهم وأعظم من الرزق ألا وهو حمل الدعوة ونشر المبدأ، غير خائفين من هاجس الفقر والضياع والتشرد، كما هو حال الكثير من الناس في كل دول العالم اليوم. فهذا الشعور بضمان الحاجات الأساسية من الدولة للأفراد يحد من مشاعر البغض والحسد عند الناس ويقلل من السباق المحموم بينهم على الأموال والمنافع، وهذا لن تقوم به إلا دولة الخلافة الراشدة.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار (أم أواب)

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع