الأربعاء، 12 ذو القعدة 1447هـ| 2026/04/29م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-04-29

 

حريدة الراية : مؤتمرات الهجرة هي لتجميل الواقع الأليم

والهروب من المسؤولية

 

 

انعقدت في العاصمة الإدارية الجديدة في مصر مطلع نيسان/أبريل الحالي القمة الوزارية الأفريقية حول الهجرة، بمشاركة وزراء خارجية وممثلين لـ17 دولة أفريقية تعرف بـ"الدول الرائدة" في تنفيذ الاتفاق العالمي للهجرة، إلى جانب المنظمة الدولية للهجرة. وجاء الاجتماع قبل انعقاد المنتدى الدولي لمراجعة الهجرة في نيويورك في أيار/مايو المقبل، وسط أجواء إقليمية مشحونة. وأصدر الوزراء بياناً مشتركاً حمل اسم "إعلان القاهرة"، ركز على ضرورة توحيد الموقف الأفريقي في ملف الهجرة، وشدد الإعلان على أولوية المسارات النظامية للهجرة، وتعزيز التعاون عبر الحدود، وتوسيع فرص العمل والتنقل.

 

هناك مثل مصري يلخص واقع هذا المؤتمر ومخرجاته يقول: "اسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك أستعجب". فقد سعى بيان المؤتمر المشترك، إلى الخروج بصورة "الحريص" على المهاجرين واللاجئين في القارة السمراء، وهذا الحرص هو انعكاس طبيعي لحرص الدول المشاركة فيه، وعلى رأسها الدول الساحلية للبحر الأبيض المتوسط، والتي منها تتم عملية الهجرة وركوب البحر إلى أوروبا. وادّعوا أنهم يريدون الخروج ببلورة موقف أفريقي موحد قبل انعقاد المنتدى الدولي لمراجعة الاتفاق العالمي للهجرة في نيويورك، والتركيز على المسارات النظامية والتعاون عبر الحدود، وهو يعكس رغبة في تحويل الهجرة من أزمة أمنية إلى أداة تنموية (عمالة منظمة، تنقل للقوى العاملة، تحويلات مالية).

 

إن تنميق الكلام واختيار فلسفته، من مثل إصدار "إعلان القاهرة" كبيان مشترك يركز على دعم المسارات النظامية للهجرة، واحترام حقوق المهاجرين، ودعم العودة الطوعية والكريمة وإعادة الإدماج، مع الحفاظ على السيادة (الوطنية) والخصوصيات المحلية لكل دولة، وتوسيع فرص العمالة والتنقل الآمن، وتعزيز التعاون عبر الحدود، ومكافحة شبكات الاتجار والتهريب؛ كل هذا الكلام المنمق هو هروب من مواجهة الواقع والمسؤولية عن حل مشاكل الهجرة، والتي تنقسم في حقيقتها إلى سببين رئيسيين: الأول، الهجرة بسبب دوافع أمنية وسياسية وإنسانية وعسكرية، كما هو حاصل في هجرة أهل السودان إلى مصر، وأهل فلسطين إلى جميع شتات العالم. فبسبب الأوضاع السياسية والنزاعات العسكرية، يلجأ الناس إلى الهروب من الموت تحت القصف والصراع الدائر بين الفرقاء، لينجوا بحياتهم والاحتفاظ بكرامتهم وأعراضهم. والسبب الثاني هو الهجرة لإيجاد حياة كريمة، فراراً من الفقر، على الرغم من غنى بلادهم الكبير، والبحث عن مستقبل لفئة الشباب العاطلين عن العمل في دول العالم الثالث، ومنها الدول الأفريقية، لدرجة أصبحت الهجرة الخيار الأول لبناء مستقبل الأجيال الشابة، فمثلاً، نسبة الشباب الراغبين في الهجرة من تونس إلى أوروبا والغرب زادت عن 65%.

 

والناظر في حال المهاجرين من كلا الصنفين؛ المهاجر لينجو بحياته والمهاجر للبحث عن حياة كريمة، يجد أن الذي يتسبب في الهجرة ومواجهة المعاناة التي تتبعها هي الأنظمة القائمة في العالم الثالث، والدول التي تستقبل المهاجرين، فالفساد السياسي والتقصير في رعاية شؤون الناس في هذه الدول هو الذي يدفع بهؤلاء الهائمين على وجوههم إلى الهجرة خارج بلادهم. وكذلك الأمر بالنسبة للنزاعات السياسية والعسكرية، مثل هجرة أهل الأرض المباركة من بلادهم فراراً بحياتهم وبحثاً عن الأمن المفقود عندهم بسبب كيان يهود وسياسة التطهير العرقي التي يمارسها ضدهم، إضافة إلى سياسة التهجير التي يقوم بها عبر التضييق على معيشتهم وأمنهم. وقل مثل ذلك ما يمارس على أهل السودان حيث يقوم الفرقاء من قوات الدعم السريع والجيش بالاقتتال فيما بينهم ويتقصدون استهداف المدنيين، ما يدفع المدنيين إلى الهجرة والنزوح. فالسبب في الهجرة هي الأنظمة، لا رغبة الناس في مغادرة بلادهم التي ألفوها.

 

والسبب الثاني في معاناة المهاجرين وانتهاك حقوقهم هو الدول التي يهاجر إليها الناس بحثاً عن الأمان أو الحياة الكريمة، وهذه الدول تنقسم إلى قسمين: دول فاشلة لا توفر للمهاجرين الحياة الكريمة، من مثل دول العالم الثالث، كهجرة أهل السودان إلى مصر وأهل بورما إلى بنغلادش، وأهل فلسطين إلى دول الطوق، فهذه الدول الفاشلة لا توفر الحياة الكريمة لرعاياها ابتداءً، فأنى لها أن تكترث باللاجئين إليها رغم أنفها. والقسم الثاني: الدول الغربية، وهذه الدول تتعامل مع المهاجرين بنفس سياسة الرق والاستعباد القديم، ولكن بطريقة حداثية! وهي إضافة إلى العنصرية التي تتعامل بها مع جميع الأجناس البشرية، رغم أنها تقتات على نهب خيرات دول العالم الثالث الوفيرة، فهذه الدول لا تقبل من المهاجرين إلا ضمن ما تحتاج إليه من خبرات وطاقات فتية وعقلية، خاصة وأنها تعاني نقصاً حاداً في الإنجاب؛ لذلك لا تقبل هذه الدول أي مهاجر لا يخدم مصلحتها ويسد النقص الحاد الذي تعاني منه، وأي فائض عن هذا النقص يُعامل على أنه عبء يستدعي منها طرده والتخلص منه، حتى لو كان بإغراق السفن وقوارب الصيد التي يركبها المهاجرون طمعاً في الفرار من رمضاء بلادهم إلى نار الغرب الحارقة، أو ببناء أسوار شاهقة تفصل بينها وبين دول الجوار، مثل سور أمريكا "العظيم" الذي يفصل بينها وبين المكسيك، وملاحقة اللاجئين فيها وطردهم شر طردة.

 

لم تحفظ أي دولة في التاريخ حق المهاجرين كما حفظته الدولة الإسلامية على مر القرون العديدة التي حكمت فيها أكثر بلاد العالم. فقد جعل الشارع الحنيف للمهاجر حق الجوار، وحقاً له من أموال الزكاة، وحقاً في الإقامة والعيش بين ظهراني المسلمين، مسلماً كان أم معاهداً أم ذمياً. أما المسلم، فالبلاد الإسلامية جميعها بلاده، يتنقل بينها ويعيش في البقعة التي يرتاح فيها، لا ضيافةً ولا مهاجراً أو لاجئاً، بل مقيماً وابن البلاد. وخير مثال على ذلك وثيقة المؤاخاة التي عقدها النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، والتي نصت على «هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ (رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، مِنْ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ يَثْرِبَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ، فَحَلَّ مَعَهُمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ: أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ دُونَ النَّاسِ» وإن كان معاهداً أو ذمياً فقد قال تعالى في حقهم: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فالحكم بما أنزل الله في ظل الخلافة هو الذي يحفظ للضعفاء من المهاجرين واللاجئين الملاذ الآمن. لذلك كان لازماً على كل من يفكر في الهجرة من بلاده أن يعلم حقيقة الدول والأنظمة القائمة في الغرب، ولا يظن أنها جنة الله على الأرض، بل هي دول استعمارية تقتات على استعمار الدول الضعيفة واستعباد شعوبها. وبدل التفكير في الهجرة يجب أن ينصب جام غضب المهاجرين على الأنظمة القائمة في بلادهم فيقتلعوها من جذورها ويستبدلوا بها النظام الذي يحفظ لهم كرامتهم في بلادهم ويكفل لهم معيشة كريمة بما وهب الله بلادهم من خيرات وفيرة.

 

بقلم: الأستاذ محمود الليثي

 عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع