- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-09-02
جريدة الراية:
هل بدأ يتشكل نظام عالمي جديد؟
إن الشيء الطبيعي في العلاقات الدولية عبر التاريخ هو التزاحم على مركز الدولة الأولى، ومن يتبوأ هذا المقعد يتعرض لمزاحمة الآخرين الطامعين فيه.
وكان هذا الأمر سائرا على طبيعته تلك، حتى عام 1991 عند سقوط الاتحاد السوفيتي المنافس الرئيس لأمريكا التي تبوأت مقعد الدولة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية، وتفردت بالموقف الدولي. فلم تعمل روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي بقيادة يلتسن على منافستها، بل عملت لأن تكون شريكا لها، وأن تبقى دولة كبرى تحافظ على مناطق النفوذ السوفيتي، إلى أن ترأسها بوتين عام 1999، والذي استمر في هذه السياسة بجانب العمل مع أوروبا عندما تقربت منه فرنسا وألمانيا وشكلت محورا معارضا لأمريكا في احتلالها للعراق عام 2003 بتشجيع خفي من بريطانيا.
إذ إن أوروبا لم تستطع منافسة أمريكا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، مع أنها حاولت، فشكلت الاتحاد الأوروبي عام 1991، وحاولت أن تلعب دورا فاعلا في أزمتي البلقان والشرق الأوسط، ومن ثم أصدرت عملتها اليورو عام 2001 لمنافسة الدولار الأمريكي.
ولكن بوتين عندما رأى نكث أمريكا لالتزاماتها بتفاهمات عدم توسيع الناتو في مناطق نفوذ روسيا استغل اهتزاز وضع أمريكا عام 2008 بسبب الأزمة المالية العالمية، وبسبب عدم قدرتها على الانتصار في العراق وأفغانستان واستعدادها للانسحاب منهما. فقام باحتلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وانتزعهما من جورجيا التي تمكنت أمريكا من بسط نفوذها فيها وإسقاط نفوذ روسيا. وقام باحتلال القرم عام 2014 بعدما أسقطت أمريكا عملاء روسيا في أوكرانيا.
ومع ذلك لم تقم روسيا بمزاحمة أمريكا واستمرت في سياستها كشريك لها. فتدخلت في سوريا عام 2015 بناء على تفاهمات مع أمريكا التي أرادت ضرب الثورة السورية وحماية عميلها بشار حتى تأتي بالبديل.
وفي الوقت نفسه استمرت روسيا في العمل مع أوروبا التي تفاهمت معها في موضوع شرق روسيا والتغاضي عن القرم باتفاقية مينسك عام 2015. حيث كان الطرفان يعملان على التقوي ببعضهما بعضا لتعزيز وضعهما في الموقف الدولي تجاه وضع أمريكا المتفرد.
وروسيا وأوروبا كل على طريقته، حاول تعزيز وضعه الدولي بالتفاهم مع الصين التي لم تستطع أمريكا احتواءها وجعلها دولة تدور في فلكها كاليابان. فأصبحت هناك ثلاث قوى مستقلة، كل يعمل على تعزيز وضعه الدولي بالتعاون مع الآخر.
فعندما رأت أمريكا ذلك، أرادت تمزيق تعاون هذه القوى وإبعادها عن بعضها لتتفرد في كل منها على حدة، فأشعلت حرب أوكرانيا باستفزاز روسيا لتقوم باحتلال شرقها عام 2022، فنجحت في إبعاد روسيا وأوروبا عن بعضهما، وعرقلت عقد تحالف بين روسيا والصين، وأشغلت الصين بمشاكل مع دول واقعة في منطقتها، ووقعت اتفاقات أمنية مع بعضها وتعزيز القواعد العسكرية، وأعلنت الحرب الاقتصادية عليها، وهددتها مباشرة وباليابان إذا أقدمت على ضم تايوان إليها.
وهكذا حافظت أمريكا على تفردها في الموقف الدولي، ولتعزيز ذلك، قامت بفرض هيمنتها على بنما وفنزويلا، وللحد من نشاط روسيا والصين فيهما. وشنت حملة على كندا وطالبت بضمها إليها، وحملة على أوروبا للاستحواذ على جزيرة غرينلاند.
ومنذ 2026/2/28 شنت حربا على إيران التي كانت تدور في فلكها لجعلها دولة تابعة، ولتظهر تحديها لروسيا التي لم تجرؤ على الوقوف بجانب إيران، وللصين التي لا تملك الجرأة على تحديها، حيث عززت إيران علاقاتها معهما ودخلت في منظمتهما الاقتصادية بريكس.
فلو حققت أمريكا هدفها تجاه إيران لتعزز وضعها بشكل قوي، ولأكدت تفردها في الموقف الدولي، ولبدأت تتهجم على روسيا والصين، ولتحركت لفرض هيمنتها على غرينلاند وكندا. ولكن صمود إيران عرقل كل جهودها، بل جعل وضعها الدولي يهتز ويشجع روسيا والصين وأوروبا ضدها.
ولهذا أعلنت روسيا على لسان وزير خارجيتها لافروف في لقائه نظيرته الكورية الشمالية تشو سون يوم 2026/8/18 أن "البلدين يعملان على إقامة نظام عالمي جديد وعادل"، وقد ساعدت بيونغ يانغ موسكو في طرد قوات أوكرانية من منطقة روسية العام الماضي، بموجب التحالف الاستراتيجي بينهما. فروسيا تعمل على تعزيز هذا التحالف لتظهر نفسها كأنها قطب عالمي له حلفاء، وتريد المزيد من الدعم الكوري الشمالي. ولهذا كشفت الاستخبارات الأوكرانية لشبكة سي إن إن الأمريكية يوم 2026/8/22 عن "دفع كوريا الشمالية بتعزيزات جديدة لروسيا بنحو 8500 جندي، بينها وحدة متخصصة في الطائرات المسيرة قادرة على ضرب أهداف في العمق الأوكراني".
فروسيا محتاجة لدعم كوريا الشمالية التي هي أقل شأنا من أن تلعب دورا عالميا، ولم تجد حليفا غيرها. فهي تعاني في أوكرانيا ولم تستطع الانتصار، فأشار رئيسها بوتين إلى ذلك أمام البرلمان الروسي "الدوما" يوم 2026/7/27 بقوله: "روسيا تمر بمرحلة مصيرية ومفصلية في ظل تبلور نظام عالمي جديد". ولو كانت واثقة من نفسها لإقامة نظام عالمي جديد، لأعلنت دعمها المباشر لإيران، ولتصدت لأمريكا في بنما وفنزويلا.
وفرنسا مع أوروبا لم تستطع حتى الآن تشكيل قطب عالمي، فقد قال رئيسها ماكرون يوم 2026/6/13: "العالم يشهد تراجعا في الالتزام بالقواعد الدولية المشتركة وتناميا لسياسات الإكراه والصراعات المعلوماتية ما يضع النظام الدولي أمام اختبار صعب".
وتكلمت ألمانيا في الموضوع عندما قال مستشارها ميرتس يوم 2026/2/13 في مؤتمر ميونخ للأمن العالمي: "هذا النظام العالمي لم يعد موجودا كما عرفناه.. دور أمريكا القيادي يواجه تحديا وربما تراجعا"، وتكلم عن "عودة الصراع بين القوى الكبرى"، وعن "النزعة التعديلية العنيفة لروسيا، وسعي الصين لقيادة تشكيل النظام العالمي"، وعن "تحرك ألمانيا مع فرنسا لإقامة رادع نووي أوروبي، وتعزيز القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية الأوروبية" وقال "عادت أوروبا للتو من عطلة طويلة من التاريخ". وقال: "المسؤولية تقع على عاتقنا لاستغلال قوتنا وحكمتنا في هذا النظام العالمي الجديد".
فترى ألمانيا أن النظام الجديد بدأ يتشكل. فأوروبا وروسيا والصين كل يتحرك على طريقته، لوضع قواعد هذا النظام العالمي. ولكنها لم تخط خطوات جريئة لمزاحمة أمريكا التي تتمسك بتفردها في الموقف الدولي، وتحول بينه وبين تلك القوى، وتريد الهيمنة عليها.
ويظهر أن الوضع باق على ما هو حتى حين، وهناك قوة تتحرك لتشكل النظام العالمي الجديد، وهي قوة الأمة الإسلامية وإن كان التآمر يجري عليها بشدة، لمنعها من إعادة دولتها، حيث تبوأت مقعد الدولة الأولى 9 قرون بلا منافس، وأربعة قرون بوجود منافسين. ولكن المخلصين من أبنائها جادّون لإعادتها خلافة على منهاج النبوة.
بقلم: الأستاذ أسعد منصور
المصدر: جريدة الراية



