الأربعاء، 03 ذو الحجة 1447هـ| 2026/05/20م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
التخلُّص من التبعية للنظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

التخلُّص من التبعية للنظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي

(مترجم)

 

 

الخبر:

 

شهد سعر صرف الروبية الإندونيسية أمام الدولار الأمريكي تراجعاً حادّاً مرة أخرى حتى تجاوز مستوى 17,500 روبية لكل دولار في الأسبوع الثاني من شهر أيار/مايو 2026. بل إن الروبية لامست في بعض التداولات مستوى 17,596 روبية للدولار الواحد، ويُعدّ ذلك من أسوأ حالات تراجع الروبية في التاريخ الحديث لإندونيسيا.

 

وردّاً على هذا الوضع، صرّح الرئيس برابوو سوبيانتو خلال مراسم تدشين تعاونية القرية الحمراء والبيضاء بتاريخ 16 أيار/مايو 2026 قائلاً: "طالما أن بوربايا (وزير المالية) ما زال يبتسم، فاهدؤوا ولا تقلقوا. مهما بلغ سعر الدولار، فإنكم في القرى لا تستخدمون الدولار" (ديتيك فاينانس، 16 أيار/مايو 2026). وفي الوقت نفسه، ذكرت وسائل إعلام اقتصادية مختلفة أن تراجع الروبية تأثر بارتفاع قوة الدولار الأمريكي، وخروج رؤوس الأموال الأجنبية من الدول النامية، والضغوط الجيوسياسية العالمية، وازدياد حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي (وارتا إكونومي، 13 أيار/مايو 2026).

 

التعليق:

 

إن واقع تراجع الروبية حتى تجاوزها 17,500 روبية للدولار الأمريكي يكشف هشاشة النظام الاقتصادي الرأسمالي الربوي المطبَّق في بلاد المسلمين، ومنها إندونيسيا. فجذر المشكلة الأساسي هو جعل الدولار الأمريكي معياراً ومرتكزاً رئيسياً للنظام النقدي العالمي. وما دام الدولار هو العملة الدولية المهيمنة، فإن اقتصادات الدول النامية ستبقى دائماً تحت الضغط والسيطرة الأمريكية.

 

وما وجه ذلك؟ إن معظم التجارة الدولية، وسداد الديون الخارجية، والاحتياطات النقدية، وحتى معاملات السلع الاستراتيجية العالمية تعتمد على الدولار الأمريكي. ونتيجة لذلك، إذا ارتفعت قيمة الدولار ضعفت تلقائياً العملات الأخرى. وتُجبر الدول النامية على توفير كميات ضخمة من الدولار للاستيراد، وسداد الديون، والحفاظ على استقرار الاقتصاد المحلي. وهذه التبعية هي التي تجعل الروبية شديدة التأثر بالاضطرابات العالمية.

 

ومن جهة أخرى، فإن النظام الاقتصادي الرأسمالي يجعل القطاع المالي القائم على المضاربات أكثر هيمنة من القطاع الحقيقي. فلم تعد حركة أسعار الصرف تُحدَّد فقط بقوة الإنتاج الحقيقي، بل أصبحت تتأثر بشدة بتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، وسياسات أسعار الربا للبنك المركزي الأمريكي، وأسواق السندات، والمضاربات النقدية. فعندما يسحب المستثمرون الأجانب أموالهم تتعرض الروبية للضغط المباشر، وعندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الربا يقوى الدولار وتتعرض الدول النامية لأزمات شديدة.

 

وإلى جانب هيمنة الدولار، توجد عوامل أخرى تزيد من تدهور الروبية، منها: الاعتماد على الاستيراد في السلع الاستراتيجية والمواد الخام الصناعية، وضخامة الديون الخارجية المقوَّمة بالدولار الأمريكي، والتحرير الاقتصادي الذي يسمح بحرية دخول وخروج رؤوس الأموال الأجنبية، وضعف القاعدة الصناعية الوطنية وضعف الأمن الغذائي والطاقة، والنظام المصرفي الربوي شديد التأثر بتقلبات أسعار الفائدة العالمية. وكل ذلك يدل على أن المشكلة ليست مجرد مشكلة نقدية فنية، بل هي مشكلة نظامية وفكرية ومبدئية.

 

إن الإسلام يرى أن المال لا يجوز أن يتحول إلى سلعة للمضاربة كما هو الحال في النظام الرأسمالي، كما لا يقرّ النظام الربوي الذي يؤدي إلى الفقاعات الاقتصادية واضطراب العملات. وقد استطاع النظام النقدي الإسلامي القائم على الذهب والفضة (الدينار والدرهم) عبر التاريخ الإسلامي أن يحافظ على استقرار القيمة الشرائية وثبات العملة لقرون طويلة. أما النظام الربوي فهو على العكس من ذلك تماماً، بل هو محرَّم شرعاً. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وقد استخدم رسول الله ﷺ معيار الذهب والفضة في النظام النقدي الإسلامي، فكانت قيمة المال قائمة على أساس حقيقي ذاتي، لا على مجرد ثقة الأسواق أو القوة السياسية لدولة ما كما هو الحال مع الدولار اليوم. كما أن الشريعة ربطت كثيراً من أحكام الاقتصاد والمعاملات بهذين المعدنين النفيسين، مثل نصاب الزكاة، والدية، وحد السرقة. قال رسول الله ﷺ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَنْفَعُ فِيهِ إِلاَّ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ» رواه أحمد. ويدل هذا الحديث على أن الشريعة نظّمت معيار العملة والمعاملات المالية حتى لا تتحول إلى أداة للظلم الاقتصادي.

 

ولذلك، فإن الحل الحقيقي لأزمة العملات ليس مجرد التدخل في السوق، أو رفع أسعار الربا، أو زيادة الاحتياطات النقدية، بل الحل الجذري هو التحرر من التبعية للنظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي، والعودة إلى تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي تطبيقاً شاملاً، بما في ذلك النظام النقدي الإسلامي العادل والمستقر. وإن الاقتصاد الإسلامي لا يمكن تطبيقه تطبيقا كاملا إلا في ظل نظام الحكم في الإسلام، أي الخلافة على منهاج النبوة، كما ذكرها العلماء في كتبهم.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد رحمة كورنيا – إندونيسيا

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع