الخميس، 11 ذو القعدة 1441هـ| 2020/07/02م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

ليس ثمة مقوم أفضل من الإسلام وأحكامه،
وما كان مِنَ الكامل فهو كاملٌ

 


تعد العنصرية من مظاهر الانحطاط الذي عاث في الأمة الإسلامية فساداً وغرقت فيه بعد أن سلب منها مفهوم الولاء والبراء النابع عن العقيدة الإسلامية؛ ما أوقع كثيراً من المسلمين في العنصرية لأن الأمر المحتم أنها تنشأ حينما ينحط الفكر وينحدر إلى روابط وأمشاج تخاطب مظاهر غريزية منها العنصرية والوطنية والقومية.


إن العنصريَّة معناها التَّفْرقةُ والتمييزُ في المعاملة بين الناس على أساس الجنس، أو اللَّون، أو غير ذلك، هذه العنصريَّة متجذِّرة في البشرية منذ القِدم، وإذا قلبنا صفحات الماضي، واطلعنا على الموروثات الثقافيَّة لهذه البشرية، لوجدْنا نماذجَ صارخةً للعنصرية، فالبوذيَّة صنَّفت البشر إلى طبقات عدة حسب اعتقادهم الباطل، كذلك قسَّمت الحضارة اليونانيَّة الناسَ إلى أشرافٍ وبربر، ومثلها فعلَتِ الحضارة الرومانية، أما الاعتقادُ اليهودي في البشر، فمعروفٌ ومشهور، ومُسجَّل في بروتوكولاتهم، فهم يعتقدون أنهم شعبُ الله المختار، وغيرهم أميُّون لا قيمة لهم، ولا وزن، ولا حق لهم حتى في الحياة، وفلسطين شاهدة على ذلك.


ترتبط العنصرية بالروابط السطحية بين الناس على أساس القبلية والوطنية والقومية. إنها روابط قائمة على الروابط العائلية أو القبلية أو العشائرية، وتستند الروابط الثلاث إلى أفكار ضحلة، وهي في جوهرها مقسِّمة وتشجع التمييز والفصل.


لكن كيف تنطلي الروابط العنصرية على الأمة الإسلامية وهي أمة عقيدة التوحيد؟!


عندما رأى أعداء الإسلام القوة الكبيرة للأمة الإسلامية من خلال رابطتهم المبدئية، تآمروا لتثبيت روابطهم المنحطة وتفريق الأمة الإسلامية على أساسها وهدموا دولة الإسلام على أساس هذه الروابط.


ثم سوقوا لها في كل بلاد المسلمين؛ ففي مصر مثلاً العنصرية مُمَثلة في التقسيم الجغرافي للمحافظات، فنجد أهل المنوفية يعيبون أهل الغربية، وأهل الغربية يعيبون أهل الإسكندرية، وأغلب الناس يعيبون أهل الريف والصعيد، وهكذا... وفي السعودية نراها مُمثَّلة في التقسيم القبلي للمملكة، فالعنزي يسخر من السهلي، والسهلي يسخر من الحربي، وقد نجد الأبيض يسخر من الأسود، وكذا في كل قطر من أقطار البلاد الإسلامية.


فحتى دعاة القومية العربية، والذين يزعمون أنَّ لهم فضلاً؛ لأنهم يتحدثون لغة القرآن، ويجعلون التفاضل راجعاً للغة وليس للدين فهم عنصريون بلغتهم.


وقد نرى البعض يفضل غير المسلم السوداني على المسلم غير السوداني؛ ولاءً لوطنه، وبراءً من دينه، فهم يجعلون إخواننا في الدين أجانب بينما النصارى إخوان الوطن!


وفي السودان العنصرية أشعلت حروباً وسفكت الدم الحرام رغم تعايش وتزاوج الناس لمئات السنين مع اختلاف إثنياتهم، فالذي يحرك هذه العصبية هم تجار الحروب من الرأسماليين الطامعين في ثرواتنا والمُعادين لعقيدتنا الإسلامية، وقد فُصل الجنوب بعد أن استخدمت نعرة العنصرية لتبرير استجابة حكومة الإنقاذ لفصل الجنوب، حتى مَن رفع راية الإسلام طبل وزمر للعنصرية لدرجة بشعة فقال خال الرئيس الطيب مصطفى يوم الانفصال: الحمد لله الذي أذهب عنا الأذى وعافانا! فأوصلت هذه العنصرية البغيضة نتيجة محتومة وهي الانفصال والآن تستخدم النعرة نفسها في دارفور وفي شرق السودان فيقتتل الشباب على كوب شاي يقدم لأحدهم من بائعة شاي في غرب السودان!


وبالرغم من أنهم أسموها عاصمة قومية لكل القوميات إلا أن العنصرية تتجذر فيها؛ ففي الأيام السابقة لا يشغل الناس في مواقع التواصل إلا الحديث عما يجري من زواج أحد لاعبي كرة القدم (عصام عبد الرحيم) بفتاة ليست من عرقه، وينجر المسلم الذي لا زاد له في هذه الفتنة من عقيدته الإسلامية إلا ما يستقيه من الإعلام الموَجَّه هنا وهناك فيخوض مع الخائضين، وتتأجَّج المشاعر، وتتحرَّك النزعات العنصرية، وكل واحد يظن أنه سيد الناس ولا أحد أفضل منه، حتى على إطار الأسرة الواحدة تفتك العنصرية بالعلاقات وتسود القطيعة بين الأهل، وفي واقع الأمر الجميع مستقل بهذه الفتنة لمصالح أخرى أكبر هي إشغال الناس بالسفاسف لحين ترتيب الأمور على وجه لا يخرج عن السيطرة. ولستُ أزعم أن الخطأ واقع على الشعوب المغيَّبة وحدها لَمَّا ارتضتْ هذا الحال، وانساقتْ كالشياه وراء كل ناعق، لكن ما زرع لا بد له من حصاد يجني المجتمع الثمار المُرّة، هكذا أرادنا الاستعمار والدولة التي جعلت من شعبها مرتعاً للنعرات الجاهلية على مرأى ومسمع منها وهي لا تملك أي حل وتعتقد ذلك واقعاً لا انفكاك منه بل تشجع بسكوتها هذه النعرات لتمرير مخططات اتفقت فيها مع أعداء الأمة حفاظاً على سلطانها الزائل لا محالة.


والمجتمعات الغربية اليوم رغم إخفاء العنصرية لكنها تظهر جلية؛ فالاعتقاد بأن هذا البلد متفوق على غيره؛ إنه مفهوم يتم الترويج له داخل هذه المجتمعات من خلال الوسائل المختلفة؛ (على سبيل المثال "يوم الاستقلال"، "النشيد الوطني") كما تمت عولمة هذه المفاهيم... كل هذا يؤدي إلى مجتمعات تكافح من أجل التوفيق بين الترويج للعنصرية وما ينتج عنها من "كُره للأجانب". هذا أمر لا مفر منه، حيث ستكون لكل أمة مصالحها الخاصة، وستتعارض مصالح إحداهما مع مصالح الأخرى مما يؤدي إلى استمرار الخلاف والانقسام والصراع في العالم، ومظاهرات أمريكا اليوم الناتجة عن قتل أحد أفراد الشرطة البيض جورج فلويد ذا البشرة السوداء يثبت ذلك.


جاء الإسلام وحذر من هذا المسلك الذي يقضي على التفكير والإبداع وينمي ظاهرة التقليد والتبعية، فقد روى الترمذي عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ»، قَالَ اللَّهُ سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.


لقد جمعت هذه العقيدة صهيباً الرومي وبلالاً الحبشي وسلمان الفارسي وأبا بكر العربي القرشي تحت راية واحدة، راية الإسلام، وتوارت العصبية، عصبية القبيلة والجنس والقوم والأرض... وها هو مربي هذه الأمة وقائدها عليه الصلاة والسلام يعلم ويربي إذ يقول لخير القرون كلها مهاجرين وأنصارا: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، وما هي صيحة نادى بها أنصاري: يا للأنصار، وردَّ مهاجري: يا للمهاجرين فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ؟» قالوا: يا رسول الله كسَعَ رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» البخاري.


وأحسن من قال في العصبية والعنصرية قولاً بليغا سلمان الفارسي:


أبي الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ
إن يختلف ماء الوصال فمـاؤنا *** عذبٌ تحدَّر من غمامٍ واحدِ
أو يفترق نسب يؤلف بيننا *** دين أقمناه مقام الوالد


أعطى الإسلام العالم رابطة بين الناس هي رابطة تتجاوز كل الروابط الأخرى، رابطة مبدئية قائمة على العقيدة الإسلامية. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.


جاءت رسالته بأن جميع الناس هم من نسل آدم وحواء ويتشاركون في هذا الشرف على قدم المساواة. الفرق الوحيد بينهم هو في الدين الذي يدور حول طاعة الله تعالى واتباعهم رسوله ﷺ، "إِنَّمَا تَتَفَاضَلُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِالتَّقْوَى، لَا بِالْأَحْسَابِ".


أمر الإسلام بالولاء للعقيدة الإسلامية بدعوة جميع الناس إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى خالق البشرية جمعاء. لذلك كانت العلاقات في الإسلام مبنية على عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله وليس على العرق أو اللون، «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ» (أبو داود)


من ناحية أخرى، يقدم الإسلام رباطاً مختلفاً؛ رباطاً ينقل الناس من انحطاط القومية إلى سمو الرابطة المبدئية، ليكون مجتمعاً مبنياً على التقوى، خاليا من العنصرية، وتاريخنا يشهد على هذا النجاح الذي لا مثيل له.


دولة تأسست في الأساس على الرابطة الصحيحة المبدئية لن يتم فيها منع العنصرية فقط من خلال القضاء عليها، ولكن أيضاً من خلال شعور عالٍ بالالتزام الأخلاقي الذي يشعر به المجتمع تجاه القضاء على هذا النوع من الأعمال غير المتحضرة من جذورها ويزرع بدلاً عنها ما ينفع الناس، نسأل الله أن يعجل لنا بدولة الإسلام التي تصهر المسلمين في بوتقة الإسلام العظيم وترجعهم إلى سالف عهدهم إخوة في الله.

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار (أم أواب)

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع