- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
حكومة الدبيبة وشبكة الأمان الاستعمارية
الخبر:
وقّعت ليبيا، يوم السبت، اتفاقية لتطوير قطاع النفط لمدة 25 عاماً مع شركة توتال إنيرجيز الفرنسية وشركة كونوكو فيليبس الأمريكية، باستثمارات أجنبية تتجاوز 20 مليار دولار، حسبما صرّح رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة. وهدفت الاتفاقية، التي وُقّعت عبر شركة الواحة للنفط، إلى رفع الطاقة الإنتاجية بما يصل إلى 850 ألف برميل يومياً، ومن المتوقع أن تُدرّ إيرادات صافية تتجاوز 376 مليار دولار، وفقاً لما ذكره الدبيبة في منشور على موقع إكس.
كما وقّعت الحكومة مذكرة تفاهم مع شركة شيفرون الأمريكية العملاقة للنفط، واتفاقية تعاون مع وزارة النفط المصرية، خلال قمة الطاقة والاقتصاد الليبية المنعقدة في طرابلس. وأوضح دبيبة أن هذه الاتفاقيات تعكس "تعزيز علاقات ليبيا مع أكبر شركائها الدوليين وأكثرهم نفوذاً في قطاع الطاقة العالمي". (رويترز)
التعليق:
هذا الخبر لا يمكن قراءته اقتصادياً فقط، بل هو قطعة شطرنج جيوسياسية داخل رقعة ليبية شديدة التعقيد، فالاتفاقيات النفطية طويلة المدى مع شركات كبرى مثل توتال إنيرجيز وكونوكو فيليبس وشيفرون أكثر من مجرد صفقات اقتصادية؛ وهي إعلان عن تحول في موازين القوى. من الناحية القانونية، تثير هذه العقود إشكاليات عميقة حول شرعية حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها وقدرتها على رهن ثروة البلاد لعقود، ما يخلق أمراً واقعاً يصعب تغييره ويغذي النزاع حول من يمثل ليبيا شرعياً. أمّا جيوسياسياً، فتعكس هذه الخطوة عودة قوية للنفوذ الأمريكي-الفرنسي، وتعمل كشبكة أمان دولية لحكومة طرابلس.
على الصعيد الداخلي، تحول هذه العقود النفط من عامل توحيد ممكن إلى أداة صراع، حيث تكرس سيطرة الغرب على القرار الاقتصادي وتزيد من شعور الشرق بالإقصاء، ما يهدد بعودة سياسات إغلاق الحقول. باختصار، هذه الخطوة تستخدم الاقتصاد لتعطيل السياسة، وتؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الأزمة بدلاً من حلها، ما يضع مستقبل ليبيا على محك التنافسات الدولية.
البعد الإقليمي من زاوية أمريكية
يشهد دور دول الجوار تراجعاً أمام فاعلية القوى الكبرى التي تملك أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي. لتتحول تونس والجزائر من لاعبين فاعلين في صنع الحل إلى أدوار رمزية أو وساطة بلا أدوات تأثير حقيقية، بينما يُعاد رسم خريطة النفوذ في ليبيا وفق منطق "الاستقرار مقابل النفط"، مُهمشاً فكرة السيادة الليبية الحقيقية.
فتونس تحولت من وسيط محتمل إلى مُيسر لوجستي، تستضيف اللقاءات وتوفر المناخ للحوار بينما تُتخذ القرارات الحقيقية في عواصم أخرى. ومن أجل استعادة دور مؤثر، يتوجب على تونس التحرك ضمن إطار إقليمي واضح مع الجزائر وامتلاك مبادرة مكتوبة وربط استقرار ليبيا بأمنها الوطني بشكل مباشر، وإلا ستظل منصة محايدة بلا مفاتيح للتأثير.
بينما تنظر واشنطن إلى الدورين المصري والجزائري في ليبيا كركنين لإدارة توازن إقليمي هادئ يخدم استقراراً يحفظ تدفق النفط ويحول دون توسع النفوذ الروسي والصيني. حيث تهدف السياسة الأمريكية إلى منع أي طرف عربي من الهيمنة على الملف، وتحويل الخلافات العربية المحتملة إلى تنسيق هادئ يخدم الاستقرار العام. الاتفاقيات النفطية الكبرى تمت بمباركة صامتة من واشنطن، لأنها تثبت الوضع القائم وتوفر غطاءً من الاستقرار الجزئي. الجملة المفتاحية هنا: أمريكا لا تبحث عن زعيم إقليمي لليبيا، بل عن إقليم متوازن لا يخرج عن نطاق السيطرة.
النفوذ البريطاني الصامت ولعبة هندسة القواعد
لا يعني غياب الشركات البريطانية عن الاتفاقيات الأخيرة غياب النفوذ البريطاني، بل يعكس استراتيجية مختلفة تفضل الحكم من الخلف. فمصالح بريطانيا في ليبيا تتجاوز النفط إلى مجالات أعمق: الأمن المتوسطي ومكافحة الهجرة غير النظامية، والقطاع المالي وإدارة الأصول المجمدة، والنفوذ القانوني والمؤسسي عبر هندسة قواعد الحوكمة والشفافية. ضمن تقسيم الأدوار الغربية، تترك بريطانيا الواجهة لأمريكا وفرنسا، لتركز على كتابة القواعد التي تحكم المشهد لاحقاً. فبينما تربح فرنسا وأمريكا العناوين بالتوقيع، تربح بريطانيا المستقبل بوضع الشروط والتحكم في آليات إدارة الثروة والسلطة.
ختاما، وهكذا تتراءى مأساة الدولة الوطنية في بلادنا الإسلامية بكل وضوح؛ كيانات هشة خطّها الاستعمار على خرائط مصطنعة، فحُرمت من الإرادة، وفُصمت عن مقومات السيادة الحقيقية. لقد تحولت هذه الكيانات إلى هياكل إدارية وظيفتها الأساسية توفير لقمة العيش للشعوب المغلوبة على أمرها، والمحافظة على كراسي حكام انتهوا إلى كونهم حراساً لمصالح خارجية، ووسطاء لسياسات القوى الكبرى. فأصبحت إرادتُهم مرتهنة، وقرارُهم مُسلوباً، وسياساتُهم خاضعة لإملاءات تخدم الاستعمار المتلوّن، حتى لو كان الثمن تمزيق البلاد وإشعال الحروب الأهلية، كما نرى اليوم في السودان وليبيا وسواها من ديار المسلمين.
لقد كانت شمال أفريقيا إلى أمد قريب، مرتكزاً لدول عظيمة شاركت في صنع التاريخ وخاضت غمار المنافسة الدولية بثقة. أما اليوم، فقد تحولت إلى مسارح للصراعات الجانبية، تُغذى من أعداء الأمة لتفريق شعبها الواحد وشرذمته. والحال في ليبيا خير شاهد على هذه المأساة: ثروة تهدر، وشعب يتفكك، وبلد يُقاسَم بين الحفنات، وكل ذلك تحت سمع وبصر "دولة" لا تملك من أمرها شيئاً!
ولكن رياح التغيير لن تتوقف؛ فدماء المسلمين لن تذهب سدى، وصبرهم لن يتحول إلى قبول أبدي بالذل والتبعية، ولن تنتهي المعركة حتى تسترد الأمة كرامتها، وتعيد بناء دولتها القادرة على الفعل لا الانفعال، والمبادرة لا التبعية، والوحدة لا التقسيم؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة، وعدُ الله سبحانه وبشرى رسوله ﷺ.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
ياسين بن يحيى



