- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
إحياء ترامب لنموذج شركة الهند الشرقية البريطانية القديمة يُثيرُ مخاوف أوروبا
(مترجم)
الخبر:
في مؤتمر ميونيخ للأمن المنعقد في 13 شباط/فبراير 2026، ذكرت صحيفة الغارديان أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، حذّرت من أن "مجلس السلام" الذي أنشأه ترامب لغزة يحيد عن أُسس الأمم المتحدة، قائلةً: "هناك قرار صادر عن مجلس الأمن، لكن مجلس السلام لا يعكسه". كما اتّهم وزير خارجية إسبانيا، خوسيه مانويل ألباريس، ترامب بمحاولة الالتفاف على تفويض الأمم المتحدة الأصلي، وقال إن أوروبا "أحد الممولين الرئيسيين للسلطة الفلسطينية" قد "استُبعدت من العملية".
التعليق:
إنّ ما يُسمى بـ"مجلس السلام" لغزّة، والذي يختلفُ عليه الأوروبيون وإدارة ترامب، يُشير إلى أداة جديدة للهيمنة الأمريكية، وله نظير تاريخي مُشين وهو شركة الهند الشرقية البريطانية سيئة السمعة. فمع ازدياد ثراء الشركة واحتكارها للتجارة، أصبحت دولة شبه مستقلة بجيشها الخاص، مُسببةً موت الملايين في الهند والصين. لقد كان ذلك بمثابة إطلاق العنان للرأسمالية على العالم بأوضح صورها وأكثرها صراحة. وقد أدى نجاح تلك الشركة إلى سقوطها في نهاية المطاف، وذلك من خلال سعيها لاستنزاف المستعمرات الأمريكية عبر احتكارها لتجارة الشّاي، الأمر الذي أدى إلى حرب الاستقلال الأمريكية، وصعود أمريكا كقوة عظمى مع تراجع نفوذ بريطانيا. ومنذ ذلك الحين، اضّطر الرأسماليون إلى التراجع، وممارسة نفوذهم بشكل غير مباشر عبر السياسيين من خلال الرشاوى والضغط السياسي وتمويل الحملات الانتخابية.
هيمنت على القرن العشرين فكرة نظام دولي قائم على القواعد، حيث لم تُطبَّق هذه القواعد إلا عندما تُناسب الجهة المُطبِّقة، وتُرفض عندما لا تُناسبها، وكانت هذه الجهة هي أمريكا. يشهد عهد ترامب تحولاً عن ذلك نحو ممارسة القوة الأحادية بشكل مُطلق، في تجاهل تامّ للمعايير والمؤسسات الدولية التي خدمت مخططاتها للهيمنة سابقاً. ومع ذلك، يُهدد استبداد ترامب بعزل أمريكا، التي ستكون أضعف بكثير إذا ما قلَّ تعاون حلفائها الأوروبيين السابقين. كما أن وزير خارجية أمريكا روبيو، في قمة ميونيخ، طمأن الأوروبيين إلى حدّ كبير بخطاب جديد: "قد يكون موطننا في نصف الكرة الغربي، لكننا سنظلُّ دائماً أبناء أوروبا".
ومع تزايد نفوذ الصين وتشكّل تحالفات جديدة، باتت الساحة العالمية أكثر تنافسية، وتدركُ أمريكا أنها لن تتمكن دائماً من عرقلة أو تأخير أو تحريف توجّهات المؤسسات القديمة التي خدمتها بكفاية عالية. لذا، تتطلع الآن إلى اختبار نماذج جديدة وبناء أدوات جديدة تلبي احتياجاتها بشكل أفضل. ويتمحور اعتراض كالاس تحديداً حول هذا التحوّل: فقد كان إطار عمل الأمم المتحدة خاصاً بغزة، ومحدود المدة، وقائماً (على الأقل رسمياً) على المشاركة الفلسطينية، إلا أنّ الهيكل المتطور لمجلس السلام ينحرف عن كل تلك الركائز، وتشعر أوروبا بالقلق لأنها تخشى زوال النظام العالمي السابق الذي أرسى الاستقرار في أوروبا بعد قرون من الحروب الدامية. وتضيف شكوى ألباريس من استبعاد أوروبا، وهي ممول رئيسي للحكومة الفلسطينية، تفصيلاً بالغ الأهمية: إذ يُعاد تنظيم إعادة الإعمار كوسيلة ضغط، ويتمّ تركيز هذه القوة حول الإدارة الأمريكية دون أي قيود. حيث ستسيطر أمريكا على مجلس السلام، وستقرر الدول المؤهلة للانضمام إليه، وستفرض عليها رسوماً قدرها مليار دولار مقابل هذا الامتياز.
هنا يُلقي تاريخ شركة الهند الشرقية الضّوء على الحاضر. بدأت الشركة بتفويض رسمي وامتيازات تجارية، لكن تحولها السياسي تسارع عندما تمكنت من تحويل الإكراه إلى إيرادات هائلة. لم تُلغِ رقابة الدولة البريطانية اللاحقة هذا التداخل بين الدولة والشركة، بل حسّنته. وأدى إنشاء مجلس الرقابة إلى ترسيخ نظامٍ تُدير فيه آليات الشركة شؤونها، بينما يُدير البرلمان التوجه الجيوسياسي. هذا هو الابتكار الإمبريالي: حكمٌ يُقدّم نفسه كضرورة إدارية؛ تنظيم التجارة، والنظام المالي، و"الأمن"، مع الحفاظ على التوافق الهيكلي مع المصالح الاستعمارية، والمحسوبية، والاستغلال.
يتماشى نزاع "مجلس السلام" في غزة مع هذا النمط، لأنه يدور أساساً حول من يسيطر على ثلاثة أمور: الأمن، وتدفق التمويل، وتعريف الانتقال. ولا يُعدُّ دور القطاع الخاص ثانوياً في إعادة تشكيل موازين القوى هذه، بل هو أحد شروطها الأساسية. فقد حوّلت السياسة الخارجية الأمريكية الحديثة الحرب والاحتلال والاستقرار مراراً وتكراراً إلى أنظمة تعاقدية. ففي العراق عام 2011، فاق عدد المتعاقدين مع وزارة الدفاع عدد الأفراد العسكريين! وفي العراق وأفغانستان، وصل عدد العاملين لدى المتعاقدين إلى مئات الآلاف، وغالباً ما فاق عدد القوات، ما أدى إلى دمج حوافز الربح في الوظائف الأساسية للحكم ودعم القوات. وهذا أمرٌ بالغ الأهمية لأنّ التعاقد أداة سياسية: فهو يُضعف المساءلة، ويخلق تبعية متبادلة، ويُحوّل الأموال العامة إلى شبكات خاصة يُمكن أن تُصبح قاعدة شعبية للاستقرار الدائم.
دعونا لا ننسى، ونحن نتحدث عن تحوّلات النظام الدولي، أنّ ساحة المعركة هي أرض غزة الثمينة، التي عانت من الإبادة الجماعية والخيانة، ولا يزال القتل والدمار مستمرين فيها. قال النبي ﷺ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ» فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» سنن أبي داود
إن الذين أحبوا الدنيا حباً جماً، وصدقوا أكاذيب طغاتها، وتمسكوا بما يُسمى مؤسساتها الدولية، سيعودون عطشى من بحر الخداع. لقد لجأوا إلى النظام الدولي مئة عام، وتجاهلوا كل خياناته، والآن عليهم أن يشاهدوا بدهشة كيف يهدم الطغاة المؤسسات التي قدّسوها. ومع حلول شهر رمضان المبارك، دعونا نتأمل كلام الله في سياقه الدولي: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. عبد الله روبين



