الإثنين، 29 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/11/09م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

هل التصويت في الانتخابات النصفية حرامٌ أم واجب؟

 

هل التصويت في ظل النظام العلماني عملٌ يُثاب عليه المرء حقاً؟ وهل هو فرض؟ وهل هو أمانةٌ سنُسأل عنها يوم القيامة؟ لقد طُرحت هذه الدعاوى بإلحاحٍ متزايد لحشد المسلمين في العملية الانتخابية، مع الوعد بأن المشاركة ستغيّر النظام، أو ستأتي بساسةٍ يرفعون شعار "أمريكا أولاً"، أو ستخدم قضايا المسلمين. وهذه الدعاوى جديرةٌ بأن تُفحص بموضوعية، وأن تُوزن بميزان الحكم الشرعي وهدي النبي ﷺ.

 

التصويت ليس واجباً:

 

حتى في ظل النظام الديمقراطي العلماني نفسه، لا يُعدّ التصويت واجباً؛ إذ إن المشاركة الانتخابية بموجب الدستور الأمريكي حقٌّ لكل مواطن، له أن يمارسه أو أن يتركه. أما أن يُعلن بعض العلماء اليوم أن التصويت فرضٌ أو أمانة، بما يعني أن الإعراض عنه إثمٌ يعاقب عليه الله ﷻ، فذلك يذهب أبعد مما ذهب إليه الدستور الأمريكي ذاته! والأدلة المُتوهمة التي تُساق لتأييد هذا التصنيف لا تصمد أمام التمحيص.

 

إن انتخاب المرشح ليس مجرد مسألة تمثيل، بل هو مسألة تشريع. ففي الديمقراطية العلمانية تكون السيادة للبشر، وتُمارَس عبر التشريع، حيث تُسنّ القوانين وتُعدَّل وتُلغى برأي الأغلبية.

 

أما الإسلام فيقرر قطعاً أن السيادة والتشريع لله ﷻ وحده. ومن ثَمّ فإن التصويت لانتخاب إنسانٍ يشرّع نيابةً عن المرء يناقض حقّ الله ﷻ، القائل: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40] وانتخاب المشرِّع ليس من مسائل الخلاف الفقهي المعتبر، بل هو محرّمٌ قطعاً، لأن الله ﷻ هو المشرِّع. وهي مسألةٌ لا مجال فيها للاجتهاد، فلا تدخل في دائرة الخلاف الفقهي. والسؤال عن جوازها كالسؤال عن حرمة الخمر!

 

النظام يغيّرك لا العكس:

 

لم يتحقق قطّ الوعدُ بتغيير النظام من داخله؛ فالمشاركة السياسية في النظام الديمقراطي العلماني تصوغ المشارك على مقاس قيمه وأجندته. ولا يوجد سياسيٌّ مسلمٌ واحد في الغرب بقي مستقيماً على دينه، أو كان لعمله أثرٌ إيجابيٌّ صافٍ على المسلمين. وفي المقابلة القرآنية بين قارون وموسى عليه السلام عبرةٌ بالغة؛ فقد عمل قارون داخل نظام فرعون، وقدّم نفسه رجلَ نفوذٍ وواحداً من عامة الناس كما زعم، فانتهى به الأمر أكبرَ أعوان ذلك النظام، يسنده ويشارك فرعون مصيره. أما موسى عليه السلام فقد نشأ في قصور فرعون، لكنه عمل من خارج النظام، فكان تحرير قومه على يديه.

 

"أهون الشرّين" منحدرٌ نحو الهاوية:

 

لقد أُسيء استخدام قاعدة اختيار أهون الشرّين مراراً لإضفاء الشرعية على أفعالٍ محرّمة، مع وجود طريقٍ حلالٍ واضح. إنها منحدرٌ يقود إلى مزيدٍ من الشر، وكثيراً ما ثبت عملياً أن المصلحة المزعومة كانت أشدّ ضرراً على الأمة.

 

والنمط مألوف: فأوباما، "الشرّ الأهون" مقارنةً ببوش، وسّع كثيراً من السياسات التي انتُخب لإنهائها، وزاد من قصف عددٍ من البلاد الإسلامية. وبايدن، "الشرّ الأهون" مقارنةً بترامب، رعى دعماً غير مشروطٍ للإبادة الجماعية في غزة. أما حملة "معاقبة" بايدن بانتخاب ترامب الذي وصف نفسه بأنه مناهضٌ للحروب، فقد أعقبها استمرار دعم الكيان الصهيوني وتصاعد الضربات العسكرية في أنحاء البلاد الإسلامية. إن هذا السجلّ كفيلٌ، بعد كل ذلك، بنقض حجة أهون الشرّين.

 

خرافة التمثيل:

 

التمثيل في الظاهر ليس تمثيلاً في الجوهر. فقد شارك مسؤولون منتخبون مسلمون في طقوسٍ كفرية، وكانوا من أبرز المروّجين لدعوات مجتمع الميم. والهوية وحدها لا تحفظ مصالحنا. وحين يُسأل عن سجلّهم، كثيراً ما يتهرّب أنصارهم من النقد بالقول إنهم لا يأخذون دينهم ولا أخلاقهم من السياسيين والناشطين المسلمين، أو يلتمسون الأعذار لأفعال أولئك السياسيين بالقول إن السياسة لعبةٌ قذرة.

 

إن فصل الأخلاق عن السياسة هو عين تعريف العلمانية. فهؤلاء لا يُقدَّمون بوصفهم سياسيين عاديين، بل تقوم هويتهم العامة برمّتها على كونهم مسلمين. والمساجد والمؤسسات الإسلامية تروّج لهم على أنهم "ممثلونا"، ويُقدَّمون لأبنائنا كقدواتٍ يُحتذى بها. ولا يستقيم أن نرفع هؤلاء على كل صعيد، ثم نطلب من الناس ألا يأخذوا أخلاقهم عنهم؛ فذلك تعليمٌ للعلمانية والليبرالية بالقدوة العملية.

 

والمرشحون، مسلمين كانوا أم غير مسلمين، ممن يدعون إلى الفاحشة أو يصطفّون معها، لا ينبغي أن يُمنحوا منبراً داخل مجتمعنا لنشر آرائهم. ومن واجب المجتمع أن يحمي نفسه من هذا التأثير، وعلى من منحوا هذه المنابر وروّجوا لهؤلاء أن يتحمّلوا مسؤولية أفعالهم. يقول الله ﷻ: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا۟ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]

 

رسالةٌ صادقة إلى العلماء، وسبيل المضي قُدماً:

 

يدعو بعض العلماء إلى العمل مع الحكومات غير الإسلامية، غربيةً كانت أو في البلاد الإسلامية، وسيلةً لحماية حقوق المسلمين ومصالحهم، غير أن هذا ليس من سنة النبي ﷺ بلا ريب. ولو كانت المصلحة السياسية والمنفعة العاجلة هي الميزان الذي نزن به أعمالنا، لتخلّى النبي ﷺ عن دعوته في مكة حين تعرّض الصحابة رضي الله عنهم لأشدّ صنوف التعذيب.

 

فبينما كان بلالٌ رضي الله عنه يُعذَّب بين رمضاء الصحراء والصخور الثقيلة، أبى النبي ﷺ أن يساوم أو يسترضي سادة قريش. وبينما كانت سميّة رضي الله عنها تُعذَّب حتى طُعنت بالحربة، رفض النبي ﷺ الخضوع لمطالب قريش. وبينما كان عمار بن ياسر رضي الله عنه يُغطّ في الماء ويُعذَّب، رفض النبي ﷺ أن يوقف دعوته لكفار قريش. وحين قاطعت قريشٌ المسلمين وبني هاشم وبني المطلب، واضطُرّ الصحابة رضي الله عنهم إلى أكل أوراق الشجر واللحاء والجلود، وتعالى صراخ الأطفال من الجوع حتى تردّد صداه في الشِّعب، رفض النبي ﷺ أن يتولى أي منصبٍ في دار الندوة (مجلس حكم قريش).

 

ولو كانت المصلحة السياسية والمنفعة من سنة النبي ﷺ، لعمل مع قريش، وانضمّ إلى مجالسها، وحضر اجتماعاتها، وأضفى الشرعية على طريقة عيشها. لكنه ﷺ أمر الصحابة رضي الله عنهم بالصبر على الشدائد، وذكّرهم بأجرهم عند الله ﷻ. فكان الصحابة رضي الله عنهم بذلك أهل شجاعةٍ وجرأة، وازدادوا إيماناً وثباتاً.

 

لقد بنى النبي ﷺ الصحابةَ رضي الله عنهم على التمسّك بالإسلام، وجهر بفضح أمراض المجتمع، وبيّن فساد طريقة عيشه وبطلان آلهته، وكشف فساد زعمائه، والأهمّ من ذلك كله أنه قدّم طريقة عيشٍ بديلة؛ بنظامٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ ونظام حكمٍ قائمٍ على أحكام الله ﷻ.

 

إن رفض العمل السياسي الانتخابي لا يعني القعود عن العمل؛ فهناك سبلٌ مشروعة أعظم أثراً بكثير، تصون ديننا وتزيد الأمة ثباتاً على التزامها بالشريعة، وانسجاماً مع نهج السياسة النبوية، فينبغي أن تكون أولوياتنا كالتالي:

 

1. حماية عقول شبابنا من العلمنة والكفر.

 

2. بيان بطلان آلهة العصر الزائفة: الديمقراطية والرأسمالية والعلمانية.

 

3. فضح ظلم الإمبراطورية الأمريكية والغرب.

 

4. عرض البدائل التي يقدّمها الإسلام: عقيدته، ونظامه الاجتماعي، ونظامه الاقتصادي، ونظام الحكم فيه.

 

5. الجهر بالتصدّي للظلم الغربي الواقع على المسلمين، وأن نكون صوتاً لمن لا صوت لهم.

 

6. التضامن مع المظلومين في بلادنا ومن على منبرنا الخاص، دون الانجرار وراء الأجندات الليبرالية أو المحافظة.

 

7. الدعوة إلى طريقة العيش البديلة في بلاد المسلمين، أي الخلافة على منهاج النبوة، بوصفها السبيل الوحيد لتطبيق الإسلام تطبيقاً عملياً كاملاً.

 

تلك هي المواقف المبدئية التي رسمها لنا النبي ﷺ، وهي القدوة الوحيدة التي ينبغي أن يتّبعها "ورثة الأنبياء" من العلماء الكرام، ويتّبعها الناس معهم.

 

وعليه، فإن تولّي مناصب تشريعية أو استشارية في الحكومات الغربية المحاربة للإسلام، أو التقرّب من الحكام الطغاة في البلاد الإسلامية طلباً لمصلحةٍ متوهَّمة، خيانةٌ لأمانة هذه الأمة. إن مثل هذه الأفعال من العلماء تُضفي الشرعية على جرائم تلك الحكومات التي ظلمت الأمة واضطهدتها، وليست هذه أفعال "ورثة الأنبياء".

 

وأيّاً كانت الإدارة الحاكمة، بوش أو أوباما أو بايدن أو ترامب، فقد شنّت الحكومة الأمريكية حرباً على المسلمين والإسلام، وسعت إلى علمنة المسلمين وفصلهم عن الأمة الإسلامية الممتدة الأطراف، وإلى تحويل الإسلام إلى "إسلام أمريكي" علمانيٍّ مُدجَّن. وقد أنفقت الحكومة الأمريكية ملايين الدولارات، ووظّفت وجوهاً إسلامية صورية لخدمة أجندتها. ولا يسع العلماء أن يغفلوا عن هذه الحقيقة، فضلاً عن أن يكونوا جزءاً من هذه الأجندة.

 

التاريخ الهجري :16 من جمادى الأولى 1448هـ
التاريخ الميلادي : الثلاثاء, 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026م

حزب التحرير
أمريكا

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع