الخميس، 01 شوال 1447هـ| 2026/03/19م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

الحديث السياسي الصوملة والقرصنة

  • نشر في سياسية
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1919 مرات

 

عندما يتم تقطيع أوصال بلد ما، وتنشب فيه حروب أهلية طاحنة، وتتقاتل عليه مجموعات قومية وإثنية ومذهبية متشابكة، ويصبح نموذجاً سيئاً لغيره من البلدان، ومعياراً أو مقياساً يعكس عدم الاستقرار، عندما يحدث ذلك في بلد ما قد يدخل اسمه في مفردات القواميس السياسية للدلالة على معاني التفتيت والتصارع والفوضى، وقد يُضرب به الأمثال.

ومن البلدان التي ذاع صيتها في هذا المضمار، ودخل اسمها في كل دار، منطقة البلقان في القرن التاسع عشر، ودولة لبنان في القرن العشرين، فهذه البلدان ابتليت بالحروب الطائفية، وتعرضت لمشاريع التقسيم الحقيقية، وأصبح كل بلد بعد ذلك يُبتلى بمثل ما ابتليت به بلاد البلقان أو دولة لبنان، يُطلق عليه صفة البلقنة أو اللبننة.

والحقيقة أن غالبية البلدان الإسلامية، ومعظم الدول النامية قد جعلها الاستعمار مشاريع بلقنة ولبننة، فلا يقتصر الأمر على لبنان أو البلقان، فتآمر الدول الغربية الاستعمارية على تلك البلدان لم يتوقف لحظة، وتكالبها على مواردها حوَّلها في أغلب الأحيان لأن تكون عرضة في أي وقت للتقسيم، ولاندلاع الحروب الداخلية فيها.

لكن وسائل الإعلام المروجة للمصطلحات السياسية، وواضعي مفردات القاموس السياسي، غفلوا عن الصومال الذي تفوق بجدارة على لبنان والبلقان في وجود مثل تلك المواصفات فيه. فالصوملة أدق وصفاً من اللبننة أو البلقنة في دلالتها على معاني التناحر والتمزيق، وما جرى في الصومال من اقتتال وتناحر، ومن تفتيت وتمزيق فاق كل التصورات.

فالصومال منذ الإعلان عن استقلاله، تم تقسيمه وتوزيعه على عدة دول أفريقية، ومزق إلى أكثر من مزقة، وما تبقى منه زُرعت فيه بذرة الانقسام والانشطار والتفتت.

ففي عام 1954م ضمت بريطانيا إقليم أوغادين الصومالي إلى الحبشة (أثيوبيا) والذي تعادل مساحته ما يقارب ربع مساحة أثيوبيا نفسها. وفي العام 1960م أقيمت دولة الصومال الحديثة على بقايا الأراضي الصومالية المؤلفة من إقليمين اثنين، أحدهما الصومال البريطاني (صومالي لاند) والثاني الصومال الإيطالي (صوماليا). أما الصومال الفرنسي الذي تقطنه قبيلتي عفار وعيسى فقد انفصل عنهما وأصبح دولة مستقلة تدعى جيبوتي. وفي العام 1963م ضمت كينيا إليها و-بالتواطؤ مع بريطانيا- إقليم جنوب غرب الصومال وأصبح إقليماً كينياً يُسمى إقليم الحدود الشمالية الكينية.

وهكذا تحول الصومال الكبير إلى صومال فرنسي وصومال أثيوبي وصومال كيني وصومال إيطالي وصومال بريطاني. وخاض الصومال الإيطالي والبريطاني حروباً أهلية دامية منذ تأسيسه وحتى هذه الأيام، وأسفرت تلك الحروب في العام 1991م عن الإطاحة بحكم الرئيس محمد سياد بري ومن ثم الإطاحة بالدولة نفسها. ويعيش الصومال منذ ذلك الوقت في مناطق الصومال الإيطالي والبريطاني السابقة بدون دولة رسمية معترف فيها.

إلا أن الصومال البريطاني أعلن عن استقلاله من جانب واحد في العام 1991م تحت اسم جمهورية أرض الصومال، ونأى بنفسه عن الحروب الأهلية، ولاذ حكامه ببريطانيا التي منحتهم الحماية النسبية. وأما الصومال الإيطالي فانقسم عنه إقليم بونتلاند الذي أعلن الانفصال عن العاصمة مقديشو باعتباره منطقة تتمتع بالحكم الذاتي، ومن هذا الاقليم بالذات تنطلق في هذه الأيام أعمال القرصنة.

ولقد ساهمت الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، كما ساهمت الدول المجاورة مثل أثيوبيا وكينيا وإريتريا وجيبوتي، ساهمت كل هذه الدول بشكل أو بآخر في إذكاء الحروب الأهلية وفي صناعة أمراء الحرب الذين عملوا لصالح تلك الدول، وفتكوا بالدولة، وساهموا في خرابها.

وكان لأبناء الصومال المخلصين من المجاهدين والمنادين نصيباً من البلد، فقد طالبوا وحاولوا أن يطبقوا أحكام الشريعة الإسلامية على الناس، وجاهدوا الغزاة بمجهوداتهم الذاتية، فكان لهم نصيب من تلك الحروب كالمحاكم الإسلامية والشباب المجاهدين، كما كان للقراصنة نصيب آخر منها، وهم من المحاربين القدامى الذين حوَّلوا حروبهم تجاه البحر، مبتعدين عن البر، محاولين كسب لقمة عيشهم عن طريق القرصنة، بعد أن سُلبوا من حقهم في العيش الطبيعي.

ومرت الأيام وتمرس القراصنة في العمل، وصار لديهم الخبرة والمال اللازمين للاستيلاء على السفن الكبيرة كناقلة البترول السعودية، وصاروا يجوبون أعالي البحار، وينجحون في الاستيلاء على السفن الكبيرة كناقلة البترول السعودية، وأصبحوا يستخدمون في قرصنتهم السفن الكبيرة كقواعد متحركة لهم للانطلاق منها على فرائسهم، ولاصطياد الطرائد الثمينة والوفيرة التي تطالها أيديهم. وبعد أن وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه حالياً، وأصبحت قرصنتهم تشكل أخطاراً كبيرة على مصالح الدول الكبرى، هبت هذه الدول ومعها الدول التابعة لمواجهتهم. فحكام آل سعود وصفوهم بالإرهابيين، وبدأوا يعرضون الأموال على بعض المقاتلين الإسلاميين لمواجهتهم. وأما الدول الكبرى الاستعمارية فبدأت تضع الخطط وترصد الأموال للقضاء عليهم؛ لأنهم باتوا يشكلون خطراً حقيقياً على التجارة البحرية الدولية، وما تحمل من إمدادات طاقة وموارد ومواد خام للدول.

لقدكان حرياً بالسعودية ومصر واليمن غيرها من الدول العربية التي تتباكى على مصالحها وأرباحها من القراصنة، لقد كان حرياً بها لو أرادت معالجة المشاكل في الصومال معالجة حقيقية وجذرية، أن تمد يد العون للصوماليين المحتاجين، وأن تقدم لهم المساعدات التي تسد رمقهم وعوزهم، وأن تعمل على توحيد الأقاليم الصومالية المتناثرة في دولة واحدة، لا سيما وأن الصومال دولة عربية وعضو في الجامعة العربية.

 لكن إهمال الأنظمة العربية للصومال وتركه لقمة سائغة للأثيوبيين المستعمرين، وعدم احتضانه ومده بأسباب الحياة، هو الذي حوَّل الصومال إلى هذا الحال من البؤس والتخلف والتمزق. فلو أن السعودية أنفقت جزء يسير من مداخيلها النفطية الهائلة على استثمارات تنموية في الصومال، لما عمَّت الفوضى والمجاعة في مواطنيه، ولما غزته القوات الأثيوبية، ولما تحول إلى مقر رئيسي للقراصنة يهدد المصالح العالمية والاقليمية، ومنها المصالح السعودية.

لكن إهمال الصومال وازدرائه من قِبل (الأشقاء) كما يحلو لهم وصف أنفسهم هو الذي تركه فريسة للأعداء يعبثون بمقدراته كما يشاؤون. فمن الأولى أن يتدخل في شؤون الصومال العربي المسلم الدول الغربية والدول الزنجية أم البلدان العربية والإسلامية؟!!! وقبل أن يلام القراصنة في الصومال ويوصفون بالإرهاب من قبل حكام آل سعود وحكام مصر فليلوموا أنفسهم على تقصيرهم في ترك قطعة عزيزة من البلاد العربية والإسلامية بأيدي الأعداء يمزقونها إرباً إرباً فيما بينهم وكما يحلو لهم.

فعلى حكام الدول العربية والبلدان الإسلامية إن أرادوا حماية مصالح دولهم وشعوبهم أن يعيدوا النظر في الوضع الأمني والسياسي الإقليمي برمته، وأن تكون نظرتهم له نابعة من المبدأ الذي يجمعهم، وأن يوسعوا من اهتماماتهم الضيقة ليجعلوها تعم المنطقة العربية والإسلامية بأسرها، باعتبارها تشكل كلاً واحداً سياسياً وأمنياً لا يتجزأ.

لكن هؤلاء الحكام  عهدناهم منذ زمن بعيد حكاماً عملاء مأجورين، لا يبدو أنهم قادرين على تغيير نظرتهم القاصرة، وقد اعتادوا أن لا ينظروا إلى أبعد من أرنبة أُنوفهم.

إقرأ المزيد...

نفائس الثمرات الْمُشاقَّةُ وَالْمُحادَّةُ

  • نشر في من حضارتنا
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1718 مرات

 

إذا كان الله ورسوله في جانب فاحذر أن تكون في الجانب الآخر، فإن ذلك يفضي إلى المشاقة و المحادة، وهذا أصلها ومنه اشتقاقها، فإن المشاقة أن يكون في شق ومن يخالفه في شق، و المحادة أن يكون في حد وهو في حد، ولا تستسهل هذا فإن مبادئه تجر إلى غايته، وقليلَه يدعو إلى كثيره ، وكن في الجانب الذي فيه الله ورسوله وإن كان الناس كلهم في الجانب الآخر، فإن لذلك عواقبَ هي أحمدُ العواقبِ وأفضلِها، وليس للعبد أنفعُ من ذلك في دنياه قبل آخرتِهِ ، وأكثرُ الخلق إنما يكونون في الجانب الآخر، ولا سيما إذا قويت الرغبة والرهبة ، فهناك لا تكاد تجد أحدا في الجانب الذي فيه الله ورسوله ، بل يعده الناس ناقصَ العقل سيئَ الاختيار لنفسه، وربما نسبوه إلى الجنون ، وذلك من مواريث أعداء الرسل فإنهم نسبوهم إلى الجنون لما كانوا في شق وجانب والناس في شق وجانب آخر، ولكن من وطن نفسه على ذلك فإنه يحتاج إلى علم راسخ بما جاء به الرسول يكون يقينا له لا ريب عنده فيه، وإلى صبر تام على معاداة من عاداه و لومةِ من لامه، ولا يتم له ذلك إلا برغبة قوية في الله والدار الآخرة، بحيث تكون الآخرةُ أحبَّ إليه من الدنيا وآثرَ عنده منها، ويكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما ، وليس شيء أصعب على الإنسان من ذلك في بادئ الأمر، فإن نفسه وهواه وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشرته من ذلك الجانب يدعونه إلى العاجل، فإذا خالفهم تصدوا لحربه، فإن صبر وثبت جاءه العون من الله وصار ذلك الصعبُ سهلا، وذلك الألمُ لذة، فإن الرب شكور، فلا بد أن يذيقَهُ لذة تحيزِهِ إلى الله وإلى رسوله ويريه كرامةَ ذلك فيشتدُ به سرورُهُ وغِبطتُهُ ويبتهجُ به قلبُهُ ويظفرُ بقوته وفرحه وسروره ويبقى من كان محاربا له على ذلك بين هائب له ومسالم له ومساعد وتارك، ويقوى جندُهُ ويضعف جندُ العدو‏.‏

كتاب الفوائد لابن القيم

إقرأ المزيد...

قراءة في كتاب الأسواق المالية للعالم فتحي سليم رحمه الله

  • نشر في النظام الاقتصادي
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 2908 مرات

 

أيها المستمعون الكرام ،

 

                   السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

 

ها نحن ذا نلتقيكم ثانية في جولة جديدة ضمن برنامجنا قراءة في كتاب، وجولتنا لهذه الحلقة مع كتيب صغير بالغ الأهمية، وهو "الأسواق المالية "

          وقبل الكلام عن الكتيب سنلقي نظرة على الكاتب، كاتب هذا الكتيب هو عالم فذ ، لغوي فقيه ، وسياسي مخضرم ، وشاعر حامل مبدأ ، حمل الدعوة لإستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة منذ بداياتها ، فهو من الرعيل الأول في حزب التحرير ، وإن لم يكن من المؤسسين ، له مؤلفات عدة  وأوراق كثيرة في شتى المجالات ، وقد استمع متابعوا إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير إلى العديد من مقالاته ، إنه الأستاذ الفاضل فتحي محمد سليم (ابو غازي)  والذي فارقنا منذ بضعة أسابيع فقط منتقلاً لجوار الله ورحمته ، نسأل الله له الرحمة والرضوان ، هذا العالم الجليل كان قد نذر نفسه للدعوة فكانت جدران بيته دليلا على ذلك فقد امتلاءت بالكتب والمراجع حتى أن الكثير منها لا يمكن الوصول إليه إلا بارتقاء ذلك السلم الذي يكاد لا يغادر الغرفة ، وأما بيته فيندر أن يخلو من زائر طالب لإستشارة أو طالب علم يلتمس العلم من مصادره ، حتى وهو في مرضه الذي مات على إثره لم يألو جهدا في الكتابة وفي استقبال الأضياف والحديث معهم على الرغم من أن الحديث كان يتعب قلبه الضعيف ، رحم الله أستاذنا وعالمنا وموجهنا الشيخ فتحي محمد سليم رحمة واسعه وادخله فسيح جنانه ، وأحسن عزاءنا وعزاء الأمة فيه ، اللهم آمين .

          والآن لنلق نظرة على أسلوب الكاتب - رحمه الله- فقد امتازت جمله في كثير من الأحيان بالقصر ، وهذه الجمل واضحة سلسة ، ولكنها تدعو من يقراها للتفكير لكي يربط بينها لأنها تظهر وكأنها ليست مترابطة أحيانا بالرغم من أنها في عين الموضوع ، وهذه الظاهرة بينة لمن يقرا له مقالاته السياسية ، مثل ورقته عن البترول والصراع عليه ، وإن لم تظهر في كتابه في العقيدة المسمى "الإستدلال بالظني في العقيدة" .

          ومن مجمل كتاباته - رحمه الله تعالى - يتبين لنا سعة اطلاعه ومتابعته للأحداث السياسية والإقتصادية والفكرية ، ولذلك نراه كتب في هذه المواضيع جميعها ، هذا عدى عن شعره ونثره الأدبي والذي نتمنى أن يجمع ويصدر به ديوانا .  

أما الكتيب ، أيها المستمعون الكرام ، فقد اسس أنواع الأسواق المالية ، وآلياتها ، وأعطى فكرة كلية عنها بفقرة بسيطة قال المؤلف فيها : "بورصات الأسهم والسندات ، والأوراق المالية ، والبورصات التجارية ، هذه هي أسواق المال ، إنها أسواق وهمية ، يتحكم فيها قراصنة المال ، وكبار المضاربين . وآلية هذه الأسواق هي :

  • 1- سعر الفائدة .
  • 2- سعر الصرف .

كما وأوضح الشيخ فتحي محمد سليم - عليه رحمة الله - أن أهم عامل أو آلية من هذه الآليات الآنفة الذكر في هذ الأسواق هي الفائدة أو سعر الفائدة فقال : " إن الأداة الأساسية التي يعتمد عليها السوق المالي ، والتي يتحرك السوق بتحركها ، إرتفاعا وانخفاضا ، إزدهارا أو انتكاس ، إنما هي الفائدة (الربا) ويرتبط بها سعر الصرف بين العملات النقدية ، كما ترتكز عليها أسعار الأسهم والسندات وباقي المعاملات المالية في سوق البورصات التجارية ."

     وبعد هذا الإيضاح  ربط المؤلف بين سعر الصرف وسعر الفائدة الربوية وكيف تنتكس اقتصادات بلدان وتزدهر أخرى بسبب سعر الفائدة ، وصاحب هذا الربط ربط آخر بقراصنة المال والأسواق يبين هشاشة هذه الأسواق  فقال :" وسعر الفائدة هذا ينعكس على سعر الصرف ، وبخاصة النقد الذي يتمتع بقوة ذاتية فالتحويلات إنما تكون بالدولار ، والأرصدة الضخمة إنما تقوم عليها البنوك المعتبرة ، فإذا ما انخفض سعر الفائدة في منطقة ما من مناطق المراكز التجارية المشهورة ، تنفجر الكارثة ، وتبدأ رؤوس الأمول المستثمرة في الهروب إلى مناطق أخرى ، فتنكشف البنوك في تلك المنطقة، وتترنح المؤسسات المالية ، وينخفض سعر العملة ، حتى تطال الكارثة عملة البلدان المجاورة ، وتهبط أسعار العملات إلى حد يفقدها أو يضعف قوتها الشرائية ، وتبدأ البورصات في التخلص من معروضات الأسهم والسندات ، في سوق البورصات ، وتصبح هذه الأسهم عبئا على مالكيها ، يريدون التخلص منها بأي ثمن . وهنا يأتي دور قراصنة المال ، فإما أن يهربوا بأموالهم من السوق ، فينكشف السوق ، فتحدث الأزمة . وإما أن تكون قد امتلأت خزائنهم بالملايين . فلا يعدو كونها مقامرة تعتمد على ذكاء المضاربين الكبار وتلاعبهم في السوق ، وتأثيرهم وثقلهم في الدوائر والمؤسسات المالية ." انتهى كلام المؤلف

     والمؤلف -رحمه الله- اعتمد في هذا الكتيب القيم على النكسة المالية التي حدثت لنمور شرق آسيا في العام السابع والتسعين وتسعمائة وألف مثالا ، وفي طيات الكتيب وبعد ذكر فكرة معينة عن الأسواق الرأسمالية ، يذكر جزءا مما جرى في تلك السوق ، أي سوق جنوب شرق آسيا ، فيكون بذلك قد أفادنا عن طبيعة السوق وعن طبيعة الأزمة التي حدثت والتي بسببها ما تزال دول تترنح اقتصاداتها إلى الآن .  ولنأخذ من الكتيب عينة على ذلك . لقد أوضح الشيخ فتحي محمد سليم أن البنوك تلعب دورا أساسيا في موضوع سعر الفائدة ، أي الربا ، ولخص لنا جزءا من دور البنوك والدول في الموضوع موضحا أن هناك "نظام هرمي غير معلن للإقتراض ، فيما بين الدول النامية حسب درجة الجدارة الإئتمانية في أسواق المال العالمية . " ولذلك لما أرادت شركات ومصارف أندونيسيا الإقتراض من المصارف العالمية ، لم ترق لمستوى أن تُقرَض ، فتوجهت إلى البنوك الكورية لتقترض منها ، واقترضت البنوك الكورية من مثيلاتها اليابانية كي تتوفر عندها السيولة لتقرض الشركات والبنوك الأندونيسية ، "ولهذا فعندما انهارت الأوضاع في أندونيسيا وتعثرت الشركات الأندونيسية في سداد مديونياتها ، تأثرت بذلك أوضاع السيولة في البنوك والشركات الكورية ، التي أضرت بدورها بالأوضاع المصرفية في اليابان ."

     وعندما تنهار اقتصادات دولة تتدخل الجهات المالية العالمية ومن ورائها أمريكا ، كي تعطي ديونا مشروطة لهذه الدول . ورحم الله الشيخ الفذ فتحي محمد سليم حيث قال :" وأما الداء الوبيل ، والمرض القاتل ، فهو موضوع الديون ، هذه هي القيود التي تكبل بها أيدي وأرجل الدول المدينة ، حيث تجعلها مقودة بزمام طرفه في يد الدائن ، والطرف الآخر ممسكا بأعناق المدينين .

أي أن هذه الديون هي الإستعمار بعينه ، والإستعباد بعينه ، وهي الفقر بعينه والذل بعينه ، والتبعية التي لا حد لها ، ولا مناص منها ." ثم أضاف  فقال : " هذه قضية الديون ، يجب أن تلغى نهائيا وإلى الأبد ، وهذه واقعية البنوك ، فيجب أن تلغى نهائيا وإلى البد ، وهذه نتائج الربا (الفائدة) فهي محرمة بصريح النصوص وإلى الأبد ، وهذه آليات البورصات المالية ، وأسواقها الوهمية ، فيجب أن تزول وإلى الأبد وتستثمر الأموال في السوق التجارية بشكل فعلي يقوم تحرك السلع والخدمات ، والبضائع والمنتوجات الزراعية والتجارية والصناعية لتشارك فيها كل يد ، ويدخل كل بيت .

وموجودات أسواق البورصات موجودات وهمية ، وليست حقيقية ، إذ لا يوجد فيها سلع معدة لبيعها والمساومة عليها ومعاينتها ، ومواصفتها حيث أنها ، أولا : أوراق اسهم أي بورصات أسهم . ثانيا : بورصات تجارية ، ثالثا : أوراق مالية أي سندات مالية ." انتهى كلام المؤلف .

     وبعد هذا الكلام عن الديون ، ذكر لنا المؤلف الأفاعي التي تنفث سمومها في كل الدول ، وتعمل على حصد الأخضر واليابس حتى لا تبقي للناس شيئا إلا الذل والإستعباد ، فعددعشرة مما أسماه بالأفاعي والرزايا ، وهي :

صندوق النقد الدولي ، البنك الدولي ، منظمة التجارة الدولية ، نادي باريس الدولي ، نادي لندن الدولي ، نادي نيويورك الدولي ، مؤتمر دافوس بسويسرا ، مؤتمرات الدول السبع الغنية ، صندوق إدارة المال ، واخيرا الأسواق المالية (البورصات) .

     وبعد هذا التعداد لهذه الرزايا أنار لنا واقعنا وإن لم يفصل ، حيث أن الدول الآن واقعة تحت سيطرة هذه الأفاعي التي تتكالب لتحقق مآربها ، فقال عليه الرحمة من الله الرحيم :" وهذه التجمعات والمؤسسات يقوم عليها حفنة من القراصنة الخطرين ، يدورون في حلبة الإقتصاد متكاتفين متعاضدين على اقتناص الفرائس ، وإنزال البلاء والدمار في أية ساحة يحلون بها ، ويتمكنون منها . فتجد أحدهم عضوا في مؤسسة ، ومستشارا في أخرى ، ومديرا لثالثة ، وشريكا في رابعة ، ومندوبا عن خامسة ، وهكذا أيديهم متشابكة كانهم رجل واحد يتحرك بحركة واحدة ولمصلحة واحدة ."

     وبين لنا المؤلف أن الآلية التي تسعى هذه الأفاعي لتنال فيها من فرائسها هي عن طريق تحرير دخول وخروج الرساميل بين البلدان وعبر الحدود بدون أي عائق ، فبذلك تضمن هذه الأفاعي لدغ فريستها وتقضي على اقتصادها لتوقعها في شرك أختها من مجموعة الأفاعي ، وتشكل هذه الأفاعي الوضع السياسي ليكون مناسبا لها للتمكن من فرائسها ، ولهذا ظهرت العولمة ، وقامت الدول الكبرى بالدعوة إليها ، وعلى هذا الأساس ظهرت شركات لا جنسية محددة لها ، بل متعددة الجنسيات ، يخبرنا عنها المؤلف رحمه الله تعالى قائلا :" لقد وجدت الشركات متعددة الجنسيات ، وفتحت الأسواق على مصاريعها (حرية السوق) وكانت العولمة هي الثوب الفضفاض ، الواسع الأطراف الذي تتجلى به العروس ليلة زفافها ، ثم بدأ تفعيل قوانين المؤسسات الدولية ، وتفعيلها يعني توجيه الضربة القاضية للتنظيمات والتجمعات الإقتصادية الإقليمية التقليدية . وهذه الإجراءات الجديدة أخذت تشق طريقها إلى النجاح ، فبدأت الضربات تتتالى على هذه التنظيمات ، وبدأت تهتز ويظهر عليها التفسخ والهزال ، وبعضها الآن يترنح ، وسقوطه سيتم بين عشية وضحاها ، مهما قيل إن بعضها أخذ يسترد عافيته ، وذلك مثل دول جنوب شرق آسيا وروسيا ."

     وبعد هذه الفقرة الخطيرة ، أوضح لنا المؤلف ممن تأتي الضربات ، ولمن توجه ، فقال :" فدول جنوب شرق آسيا ، وامريكا اللاتينية ، وروسيا، يشكل اقتصادها نصف الإقتصاد العالمي ، لقد أصيب بنكسات وضربات قاتلة ، وأخذ الذوبان يظهر على هذه التنظيمات جراء تفعيل قوانين صندوق النقد الدولي ، والبنك الدولي ، ومنظمة التجارة الدولية ، ثم تبعها تفعيل قوانين الخصخصة والعولمة ." انتهى كلام المؤلف .

     لقد ذكرنا المؤلف -رحمه الله رحمة واسعة - بواقع السوق العربية المشتركة ومنظمة السوق لإفريقية واوبك بأنها معدومة القيمة والوزن ، ومنظمة مثل أوبك أصبحت خاضعة للمضاربات في اسواق النفط العالمية ، فأصبحت مسلوبة الفعالية والتاثير .

     أيها المستمعون الكرام :

     لقد ذكرنا في البداية حين ألقينا نظرة خاطفة على المؤلف أنه واسع الإطلاع ، وسياسي مخضرم ، وهذا أعطاه دقة فهم وعميق سبر للأحداث وأصحابها ، ولذلك نراه استشرف المستقبل في ختام كتيبه ، وما ذلك إلا لربطه بين المبدأ والقائمين عليه وسياساتهم . لقد أعلن الشيخ فتحي محمد سليم أن نهاية المبدا الراسمالي وشيكة جدا ، وهذا ما نراه اليوم من مجريات الأزمة المالية العالمية المسماة بأزمة الرهن العقاري ، ونترككم ، أيها الأفاضل ، مع كلماته التي أنهى فيها كتيبه هذا لتسمعوا معنا كلماته الرنانة بخصوص الرأسمالية ، فقال : " بعد هذا كله ، برزت دوائر المال ، ومؤسسات المال ، وتفتحت الأسواق ، وبدأت التجارة بالمال في أسواق البورصات وارتفع لهيب المضاربات والصفقات الضخمة ، والتي تجاوزت كل التقديرات ، وكل الحدود ، حتى اصبحت هي نفسها خطرا على هذا النظام الرأسمالي المخيف ، أي سيتحطم هذا النظام بيد أصحابه على رؤوسهم . وسوف لا تفيد توجيهات عالم لإقتصاد الأمريكي (كتر) في التدخل دوليا لوضع القيود وفرض القوانين والرقابة على هذا الإنقلاب لرؤوس الأموال الهائلة . " وأضاف قائلا :" وتفعيل قوانين المنظمات الدولية المالية ، يكرس الآن ، لرفع القيود ، وفتح الحدود وإعطاء الحرية الكاملة لانسياب الأموال الضخمة ، دخولا وخروجا ، لتنهب وتخرب وتمتص الدماء .

لكن في هذا مقامرة ، يمكن الوقوف أمام تنفيذها واستمرارها ، ويمكن عرقلتها وإيقافها ، ويمكن كسرها وتحطيمها ، فتصبح هذه الأموال المتحركة كالنار ، تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله ، وهذا نذير من النذر المتعددة باقتراب أجل النظام الرأسمالي ، وشربه الكأس الذي شربه الإتحاد السوفيتي من زمن قريب ." انتهى كلام المؤلف

     وهكذا نرى أيها المستمعون الأكارم ، كيف استشرف هذا العالم الفذ المستقبل ، ودرس النظام الرأسمالي عقيدة ونظاما وآلية ، فرأى فيه أنه سيدمر نفسه بنفسه ، أن الحل إنما هو باتباع أمر الله أي النظام المنزل من عند الله تعالى . نعم هذا عالم فذ ، ننعوه للأمة ، ونقول لها أنه أفنى حياته في حمل الدعوة لنظام الله وتفنيد ما عداه ، أفلا تتدبرين يا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبرنا عن أشراط الساعة وأن منها ذهاب العلم بموت العلماء ، وهذا واحد منهم - ولا نزكي على الله أحدا - فما تنتظرين يا أمة الإسلام ؟ أقيام الساعة تنتظرين ؟ وها نحن ذا ندعوك كما دعاك الشيخ فتحي محمد سليم بأن هبي ، وعودي لإسلامك ، وأقيمي نظامك بإقامة دولة الخلافة الراشدة ، فتحطمين الكفر وأجناده ، ويزهق الباطل الذي يروجون له أمام الحق الذي تحملين وتقيمين ، وتسودين العالم  بلا منازع ، وتقودينه لخير الدنيا والآخرة ، وتقيمين الحجة على الناس .

     اللهم عجل لنا بنصرك ، وبإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة ، اللهم آمين .

 

وإلى أن نلقاكم مع كتاب آخر ، هذا اخوكم أبو عبدالله التحريري يستودعكم الله تعالى ، الذي لا تضيع ودائعه .

                             والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إقرأ المزيد...
الاشتراك في هذه خدمة RSS

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع