الاقتصاد الافتراضي د. محمد جيلاني- حوار- الجزء الأول
- نشر في اقتصادية
- قيم الموضوع
- قراءة: 1296 مرات
قال جعفر بن زيد: " خرجنا في غزاة إلى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة فصلوا ثم اضطجع فقلت: لأرمقنّ عمله، فالتمس غفلة الناس فانسلّ وثبا فدخل غيظة (وهي مجموعة أشجار ملتفة) قريب منا، فدخلت على أثره فتوضأ ثم قام يصلي فجاء أسد حتى دنا منه فصعدت في شجرة فتراه التفت إليه أو عدّه جرو! فلما سجد قلت الآن يفترسه فجلس ثم سلّم ثم قال: " أيها السبع اطلب الرزق من مكان آخر"، فولّى وإن له زئيراً، فمازال كذلك يصلي حتى كان الصبح فجلس يحمد الله وقال: "اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ومثلي يستحي أن يسألك الجنة"! ثم رجع وأصبح وكأنه بات على حشاياً ، أما أنا فأصبح بي ما الله به عليم من هول ما رأيت!
وَصَلِّ اللَّهُمَّ عَلَىْ سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وَعَلَىْ آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ
وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ
ذكرنا في الحلقات السابقة أنه قبل معرفة الأحكام الشرعية لحمل الدعوة من أجل استئناف الحياة الإسلامية لابد من معرفة أمرين اثنين معرفة دقيقة، وهما مناط الحكم، وهو الواقع الذي نريد أن نعرف حكم الشرع فيه، ثم النصوص الشرعية المتعلقة بهذا الواقع.
الأمر الأول: مناط الحكم، وهو الحياة التي نعيشها اليوم.
الأمر الثاني: أن يكون أمان هذه الدار ومن فيها بأمان المسلمين.
ثم بينا الطريق الشرعي لاستئناف الحياة الإسلامية بتتبعنا لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بدراستنا لكتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.
وقد سار عدد من الأحزاب والجماعات الإسلامية العاملة لاستئناف الحياة الإسلامية، في طرق مختلفة ومخالفة للطريق الشرعي، وذلك نتيجة لاجتهاداتهم التي توصلوا إليها، ويمكن تصنيف هذه الاجتهادات إلى صنفين: صنف ناتج عن عدم معرفة مناط الحكم، وصنف ناتج عن عدم معرفة الحكم الشرعي المنطبق عليه.
أما الصنف الأول فهو الصنف الناتج عن عدم معرفة مناط الحكم معرفة صحيحة :
فبعض الجماعات والأحزاب الإسلامية رأت أن واقع الحياة التي نحياها، وهي مناط الحكم، حياة إسلامية، إلا أن الحكام القائمين عليها وبعض الناس قد ارتدوا عن الإسلام، وذلك بسبب حكمهم المسلمين بغير الإسلام، لذلك يجب إشهار السلاح في وجوههم ومقاتلتهم، وقتلهم إن أصروا على فعلهم، من أجل الإتيان بحكام يطبقون الإسلام، وقد استدلوا على ذلك بأدلة قتل المرتدين، وبدليل ما روى البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا، أن بايعناه على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)، وبما روي عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع، قالوا أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة) أي ما أقاموا فيكم أحكام الإسلام، ومنها الصلاة، وهو من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، وبما أن حكام اليوم للمسلمين يطبقون عليهم أحكام الكفر، فمنازعتهم ومقاتلتهم واجبة، وكذلك قتلهم، إن أصروا على الكفر البواح الذي فيه من الله برهان، وانطبق عليهم قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).
إن الذين توصلوا إلى تلك الطريقة في التغيير، لم يدركوا الفارق بين الواقع الذي نعيشه اليوم، وبين الواقع الذي نصت عليه الأحاديث، إذ إن ما نراه اليوم كفراً بواحاً، لم يحصل في زماننا، بل وجدنا أنفسنا نعيش فيه منذ بلوغنا، فقد ولدنا في دار كفر ولا نزال، وها نحن نعيش فيها حياة غير إسلامية، ولم تتغير هذه الدار وهذه الحياة على مرآى منا، كما حصل عندما هدمت الخلافة عام 1924م، وأعلن مصطفى كمال التركي، وبقية الحكام في العالم الإسلامي، ترك الحكم بالإسلام، وتبنوا أحكام الكفر الوضعية. حينها كان من الواجب على المسلمين الذين شهدوا تلك الجريمة الشنعاء أن يحملوا السلاح في وجه من ارتكبوها، وأن يقتلوا كل من يصر على الوقوف ضد تطبيق الإسلام.
فالأحاديث التي استدلوا بها، تدل على أن المخاطب بحمل السلاح وقتال الحكام، هم المسلمون الذين شهدوا تغيير دار الإسلام إلى ديار كفر، لأن السلطان والقوة والأمان كانت للمسلمين وهم كانوا قد بايعوا الخلفاء والسلاطين بيعة طاعة على أن يحكموهم بالإسلام، فإن جاء حاكم آخر، ونازع هؤلاء الخلفاء، واغتصب منهم السلطة، ليحكم المسلمين بغير ما أنزل الله، عليهم أن ينابذوه ويقاتلوه حتى يرجع إلى الله، وإلا قتلوه، وبايعوا غيره ليحكمهم بما أنزل الله. لأن نص الحديث الأول ورد فيه: (إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم فيه من الله برهان) وهذا يعني أنكم لم تكونوا ترون الكفر البواح من الحاكم، فصرتم ترونه منه، فهو خطاب لمن شهد التغيير من الإسلام إلى الكفر، والحديث الذي ورد فيه (قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، ومعناه، لا تقاتلوا الحكام ما طبقوا شرع الله، فإن تركوه وطبقوا غيره فقاتلوهم لإعادة تطبيق شرع الله، فهو أيضاً خطاب لمن شهد تغير الحكام في تطبيق الإسلام.
وأما قتل المرتدين، حكاماً كانوا أو محكومين، فهو ليس من صلاحية الأفراد أو الأحزاب، وإنما هو من صلاحية الحاكم المسلم، فعلى الأمة أن تعمل بالطريق الشرعي لإيجاد الحاكم الذي يطبق الإسلام كله، ومنه إقامة الحدود وقتل المرتدين.
فالواقع الذي نعيشه اليوم والذي هو بحاجة إلى التغيير، يشبه الواقع الذي وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة منذ البعثة، فكان لا بد لحملة الدعوة من البحث عن الأدلة والأحكام الشرعية التي تنطبق على هذا الواقع الذي نعيشه، من أجل الالتزام بها في عملية التغيير.
ويحتج بعضهم في جواز الأعمال المادية للتغيير، بالحديث الصحيح المروي عن علي بن أبي طالب، قال: (انطلقت أنا والنبي صلى الله عليه وسلم حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله: اجلس، وصعد على منكبي، فذهبت لأنهض به، فرأى مني ضعفاً، فنزل، وجلس لي نبي الله وقال: اصعد على منكبي، قال: فصعدت على منكبيه، قال: فنهض بي، قال: فإنه يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت، وعليه تمثال أصفر أو نحاسي، فجعلت أزاوله عن يمينه وشماله وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت وانطلقت أنا ورسول الله نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس) .
هذا الحديث الذي استدلوا به، لا يجيز الأعمال المادية في حمل الدعوة للأمور التالية:
وهناك صنف ثاني ممن قاموا للتغير لاستئناف الحياة الإسلامية وهو الصنف الناتج عن عدم معرفة الأحكام المتعلقة في التغير نلقي الضوء عليه في الحلقة القادمة إن شاء الله. وإلى ذلك الوقت نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد حسين عبد الله
يعتبر الفقر بجد آفة من الآفات الاجتماعية ويتفوق في الأهمية على غيره من الآفات مثل المرض والجهل ويشكل الفقر عنصرا فعالا في معاناة الشعوب ويسبب الكثير من المشكلات ويؤدي إلى العديد من الجرائم ويدفع إلى الفساد والانحراف والبطالة وغير ذلك.
ويعاني العالم اليوم من الفقر المتفشي والمنتشر في معظم بلاد العالم إن لم يكن كلها مع تفاوت في عدد ونسب الفقراء، ولا تكاد دولة تخلو من الفقر في العصر الحاضر بما في ذلك الدول الغنية والمتقدمة علميا وصناعيا فهو مشكلة عامة وطامة ورغم ما يشهد العالم من تقد مادي فإنه يلاحظ ازدياد نسبة الفقر باضطراد، ويعزو البعض لوجود الفقر إلى المدنية ويجعل بينها وبين الفقر تناسبا طرديا أي كلما تقدم العالم في المدنية كلما ازداد الفقر.
وقد بدأ تفشي الفقر بشكل ملموس منذ قيام النهضة الصناعية وانتشار الاعتماد على الآلة في الإنتاج الصناعي والزراع، ورغم ما استوعبته الصناعة من عمالة إلا أن الفقر ظل ينحو منحى الصعود.
ولم تقف الحكومات ولا المؤسسات الاجتماعية ولا الأفراد الأغنياء عن العمل على مساعدة الفقراء وتقديم العون الممكن لهم وإيجاد برامج الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية المختلف لهم غير أن المشكلة ظلت قائمة بل وزاد عدد الفقراء في العالم وتدخلت حكومات غنية ومنظمات دولية في معالجة هذه المشكلة التي نجم عنها مشكلات أخرى عديدة مثل الهجرة والسرقة والمرض والجهل والانتحار والاعتداء على الأنفس والتسول والاعتداء على الأموال العامة والخاصة وكذلك انتشرت الرشوة، وارتفعت نسب الجريمة والبطالة وظهرت العصابات المسلحة وغير ذلك من الانحرافات التي تعد كل مها آفة اجتماعية خطرة وظل العالم يتساءل عن أسباب ذلك فهناك برامج اجتماعية وجمعيات خيرية، ومنظمات دولية وأفراد موسرون يقدمون الزكاة والصدقة والتبرعات وهناك دول كبيرة وغنية تساعد غيرها من الدول وهناك شيء من التكافل الاجتماعي ولا سيما في بلاد المسلمين إلا أن هذه الجهود كلها وإن أدت إلى الحد النسبي لهذه المشكلة المستعصية إلا أنها لم تستطع أن تنقذ العالم مما هو فيه من فقر مدقع ولم تستطع أن تحول دون اضطراد وزيادة عدد الفقراء قي العالم سواء في البلاد الغنية أو الفقيرة أو في البلاد الكبيرة أو الصغيرة فالكل في مشكلة الفقر سواء.
وللتدليل على لما نقول من خشية أن يعتقد البعض أن هناك مبالغة في الأمر -نورد المعلومات التالية:-
هذا هو الحال قبل حدوث الأزمة الاقتصادية الحالية الناجمة عن ارتفاع سعر النفط وبالتالي انخفاض قيمة الدولار وارتفاع أسعار جميع المواد والحاجيات ولا سيما المواد الغذائية، هذا الارتفاع الفاحش وغير المسبوق والمرشح للزيادة والاستمرار مما أدى وسيؤدي إلى تفاقم مشكلة الفقر وزيادة عدد الفقراء في العالم إلى جانب المشكلات والآفات والنكسات الأخرى من قتل وتشريد وانتحار ورشوة وفساد مالي وأخلاقي واجتماعي إلى سطو مسلح واعتداء على الأموال والأرواح والممتلكات الأخرى العامة والخاصة.
وقد تفاقمت هذه الأزمة بسبب مشكلة الرهن العقاري والعجز التجاري الأمريكي المتصاعد إضافة إلى انخفاض أسعار النفط وتفشي الربا وقد تمكنت الولايات المتحدة من نقل هذه المشاكل إلى جميع دول العالم تقريباً، وفي فترة زمنية قصيرة بدأت الشركات العملاقة بالانهيار الواحدة تلو الأخرى ومنها بنك ليمان برذرز الذي أعلن إفلاسه في 15/9/2008 وهو رابع أكبر بنك هناك فقط هبط سعر السهم الواحد من أسهمه في ذلك اليوم إلى 92% وتوالى هبوط أسعار البنوك الكبيرة وبدأت المشكلة تشمل الكثير من الشركات والبنوك ولا سيما شركات صناعة السيارات التي وصل بها الحال إلى حافة الهاوية وقد نتج عن ذلك الاستغناء ملايين الوظائف مما أدى ويؤدي إلى تفاقم مشكلة البطالة وازدياد عدد الفقراء والمحتاجين.
ورغم ما أعلنته حكومة الولايات المتحدة من خطر لإنقاذ الموقف وتخصيص حوالي 800 مليار دولار لدعم هذه الشركات وشراء بعض أسهمها أو أوصولها ورغم ما قامت به من استغلال واستنزاف وفرض أتاوات على دول الخليج والحصول منها على مليارات الدولارات إلا أن الوضع بقي وسيبقى على ما هو، وتفيد تقارير الخبراء أن عام 2009 سيكون أسوأ من سابقه وأن الكساد الاقتصادي والانكماش سيطال الكثير من الدول.
وتشير المعلومات الواردة عن الأوضاع في العالم إلى الآتي:
وحيث أشرنا إلى هذا الواقع وشخصنا هذه المشكلة فإنه بقي علينا أن نبحث في أمرين آخرين هامين يتعلقان بها وهما:
أولاً أسباب هذه المشكلة، وثانياً العلاج المناسب والناجح لها.
أما بالنسبة للأمر الأول وهو أسباب هذه المشكلة فيمكن إيراد الأسباب التالية:-
أما الأمر الثاني وهو العلاج المناسب والناجح لهذه المشكلة فهو لا يكون إلا بتطبيق نظام الإسلام كاملاً وإيجاد دولة كبيرة قائمة على أساس مبدأ الإسلام عقيدة ونظام حياة، فقد عالج الإسلام هذه المشكلة معالجة جذرية حيث إذا أحسن تطبيق هذا المبدأ وهذه المعالجة المبنية عليه فإن ذلك سيؤدي بلا شك إلى القضاء على هذه الظاهرة قضاء مبرماً وأبدياً.
أما ما هو هذا العلاج فإن الإسلام نظر إلى الفقر نظرة خاصة وعالجه على النحو التالي:-
وقد جعل الإسلام إشباع هذه الحاجات الأساسية وتوفيرها لمن لا يجدها فرضا فإذا وفرها الفرد لنفسه كان بها، وإذا لم يوفرها لعدم وجود مال كاف لديه أو لعدم استطاعته تحصيل المال الكافي جعل الشرع إعانته على غيره، حتى يتوفر له ما يشبع هذه الحاجات الأساسية، وجعل تحقيق ذلك على النحو التالي:
وإذا لم يوجد في بيت المال مال، يجب على الدولة أن تفرض ضريبة على أموال الأغنياء وتحصلها لتنفق حينها على الفقراء والمساكين.
أما الحاجات الكمالية فعلى القادر إشباعها لنفسه ومن يعول حسب استطاعته فكما أنه على الدولة العمل على إشباعها للمحتاجين حسب قدرتها وبالمعروف.
وبهذا يكون الإسلام قد وضع حلا جذريا للفقر وحال دون وجود الفقراء.
قال صلى الله عليه وسلم: «أيما أهل عرصة بات فيهم امرؤ جائعاً إلا برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى».
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد سعيد