الثلاثاء، 23 صَفر 1441هـ| 2019/10/22م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مفتي مصر يطلق رصاصة ترامب الأولى علناً

 

على مشروع الأمة مع سبق الإرصاد والتحريف

 

 

أطلق مفتي مصر، بمداخلته أثناء رئاسته الجلسة الأولى للمؤتمر العام الـ30 للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، أول رصاصة في الحرب الصريحة على مشروع الأمة، وهو مشروع الخلافة الراشدة على منهاج النبوة الذي يحمله حزب التحرير منذ تأسيسه.

 

إنها الحرب الصريحة، ألجأهم إليها وعي الأمة على إسلامها وعلى دولته، ذلك أن السياسة المعتمدة في السابق كانت هي التعتيم الكامل على المشروع وعلى حامله؛ الأمر الذي يعتبر في حد ذاته نصرا للفكرة التي ألزمت أعداءها الانتقال من الخطة (أ) (التعتيم) إلى الخطة (ب) (التشويه)، والآن إلى الخطة (ج) (استصناع إسلام جديد).

 

وبعد إشادته المعتادة بالسيسي، دخل المفتي مباشرة في صلب موضوعه ورسم النتيجة التي يريد الوصول إليها، والمفروضة على حاكم مصر من النظام الرأسمالي العالمي، والتي عبر عنها بالآتي: "إن مصر دولة تعمل بمبدأ الأخذ بأسباب القوة والتقدم والتنمية في كافة المجالات، دولة لا تهدر حق الفرد في مسيرة بناء المجتمع، ولا تهمل واجب بناء وتنمية الدولة وهي تراعي حقوق الأفراد، دولة تتعايش مع جميع دول العالم تحت مظلة التعاون والإخاء وتبادل المصالح والمنافع والعلوم والمعارف"، وهذا لا يعدو أن يكون تعريف التلميذ النجيب بمدرسة النظام الرأسمالي المستعمر للتبعية والخضوع. وعلى الرغم من كونه كلاما نظريا، ولا يمت لواقع مصر الحالي أو السابق بأية صلة، بل هو كلام مكرر يقال منذ الستينات وسمعناه من كل الرؤساء السابقين لمصر، إلا أن الجديد في كلامه هو العباءة الدينية التي أراد إلباسها للصورة التي قدمها عن الدولة "الحديثة" المزعوم بناؤها، حيث اعتبرها "نموذجا مثاليا لبناء الدولة الحديثة التي تحقق مقاصد الشريعة المطهرة" بزعمه، مع "الأمل" السراب بــ"أن تتبوأ مصر مكانتها التي تليق باسمها وتاريخها وحضارتها، وسوف تنبعث من شموس معرفتها أشعةُ النور لتضيء للعالم طريقه نحو الحق والخير".

 

وأما قولنا السراب فلأنه لا يجتنى من الشوك العنب، أما الماء الزلال والحل الشرعي المحفوظ بحفظ الكتاب والسنة فلا يكتفي به، بل يتعمد مفتي مصر ليَّ أعناق النصوص ومنها السيرة النبوية الشريفة لإرضاء سيده وسيد سيده في البيت الأبيض، وما أشبه "الأمل" الذي يعد به المصريين بما وصفه الله في قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [سورة الرعد: 14]. فالنية مبيتة على محاولة التأصيل لما يخالف الإسلام من خلال ما يحلو لهم تسميته بمقاصد الشريعة، ذلك الباب الذي أصبحوا يخالفون عبره صريح الدين ويعطلون به أحكامه، وقد ظهر هذا جليا منذ تسمية المؤتمر "فقه بناء الدول.. رؤية فقهية عصرية"؛ فقد وضعوا فيه الفخ الأول على طريق التبديل والتحريف بعدولهم عن كلمة "الدولة"، بما تعنيه من لم شمل المسلمين في دولة واحدة يقودها خليفة واحد وهو ما فرضه الإسلام الذي يحرم صراحة أن يكون في الأمة خليفتان، إلى كلمة "الدول" لتبرير وتمرير حدود سايكس بيكو بما تفرضه على الأمة من الشرذمة والتشتيت.

 

وما يؤكد أن ذلك كان غرضهم من اختيار العنوان، هو قول المفتي: "لا بد أن ندرك حقيقة أن الدولة الوطنية المدنية الحديثة هي الدولة التي تحقق مقاصد الشريعة الإسلامية، فلا بد من المحافظة عليها بحدودها"، ومن باب من فمك أدينك فإن قوله: "وألا نسمح لمخططات التفتيت والتقسيم أن تحقق أغراضها الخبيثة..." يجب أن يطرح تساؤل مهم: هل عدم السماح بالتفتيت والتقسيم للدولة هو حكم شرعي؟ وهل يسري بدون أثر رجعي، فلا ينطبق على ما حدث سابقا من تفتيت وتقسيم لدولة الخلافة، التي كانت حدودها تمتد في القارات الثلاث؟ أم أن الاستعمار هو من يحدد لك أيها المفتي الخطوط الحمراء بل ويحدد للجيوش الإسلامية الإطار المكاني والزماني لما أسميته "الجهاد في سبيل الله" للحفاظ على الحدود التي حدها واصطنعها المستعمر بيديه؟!

 

وعندما يتابع المفتي كلامه قائلا: "أما عن الرؤية الشرعية فإن رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم..."، يتنبه المسلم لسماع الأدلة الشرعية التي تؤيد ما سيطرحه تاليا، ولكن على العكس نجد المفتي يقحم ألفاظا ومصطلحات لم يرد لها ذكر في أي من كتب السيرة النبوية، ويسقط الصورة التي يريدها، بل يريدها أسياده، عن مفهوم الدولة الوطنية الخاضعة للنظام الرأسمالي الاستعماري، على دولة أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم بيديه، وباجتراء وافتراء عجيبين على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم. فيصبح الإسلام وتشريعاته بزعمه مجرد "أسس وقواعد لا زالت نموذجا فريداً يحتذى حتى يومنا هذا..." متناسيا القاعدة الأولى في الإسلام أنه يعلو ولا يعلى عليه وأن السيادة للشرع، وليصبح بدعواه من مهمات المسجد النبوي "... ومكانا لعقد المؤتمرات ومقابلة الوفود إلى غير ذلك من الأنشطة المدنية التي تساعد على تطور ورقي مجتمع المدينة المنورة..." متغافلا عن أن ذلك المسجد منه أدار النبي صلى الله عليه وسلم الدولة وفيه عقد ألوية فتوح الخير للآفاق، ومنه انطلق جيش الخير العمري لفتح الكنانة. وأما في كلامه عن مباشرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمهامه بصفته حاكما للمدينة، فجرياً على طريقة الغرب في التفكير تجده يطلق عليها مصطلحاته بقوله "...حفظ الأمن، ونبذ أسباب الفرقة والاختلاف، والمحافظة على وحدة وسلامة المدينة بجميع أطيافها ومعتقداتها، على قاعدة من المحبة والسلام، ترسيخاً لمبدأ التعايش السلمي وقبول الآخر"!! بل وإمعانا منه في محاولات التلبيس على الناس يقول في وصفه الصحيفة التي وضعها الرسول صلى الله عليه وسلم دستورا للمدينة: "...الصحيفة الدستورية المدنية التي توافق عليها الجميع"؛ وحاشاه صلى الله عليه وسلم، فما المدنية إلا أحد وجهي الدولة العلمانية التي تقابل الدولة العسكرية ولا سيادة في أي منهما لرب البشر ولا لحكم الله الواحد الأحد، وهي افتراءات تفضح تدليسها وزيفها الصحيفة النبوية الشريفة التي نصت أول ما نصت على أن الذين دخلوا في ميثاق المدينة يكونون أمة دون من عاداها وهم يد على من سواها وأن أمرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأين هذا من أشباه دول، تسير على هوى الغرب وشرائع كفره وتؤاخي بين شذاذ الآفاق وعبدة الشيطان وبين المسلم بعد تجريده من قضيته المصيرية؟! وبنوع من الخلط والتلاعب بالألفاظ يقحم مصطلحات من إفرازات النظام الرأسمالي العلماني والتي هي من ترقيعاتها فيقول: "... ثم عمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى تقوية أركان المجتمع المدني" بينما كان من الممكن أن يقول "تقوية أركان مجتمع المدينة"، لكنه الكيد ودس سم المدنية العلمانية في عسل الإسلام المصفى! إلى آخر ما ساق من مصطلحات المذهب الفردي العلماني النفعي، من مثل: "مبدأ الاعتماد على النفس، التنمية، طاقة بناءة، وحاولوا إفشال سعيه وإيقاف تقدمه، ببث الشائعات المغرضة وترويج الأكاذيب الباطلة"، فقط ليمهد للنتيجة التي هيأ لها بخلطه وتخليطه المستفيض على آذان مستمعيه فيقول: "... وسبحان الله العظيم فما أشبه الليلة بالبارحة".

 

صحيح أيها المفتي، ما أشبه الليلة بالبارحة، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت! عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» رواه البخاري.

 

وخذها كلمة لعلك ترجع عن غيك وعن سبيل ترامب:

 

إن هذا الإسقاط لواقع التبعية الحالي للغرب على أعظم دولة عرفتها البشرية، فوق كونه أبشع تحريف للسيرة النبوية المطهرة، فسيلزمك منه أيها المفتي وممن تابعك عليه شنائع وعظائم منها على سبيل المثال لا الحصر، أن فتح مكة وتحطيم الأوثان على قولك سيعدُّ "تدخلا في الشؤون الداخلية للدول وتعدّياً صارخاً على حرية الفكر والمعتقد وتعدّياً على التراث الإنساني"، ومنها أن الفتح العظيم من عمرو بن العاص لمصر كان احتلالا وضد الإنسانيّة. سبحانه له دعوة الحق ناصر دينه ومعلي كلمته ومظهر الإسلام على الدين كله بعز عزيز أو بذل ذليل قريبا في ظل الخلافة الموعودة القائمة قريباً على منهاج النبوة.

 

﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة: 32-33]

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

جمال علي

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع