الأربعاء، 10 ذو الحجة 1447هـ| 2026/05/27م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
سد النهضة وهندسة الجغرافيا الاستعمارية وحتمية الحل الجذري

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

سد النهضة وهندسة الجغرافيا الاستعمارية وحتمية الحل الجذري

 

 

الخبر:

 

كشفت مصادر دبلوماسية عن تحركات أمريكية مكثفة تهدف إلى كسر الجمود المحيط بملف سد النهضة الإثيوبي، وإعادة إحياء مسار المفاوضات المتعثرة بين مصر وإثيوبيا. وتأتي هذه التحركات في سياق رغبة الإدارة الأمريكية الحالية في تجنب أي تصعيد قد يؤثر على استقرار منطقة القرن الأفريقي الحيوية. (الشرق الأوسط)

 

التعليق:

 

لم تكن الجغرافيا يوماً مجرد تضاريس صامتة، بل كانت دائماً أدق وأخطر أسلحة الصراع السياسي والوجودي بين الأمم. ومن يقرأ تفاصيل تحرك أمريكا الأخير في ملف سد النهضة بعين واعية، يدرك على الفور أننا لسنا أمام وساطة نزيهة تبحث عن إنصاف دولة مصبّ، بل أمام حلقة جديدة من حلقات إدارة الأزمات وتثبيتها لضمان بقاء بلادنا مكبلة تحت مقصلة التبعية والارتهان للخارج.

 

ولفهم أبعاد هذه المؤامرة الجغرافية المستمرة، يكفي أن نلقي نظرة فاحصة على خرائط الدول العظمى المستقلة فعلياً؛ فأمريكا، وروسيا، والصين، كلها دول حرصت حرصاً مطلقاً عبر تاريخ تشكلها وسياستها السيادية على أن تنبع أنهارها العظمى وتصب داخل حدودها السياسية والسيادية من مثل أنهار المسيسيبي، والفولغا، واليانغصي، لتضمن لنفسها أمناً مائياً وغذائياً مطلقاً لا يتحكم فيه أجنبي.

 

في المقابل، عندما جاء المستعمر الغربي لتقسيم البلاد الإسلامية عبر اتفاقية سايكس بيكو ومؤتمر برلين، تعمد رسم الحدود بالمسطرة والقلم بشكل يخالف كل القوانين الطبيعية والوحدات الجغرافية المتكاملة. لقد استهدف هذا التقسيم الخبيث فصل دول المصب القوية تاريخياً وبشرياً كمصر والعراق عن منابع أنهارها وحقوقها المائية، وزرع بؤر نزاع وقنابل موقوتة دائمة الاشتعال سواء على نهر النيل، أو دجلة والفرات، أو نهر الأردن، لتبقى هذه الدول في حالة استنزاف دائم لمواردها، وعاجزة عن تحقيق أي استقلال إقليمي يهدد الهيمنة الدولية.

 

إن هذا التكتيك الاستعماري ليس جديداً؛ فهو يعيد إلى الأذهان ما جرى تاريخياً في أواخر القرن الخامس عشر ضد دولة المماليك في مصر، عندما قاد المكتشفون البرتغاليون، برعاية البابوية والقوى الأوروبية، حملات الكشف عن طريق رأس الرجاء الصالح. فقد قال فاسكو دي جاما حينها: "الآن طوقنا المسلمين، ولم يبقَ إلا أن نشدَّ الحبل"، كانت العبارة تعكس الفكر العسكري والديني السائد لرحلته؛ حيث كان يرى أن اكتشاف هذا الطريق البحري يتيح للبرتغال الالتفاف حول البلاد الإسلامية، وخنق تجارة المسلمين في المحيط الهندي. واليوم، يتكرر المشهد ذاته؛ فالتحكم بمنابع النيل وسد النهضة هو رأس رجاء صالح جديد، يُستخدم لحصار مصر وتطويق قرارها السياسي، وإشغالها بملف وجودي يستنزف طاقتها ويمنعها من ممارسة أي دور سيادي مستقل.

 

ولكن، لماذا تتحرك واشنطن اليوم وتُبدي كل هذا الحرص المفاجئ على إحياء المفاوضات؟ إن الجواب لا يكمن في حرصها على مصالح مصر، بل في خوفها الوجودي على مصالحها وأمن وكلائها. تدرك دوائر صنع القرار فيها أن الأمن المائي في الوجدان المصري ليس ملفاً سياسياً يمكن المناورة به، بل هو قضية حياة أو موت ترتبط مباشرة بقوت الفلاح، وخبز الناس، واستمرار الحياة البيولوجية للمجتمع. وتعلم يقيناً أن تلاقي هذا النقص المائي الوشيك مع الأزمات الاقتصادية والمعيشية الخانقة التي يعيشها الشارع، يمثل الخلطة المثالية لانفجار شعبي عارم لا يمكن التنبؤ بمدى قوته.

 

هذا الانفجار الشعبي هو الكابوس الأكبر لأمريكا؛ لأنه إذا وقع، فلن يقف عند حدود التظاهر، بل سيقتلع الأنظمة الوظيفية التابعة التي ترى في رضاها والارتهان لها الضمانة الوحيدة للبقاء على كراسيها المعوجة. وسقوط منظومة التبعية يعني بالنسبة لأمريكا انهيار حجر الزاوية في أمن الشرق الأوسط، وتهديدا لأمن كيان يهود، وضياعا للسيطرة على قناة السويس وعلى ممرات الملاحة الدولية. لذلك، تأتي وساطتها الحالية كحقنة بنج موضعي تهدف لتقديم وعود فضفاضة وتنازلات فنية شكلية من أديس أبابا، لمجرد تهدئة الشارع المصري ومنع انفجاره، مع الإبقاء على سيف الحصار المائي مسلطاً على رقبة الدولة المصرية. من هنا، يصبح من السذاجة السياسية المفرطة الرهان على الأروقة الدولية، أو مجلس الأمن، أو الرعاية الأمريكية؛ فكل هذه المسارات هي إعادة إنتاج للتبعية وتكريس للواقع الاستعماري. إن الأزمات الوجودية تفرض على الأمة أن تلفظ الحلول الترقيعية وتلتفت إلى الحل الجذري الشامل الذي يعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي والتاريخي.

 

إن هذا الحل الجذري الشامل لا يمكن أن يرى النور، ولن تتحرك قاطرته لتنقذ العباد والبلاد، إلا عبر تحرك حاسم ممن يملكون القوة والمنعة في الأمة. وعليه نوجه نداءنا إلى المخلصين من ضباط وقيادات الجيش المصري: إن عقيدتكم العسكرية وتاريخكم يفرض عليكم أن تكونوا درعاً للأمة وحماةً لوجودها، لا حراساً لسياسات التبعية التي تُعطّش الشعب وتُهدر كرامته وتنتقص من سيادته الجغرافية. إن الرهان على بقاء الحلول بيد الأنظمة التابعة أو الوعود الأمريكية هو رهان على السراب، ومقامرة بمستقبل ملايين المسلمين الذين بات شريان حياتهم مهدداً بالقطع والتجفيف.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع