- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سياسات الكراهية والإيذاء الذاتي الجماعي وتحليل إغلاق معهد "شري ماتا فايشنو ديفي" الطبي
الخبر:
الهند تغلق كلية الطب في كشمير بعد أن كان غالبية المقبولين فيها من المسلمين. واحتفلت الجماعات الهندوسية، بما في ذلك راشتريا باجرانغ دال ولجنة شري ماتا فايشنو ديفي سانغارش، إلى جانب حزب بهاراتيا جاناتا. وقال رئيس وزراء جامو وكشمير عمر عبد الله: "في أجزاء أخرى من البلاد، يُقاتل الناس لافتتاح كليات الطب، بينما هنا قاتلوا لإغلاقها". (وكالات)
التعليق:
إن النفسيات المريضة التي تقف وراء هذا الإيذاء الذاتي الجماعي الذي تقوده وتغذّيه جماعات الهندوتفا تستند إلى مفهوم حكم الأغلبية والذي في ظل النظام الهندوتفي الحالي، صنع بنية كراهية مُؤسسة عبر الدوائر البيروقراطية والقضائية والإعلامية. وقد أعمت هذه الكراهية الناس عن المطالبة بحقوقهم الأساسية. وقد تحوّل ثمن هذا الهوس بالكراهية إلى ذهنية إيذاء الذات. كما أن أبعاد هذه الكراهية تتجاوز المسلمين. فجذور هذا الهوس البنيوي بالإقصاء والكراهية تمتد إلى الرأسمالية الاستعمارية، التي تمحورت فكرتها الأساسية حول الحرب على الإسلام. وكشمير، باعتبارها الهدف الأسهل، تُظهر العديد من تجليات هذه الكراهية.
فيما يلي أبرز المحاور التي يمكن فهم هذه القضية من خلالها:
1- إنكار الجدارة باسم حكم الأغلبية: إن إلغاء الاعتراف بمعهد شري ماتا فايشنو ديفي للتميّز الطبي لم يكن مجرّد قرار إداري، بل تجسيد صارخ للسياسة الإقصائية. ففي الدورة الافتتاحية لبرنامج الطب لعام 2025–2026، تم قبول الطلبة عبر نظام القبول المركزي القائم على الجدارة، ومن بين 50 مقعداً متاحاً، حصل 42 عليها طلاب مسلمون، معظمهم من كشمير، وكان من المفترض أن يُحتفى بذلك كإنجاز قائم على الكفاية، إلا أنّ المشهد الهندوتفي الراهن اعتبره تسللاً من الآخر إلى مؤسسة موّلتها جهة هندوسية. وتصاعد الموقف عندما استغلت الإدارة ذريعة سهلة وهي تفجير دلهي الأخير، إذ جرى تضخيم مزاعم بوجود صلة لبعض الأطباء المسلمين بالحادثة لتبرير الاشتباه الجماعي بكل الطلبة المسلمين الكشميريين، ووصمهم بأنهم تهديدات أمنية. وبعد ضغط سياسي شديد، سحبت اللجنة الوطنية الطبية الاعتراف بالكلية بعد أيام قليلة من تصاعد الاحتجاجات، لإرضاء المزاج الغالب للأغلبية.
2- الاحتفال البائس والإيذاء الذاتي: ربما أكثر جوانب هذه الحادثة إثارة للاضطراب هو ردّ الفعل الشعبي. فبعد الإغلاق، شوهد أعضاء جماعة السانغارش ساميتي وهم يوزّعون الحلوى ويرقصون احتفالاً بما عدّوه انتصارا. وتُجسّد هذه الحالة خللاً نفسياً جماعياً خطيراً، كلعبة خاسرة يسودها الحقد. وقد احتفل هؤلاء بتدمير البنية التحتية الصحية في منطقتهم، وهللوا لخسارة كلية طب عالمية في منطقتهم فقط لأن استمرارها كان سيعني بقاء طلاب مسلمين فيها. وهذا يكشف عن نفسية جماعية خطيرة، تكشف عن متعة حرمان المسلمين من الفرص أصبحت تفوق الحزن على خسارة مؤسسات أساسية كالمستشفيات والكليات. إنها عقلية انتحارية، حيث يفضّل الأغلبية حرق بيوتهم على أن يجد الآخر مأوى فيه!
3- تواطؤ البيروقراطية والقضاء والإعلام: إن هذه الحادثة ليست استثناءً بل جزء من بنية الكراهية المؤسسية في نظام الهندوتفا، وقد تمَّ نشر العداء للمسلمين داخل مؤسسات الهند المختلفة. وأصبحت المحاكم أداة لإرادة الأغلبية، كما يتضح في قضايا مثل مسجد بابري، التي فضّلت الأسطورة على العدالة، وعمليات التنقيب في غيانواباي وشاه إدجاه التي تهدف إلى طمس التراث الإسلامي. كما تستخدم الإدارات ما يُعرف بـ"عدالة الجرافات" لهدم بيوت ومتاجر المسلمين دون إجراءات قانونية كعقاب جماعي. أما الإعلام الموالي للنظام فيتولى مهمة التضخيم، ببث متواصل وخطاب شيطنة للمسلمين بوصفهم متسللين أو داعمي جهاد الحب أو مغتصبي الأراضي، وهكذا يُوجد رأي عام يبرّر مثل هذه الأفعال ويجرّد المسلمين من إنسانيتهم، خصوصاً الكشميريين، حتى يرى الناس حرمانهم من التعليم باعتباره خطوة لحماية الأمن القومي!
4- العمى عن الحاجات الأساسية: إن هوس تأديب المسلمين جعل الجماهير عمياء عن بؤسها الحقيقي. وبينما تنفق الحكومة الموارد على إغلاق الكليات والتنقيب في المساجد، تتداعى الخدمات الأساسية. وفي عام 2025، احتلت الهند المرتبة 102 في مؤشر الجوع العالمي بدرجة خطيرة بلغت 25.8. وأكثر من 172 مليون شخص يعانون من سوء التغذية، ونسب الهزال بين الأطفال مقلقة. وهذه الكراهية تعمل كمخدر نفسي يُلهي الأغلبية الفقيرة عن جوعها الحقيقي عبر إطعامها سعرات وهمية من التعصب الطائفي والتفوق الديني.
5- تطوّر نفسية الإيذاء الذاتي: إن الاحتفال بإغلاق معهد الطب يمثل نضج هذه النفسية الانتحارية. وقد تمت برمجة الأغلبية لدعم سياسات ظنّاً أنها ستضر المسلمين فقط، دون إدراك أن النظام الذي يضحي بالجدارة لصالح الكراهية سينهار في النهاية على الجميع.
6- كشمير كهدف سهل: تبقى كشمير المحتلة المختبر الأساسي لهذه الكراهية. وتبرير الجرائم فيها سهل للنظام بحجة الأمن القومي المستهلكة منذ عقود. ومن خلال وصم الطلاب الكشميريين بالإرهابيين أو المعادين للوطن دون دليل، تُشرعن منظومة الكراهية الهندوتفية إقصاءهم. وإغلاق الكلية أداة استراتيجية لمنع المسلمين الكشميريين من التقدم المهني، وإبقائهم تابعين ومقموعين.
7- امتداد الرأسمالية الاستعمارية والحرب على الإسلام: رغم أن عداء الهندوس للمسلمين في ظل حكم الهندوتفا متجذر تاريخياً، فإن نظام مودي السياسي ليس هندوسياً خالصاً بل امتداد للرأسمالية العالمية. فكما استخدم البريطانيون سياسة فرّق تسد، يخدم النظام الحالي مصالح القوى الغربية والنخب الرأسمالية بإبقاء الجماهير منقسمة. والكراهية هنا موجّهة تحديداً نحو الإسلام باعتباره منظومة فكرية مضادة ترفض عبودية الإنسان للإنسان. ومشروع الهندوتفا يكرر الهدف الاستعماري ذاته، وهو تدمير الإسلام ونظام الخلافة، إذ يرى الهوية الإسلامية تهديداً وجودياً للنظام القائم على الهيمنة والاستغلال.
8- أبعاد الكراهية تتجاوز المسلمين: رغم أن المسلمين هم الهدف الأول، فإن نار الكراهية هذه تلتهم الآخرين أيضاً. فالدفع نحو الهندوس راشترا المتجانسة يستهدف النصارى من خلال قوانين منع التبشير والهجمات على الكنائس، وكذلك الداليت وطبقات الهندوس الدنيا عبر تصاعد الانتهاكات وتخفيف الحماية القانونية. كما أن منظومة الطبقية والفاشية التي تحتقر المسلم تحتقر الداليت أيضاً، مهددة بذلك كرامة جميع الفئات المهمشة.
9- الإسلام الطريق للعدل المجتمعي: إن فشل الديمقراطية العلمانية وطغيان القومية يثبتان أن الأنظمة البشرية عاجزة بطبيعتها عن تحقيق العدالة. فهي دائماً عرضة للنزعات القبلية والطغيان. ولا يقدّم العدلَ الحقيقيّ إلا الإسلام. ففي ظل الخلافة، لا تُترك الحقوق لأهواء الأغلبية أو نتائج الانتخابات؛ بل تضمن الشريعة حماية الحياة والمال والكرامة لجميع الرعايا، مسلمين وغير مسلمين على حد سواء. لذلك فإن الحل لأزمة كشمير وانحلال الهند ليس الإصلاح الجزئي، بل إقامة الخلافة الراشدة التي ستقتلع الحدود الاستعمارية وتنهي الاستغلال الرأسمالي وتوحّد الناس تحت راية العدل والتوحيد. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد يونس – الهند



