- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
ملفات إبستين وعالم السياسة الرأسمالية المظلم
(مترجم)
الخبر:
في 30 كانون الثاني/يناير، نشرت وزارة العدل الأمريكية ملايين الملفات الجديدة المتعلقة بالملياردير الممول والمدان بالاعتداء الجنسي والاتجار بالنساء والفتيات، جيفري إبستين. أدين إبستين عام 2008 بتهمة استدراج قاصر لممارسة الدعارة. وكشفت هذه الملفات، التي بلغت 3 ملايين صفحة وآلاف الصور ومقاطع الفيديو المنشورة، عن علاقة المجرم المدان الوثيقة بالنخبة الثرية والسياسية في أمريكا وبريطانيا ودول غربية أخرى. وشمل ذلك وزير الأعمال البريطاني السابق، وسفير بريطانيا لاحقاً لدى أمريكا، بيتر ماندلسون، الذي استمرت صداقته القوية مع إبستين حتى بعد إدانته. وقد اتُهم ماندلسون بإرسال رسائل دعم لإبستين بعد سجنه، وبتسريب معلومات حكومية حساسة تتعلق بالسوق إلى الممول الأمريكي في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008، أثناء عمله كعضو في الحكومة البريطانية. كما كشفت الوثائق المنشورة عن إيداع 75 ألف دولار من مدفوعات إبستين في حسابات مرتبطة بماندلسون. يواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر انتقادات حادة، بعد اعترافه علناً في البرلمان بعلمه بعلاقة الصداقة المستمرة بين ماندلسون وإبستين عقب إدانته بتهمة استدراج قاصر، وذلك عندما عيّنه سفيراً لدى أمريكا في كانون الأول/ديسمبر 2024. وقد عيّنه ستارمر في هذا المنصب الرفيع نظراً لعلاقاته مع ترامب، واعتقاده بقدرته على إبرام صفقة تجارية مهمة مع أمريكا. جاء ذلك رغم إجبار ماندلسون على الاستقالة مرتين من مناصب وزارية سابقة بسبب تعاملاته المشبوهة، وحقيقة أن إقامته في أحد عقارات إبستين خلال فترة سجنه كانت معلومة للعامة، ما يعكس علاقته الوثيقة به بغض النظر عن بشاعة جرائمه. كما ورد اسم أندرو ماونتباتن-ويندسور (الأمير أندرو سابقاً)، الذي شغل منصب الممثل الخاص لبريطانيا للتجارة والاستثمار الدوليين، والذي تضمن الترويج لشركاتها في الخارج، بشكل متكرر في ملفات إبستين. اتُهم بإقامة علاقات مع العديد من النساء اللواتي اتُهمن بالاتجار من إبستين، واستمرار صداقته به حتى بعد إقراره بالذنب في استدراج قاصر، بما في ذلك دعوته لتناول العشاء في قصر باكنغهام بعد سجنه. ومن بين المتورطين الآخرين في ملفات إبستين، والذين تربطهم علاقة وثيقة به، واستمروا في التواصل معه رغم تورطه في الاتجار بالفتيات والنساء، الرئيس ترامب، وستيف بانون أحد كبار مستشاريه السابقين، وأقطاب الأعمال المليارديرات الأثرياء: إيلون ماسك مالك شركة تسلا وشركة التواصل الإلكتروني إكس، وبيل غيتس مؤسس مايكروسوفت، وريتشارد برانسون مؤسس مجموعة فيرجن.
التعليق:
هذه الأحداث المقززة ليست مجرد قصة رجل واحد وأسلوب حياته الفاسد ونشاطه الإجرامي. وليست مجرد قصة عن عالم الجريمة الفاسد للأثرياء والمشاهير. إنها حقيقة العالم البائس للنظام الرأسمالي برمته، بقيمه ومعتقداته، ونظامه السياسي القذر الذي يهيمن عليه المال ويتلاعب به، وأولوياته المنحطة التي تتشكل بفعل السعي وراء السلطة والربح على حساب الأخلاق والقيم. إنه نظامٌ مُجرّد من أي بوصلة أخلاقية، بل تُحدد أفعاله في المقام الأول بالمصالح المالية. إن إيمانه الليبرالي بالحرية الشخصية والجنسية يحتفي بأنماط الحياة الفاحشة والشهوانية، ويُنتج أفراداً وسياسيين وقادة تستهلكهم المادية والمصالح الشخصية، مستعدين للتقرب من مجرم مدان وتاجر جنس، أو تعيين من صادقوه في مناصب عليا، إذا كان ذلك سيساعدهم في تأمين صفقات تجارية، أو تضخيم أرصدتهم المصرفية، أو تسلق السلم السياسي الرأسمالي القذر.
لقد كشفت ملفات إبستين للعالم ما كنا نعرفه بالفعل، ألا وهو التشابك المعقد بين السياسة وكبرى الشركات والنخبة الثرية في النظام الرأسمالي، حيث للمال الكلمة الفصل وتُعقد الصفقات بغض النظر عن الأخلاق أو انتهاك كرامة النساء والرجال على حد سواء، سواء في الغرب أو في البلاد الإسلامية. وعلى الرغم من ادعاءات الدفاع عن حقوق الفتيات والنساء، والاهتمام بضحايا الاتجار الجنسي، فإننا نرى قادة وسياسيين ورؤساء شركات كبرى في هذه الدول الرأسمالية يتجاهلون أفعال مرتكبي الاعتداء والاستغلال بحق الفتيات والنساء، وذلك خدمةً لأجنداتهم السياسية والاقتصادية.
لا يمكن فكّ الرابط بين الثروة والشركات الكبرى والسياسة إلا بنظام يخدم الناس بصدق، وتكون مبادئه وقوانينه غير قابلة للتلاعب بها وفقاً لأهواء البشر، ويحكمه قادة لا تحركهم الأنانية أو السلطة أو المكاسب المالية الشخصية. وإن الخلافة على منهاج النبوة هي النموذج الذي يجسد هذه المبادئ.
أولاً: يلتزم الحاكم في الإسلام برعاية رعيته، وبالتقوى، وإدراكه أن القيادة هي تحمل مسؤولية عظيمة ومحاسبة أمام الله تعالى، ما يدفعه إلى الاهتمام الصادق باحتياجات ومصالح الرعية، حتى على حساب راحته الشخصية. ومن الأمثلة الرائعة على ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الخليفة الثاني للمسلمين، الذي امتنع أثناء المجاعة في المدينة المنورة عن تناول أي طعام إلا الطعام الخشن ليذوق مرارة معاناة قومه، رغم تدهور صحته نتيجة لذلك. مثال آخر هو الخليفة الأموي الثامن عمر بن عبد العزيز، وكان رجلاً ثرياً قبل توليه القيادة، لكنه توفي ولم يكن يملك سوى قميص واحد، على الرغم من ازدهار الخلافة آنذاك، وذلك لأنه أنفق ثروته في خدمة رعيته. وقد رفض استخدام قطرة واحدة من الزيت العام لتشغيل مصباحه في شؤونه الشخصية، انطلاقاً من مسؤوليته الجسيمة عن أموال الدولة.
ثانياً: الخلافة نظام يسعى بصدق إلى تلبية احتياجات جميع الناس، لا فئة قليلة من النخبة، لأن قوانينها مستمدة من خالق البشر. علاوة على ذلك، ولأن التشريعات مستمدة من مصادر ثابتة - القرآن والسنة - وليست من أهواء البشر كما هو الحال في الديمقراطيات والأنظمة العلمانية، فلا يمكن تجاهل المبادئ ولا صياغة القوانين وفقاً لمصالح السلطة والثروة. نرى، على سبيل المثال، كيف رفض السلطان عبد الحميد، عندما عرض الصهاينة عليه سداد ديون الخلافة مقابل منحهم فلسطين، رفض التنازل عن شبر واحد من الأرض المباركة، قائلاً لهم إنها ليست ملكاً له ليتنازل عنها، بل هي ملك للأمة الإسلامية.
ثالثاً: تحرم الخلافة تحريماً قاطعاً استغلال المرأة لتحقيق الربح أو لأي غرض آخر، وتلتزم بحماية كرامة المرأة والرجل على حد سواء في كل حين.
رابعاً: تشجع الخلافة حاملي التابعية على المشاركة السياسية الفاعلة، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتحاسب من هم في السلطة، كما يقتضي الإسلام. هذا، إلى جانب هيئات ومؤسسات مختلفة، مثل مجلس الأمة ومحكمة المظالم، فضلاً عن الأحزاب السياسية داخل الدولة، بما يضمن تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقاً صحيحاً، وعدم التلاعب بالحكم من قبل نخبة متنفذة أو ثرية.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أسماء صديق
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير



