الجمعة، 08 ربيع الأول 1448هـ| 2026/08/21م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-08-19

 

جريدة الراية: عضوية أوزبيكستان في منظمة التجارة العالمية

بين المصالح والمخاطر والنتائج المتوقعة

 

 

وفقاً للبيانات الرسمية، فإن خطة أوزبيكستان للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية بحلول عام 2026 تهدف إلى زيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد. غير أن هذه التصريحات ليست سوى تزيينٍ للواقع أمام أعين الشعب، إذ إن أي اندماج اقتصادي كبير لا يحمل فرصاً فقط، بل قد يؤدي أيضاً إلى مخاطر خطيرة. ولا شك أن قطاع الزراعة في أوزبيكستان سيكون أول القطاعات التي ستشعر بتأثير هذه التحولات.

 

لقد كانت روسيا، لسنوات طويلة، أحد الأسواق الرئيسية لتصدير المنتجات الزراعية الأوزبيكية. إلا أنها خلال السنوات الأخيرة استخدمت أدوات الهجرة والتجارة الخارجية كوسيلة للضغط السياسي، ما أدى إلى تأخر المنتجات الأوزبيكية على الحدود، وتراجع جودتها، وتعرض بعض رجال الأعمال لخسائر كبيرة بل إلى الإفلاس. ولذلك فإن سعي طشقند للبحث عن أسواق تصدير بديلة جاء نتيجة حاجة اقتصادية وضغوط جيوسياسية في آنٍ واحد.

 

وترى أوزبيكستان أن زيادة الناتج المحلي الإجمالي أصبحت من أولوياتها بهدف تغطية عجز الميزانية، وزيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات. وبما أن الدين الخارجي تجاوز 48 مليار دولار، فإنها تتعامل مع الأمر على أساس أن تحسين المؤشرات الاقتصادية هو السبيل للحفاظ على إمكانية الحصول على تمويل خارجي إضافي، وإلا فإن تغطية عجز الميزانية ستصبح أكثر صعوبة.

 

ويمكن أن تكون احتجاجات المزارعين التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة درساً مهماً للدولة والمجتمع في أوزبيكستان. ففي فرنسا وألمانيا وبولندا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا ودول أخرى، خرج المزارعون في احتجاجات واسعة ضد ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، والأعباء الضريبية، والمتطلبات البيروقراطية، والمنافسة المتزايدة من الواردات. وأكدوا أن بعض السياسات البيئية للاتحاد الأوروبي أدت إلى رفع تكاليف الإنتاج وإضعاف المزارعين المحليين في المنافسة. ونتيجة لهذه الاحتجاجات، اضطرت بعض الدول إلى تخفيف الضرائب وتأجيل بعض المتطلبات البيئية وإجراء تغييرات في سياسات الاستيراد.

 

ومن القضايا الأخرى التي تجري مناقشتها قضية التحضر. إذ يتم تقديم التحضر على أنه جزء طبيعي من التنمية الاقتصادية. غير أنه إذا أدى إلى انخفاض الموارد البشرية في القرى والأرياف، وتراجع كفاية استخدام الأراضي، وانخفاض إنتاج الغذاء، فإنه قد يؤثر سلباً على الأمن الغذائي للبلاد. ويُطرح شعار التوافق مع المعايير الأوروبية كأحد المبررات الأساسية لتسريع هذا المسار.

 

وفي الوقت نفسه، بدأت منذ شهر آب/أغسطس إجراءات تسجيل الحيوانات إلزامياً وتعريفها وتشديد الرقابة البيطرية. ووفقاً للتوضيحات الرسمية، فإن هذا النظام يهدف إلى تحسين التنظيم والرقابة. غير أن هذا النظام قد يستخدم من أجل معرفة حجم ما يملكه الشعب من الممتلكات والثروات، وزيادة الإيرادات الضريبية، وفرض رقابة مطلقة، بينما تهدف أسماك القرش الرأسمالية الغربية إلى تحقيق المزيد من الثروة.

 

إن استمرار الدولة في هذا المسار يحمل خطر أن تتفوق الشركات الأجنبية الكبرى في القطاع الزراعي الأوزبيكي على الفلاحين والمزارعين المحليين، وأن يصبح هؤلاء تابعين لتلك الشركات العملاقة. وقد ظهرت بعض مظاهر ذلك عند دخول الشركات الصينية إلى السوق الأوزبيكية، ومثل هذا المسار قد يؤدي إلى عزوف الفلاحين والمزارعين عن هذا القطاع وتركه، والهدف الأساسي للغرب هو إيجاد مثل هذا الواقع.

 

فمن يقف وراء هذه القرارات والمتطلبات؟

 

إن الدوائر الرأسمالية الغربية تستخدم بعض المبادرات والخبراء الدوليين لتعزيز مصالحها السياسية والاقتصادية. ومن ذلك نشاط جيفري ساكس ومشاريع شبكة حلول التنمية المستدامة في أوزبيكستان وآسيا الوسطى، حيث ينظر إلى هذه الأنشطة على أنها جزء من هذا المسار. كما أن أوزبيكستان تشارك بفاعلية في تنفيذ هذه الإصلاحات.

 

ووفقاً لتصريحات بيل غيتس، فإن فريقه الاستثماري يقوم بشراء مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في الولايات المتحدة. وهذا الأمر ليس مبادرة فردية فقط، إذ إن صناديق الاستثمار الكبرى وصناديق التقاعد نشطت في شراء الأراضي الزراعية خلال السنوات الخمس عشرة أو العشرين الماضية باعتبارها أصولاً استراتيجية. ومن بين هذه الجهات: كالبرز، وشركة بيل غيتس الاستثمارية، وTIAA، وصندوق وقف جامعة هارفارد، وفارملاند إل بي. وقد استثمرت هذه الصناديق والشركات في الأصول الزراعية في أمريكا والبرازيل وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، وأصبحت آسيا الوسطى أيضاً من المناطق التي يُنظر إليها باعتبارها مجالاً استراتيجياً مستقبلياً.

 

إن انضمام أوزبيكستان إلى منظمة التجارة العالمية لا ينبغي أن يتم على حساب مصالح رجال الأعمال المحليين، والمزارعين، وثروات البلاد الطبيعية. بل يجب على الدولة أن تهيئ بيئة اقتصادية تسمح للمنتجين المحليين بالمنافسة، وأن تضع ضمانات قانونية فعالة تمنع انتقال الثروات الاستراتيجية إلى أيدي الآخرين دون رقابة. فحماية مصلحة البلاد لا تظهر في الشعارات، وإنما في مثل هذه القرارات العملية.

 

إن الوظيفة الأكثر أهمية بالنسبة لأوزبيكستان هي أن تفكر بعمق في العواقب السياسية والاقتصادية بعيدة المدى قبل الاندماج في النظام الاقتصادي الدولي؛ لأن استبدال أشكال التبعية الاقتصادية للقوى الخارجية لا يضمن رفاهية الشعب. فالاعتماد أولاً على الاتحاد السوفيتي، ثم التأثر بروسيا، واليوم الارتهان للغرب، لن يقود البلاد أبداً إلى طريق التنمية المستقلة.

 

أما المعيار الأعلى للبلاد الإسلامية فليس هو الأنظمة الاقتصادية التي وضعها البشر، بل أحكام الله تعالى. فالاقتصاد الإسلامي لا يهدف إلى تجميع الثروة في أيدي قلة من الناس، بل يهدف إلى توزيعها بالعدل وخدمة مصلحة المجتمع. قال الله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾.

 

بقلم: الأستاذ إسلام أبو خليل – أوزبيكستان

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع