- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
بين ركام الموت وصمت العالم!
الخبر:
في قطاع غزة المحاصر، يواجه السكان أزمة خانقة وغير مسبوقة في توفير المقابر، حيث ضاقت الأرض بالراحلين بعد امتلاء المدافن تماماً، وتجريف الآلة العسكرية لعشرات منها خلال الحرب المستمرة، ما دفع الأهالي نحو خيارات قاسية كالدفن الجماعي والعشوائي. (الجزيرة نت)
التعليق:
لم يعد الموت في غزة هو الخبر الصادم الوحيد، بل صار دفن الموتى مأساةً أخرى تُضاف إلى سلسلة المآسي اليومية. فالمقابر تحوّلت اليوم إلى فضاءات مكتظّة لا تتّسع للأعداد المتزايدة من الشهداء، حتى بات الناس يسألون بمرارة: أيُعقل أن تضيق الأرض بدفن موتاها؟!
في الحقيقة، الأرض لا تضيق، لكن الحروب تجعل الحياة كلّها تضيق. فالدمار الهائل الذي أصاب غزة لم يقتصر على البيوت والمستشفيات والمدارس، بل امتدّ إلى الطرق والمعابر وآليات الإنقاذ ووسائل النقل، حتى أصبح الوصول إلى مكان صالح للدفن مهمّة شاقّة وسط القصف والخوف ونقص الإمكانات. وحين تتساقط أعداد كبيرة من الضحايا خلال ساعات قليلة، تصبح القدرة البشرية عاجزة عن مواكبة حجم الفاجعة، فتظهر مشاهد الدفن الجماعي والقبور المؤقتة، وهي مشاهد تهزّ شعور كل إنسان ما زال يحمل شيئاً من الرحمة.
إن كرامة الإنسان لا تنتهي بموته، بل إن احترام الجسد بعد الوفاة جزء من القيم التي اتفقت عليها الشرائع والفطرة البشرية. لذلك فإن اضطرار الناس إلى دفن أحبّتهم على عجل، أو في أماكن غير مهيّأة، يكشف حجم الانهيار الإنساني الذي تعيشه غزة.
إنها ليست أزمة مقابر فحسب، بل أزمة عالم اعتاد رؤية الدم حتى فقد قدرته على الصدمة! وما يزيد الألم أن كثيراً من المسلمين يشعرون اليوم بحالة من العجز والتثاقل، فغزة ليست مدينة بعيدة عن وجدانهم، بل قضية تسكن الذاكرة والقلوب منذ عقود.
لذلك فإن رؤية الأطفال والنساء والشيوخ تحت الأنقاض، ثم رؤية الناس يبحثون عن مكان لدفن موتاهم، تفتح باب الأسئلة المؤلمة: أين قوة الأمة؟ وأين العدالة الإنسانية؟ وكيف وصل الحال إلى أن يصبح توفير قبر آمن حلماً صعب المنال؟
لكن رغم المأساة، ووسط هذه السوداوية، يبقى في غزة شيء لا يستطيع الدمار سحقه، وهو روح الصمود؛ فالشعوب لا تُعرف فقط بما تملكه من قوة، بل بما تحفظه من كرامة في أشد لحظات الانكسار. فأهل غزة، رغم الحصار والجوع والفقد، ما زالوا يتقاسمون الخبز، ويحملون جرحاهم، ويودّعون موتاهم بقلوب مؤمنة بأن للظلم نهاية مهما طال الزمن.
إن مأساة غزة ليست مجرد أرقام تُعرض في نشرات الأخبار، بل اختبار أخلاقي للعالم كله. فحين يصبح الدفن مشكلة، فذلك يعني أن الإنسانية نفسها دخلت مرحلة الخطر.
وفي ختام هذه المأساة، لا بد أن يدرك المسلمون أن الأمم التي تفقد وحدتها وقوتها تصبح عاجزة حتى عن حماية موتاها، فضلاً عن أحيائها. وما يحدث اليوم ليس قدراً لا يتغير، بل نتيجة سنوات طويلة من التفرّق والضعف والتبعية، والتخلّي عن أسباب القوة والوحدة.
إن استعادة العزة لا تكون بالشعارات وحدها، بل ببناء الإنسان الواعي، وإحياء روح الأمة، والتمسّك بالقيم التي صنعت حضارة المسلمين يوم كانت لهم دولة. فالأمة التي أنارت الدنيا قروناً قادرة على أن تنهض من جديد، لتستعيد مكانتها بين الأمم. فغزة اليوم، رغم جراحها، ليست مجرد مدينة منكوبة، بل جرس إنذار يوقظ المشاعر.
والرسالة تقول إن الكرامة لا تُوهب للضعفاء، وإن الحقوق لا يحفظها إلا الأقوياء بوحدتهم وإرادتهم. فليكن الألم بداية وعي، ولتكن الدماء دافعاً إلى نهضة تعيد للأمة عزّها وكرامتها، حتى لا يأتي يوم يصبح فيه الدفن أمنية، والحياة نفسها معركة من أجل البقاء!
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



