- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
أمريكا وإيران والنووي
الخبر:
قال رئيس أمريكا ترامب يوم السبت 2026/5/23، إنه جرى التفاوض على جزء كبير من مذكرة تفاهم حول اتفاق للسلام مع إيران. وكتب على منصة تروث سوشيال "تجري حاليا مناقشة الجوانب النهائية وتفاصيل الاتفاق، وسيعلن عنها قريبا". وقال إنه تحدث مع عدد من قادة دول الخليج والمنطقة، بشأن إيران وكل ما يتعلق بمذكرة تفاهم تخص السلام. وقال في حديث مع رئيس وزراء يهود إنه لن يسمح لإيران أن تحتفظ بقدراتها النووية والصاروخية.
التعليق:
لا شك أن أمريكا كانت ولا تزال تأمل أن يرتقي إلى حكم إيران من يتبعها اتباعا كاملا كما هو حال دول عميلة أخرى. وقد أخطأت أمريكا التقدير، ولكنها تبقى مطمئنة على رأي المثل القائل (إذا صلحت فزوجة وحمار وإلا فركبة إلى ذمار) كما قال الشخص الضرير الذي حمله رجل وزوجته على حمار لهما إلى ذمار في اليمن. فلما وصلوا أراد الضرير أن يحصل زورا وبهتانا على الحمار، وقال قولته التي ذهبت مثلا. فأمريكا تعتمد على أن إيران تدور في فلكها وقد حققت لها مكاسب كثيرة منذ عام 1979 أهمها كان في أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان واليمن. فإن استعصت عليها تبعية إيران فلا شك أنها تكتفي بالمحافظة على دورانها في فلكها. أما إيران، فهي تدرك أن بقاءها في فلك أمريكا هو في مصلحتها، فهي ليست بصدد بناء دولة مبدئية متميزة.
وإذا بقيت أمريكا على ترتيبها الخاص بشرق أوسط جديد مستقر، والذي يجعل إيران إحدى الدول الضامنة لهذا الاستقرار، فإن إيران تقبل بهذا الدور ومستعدة لأن تكون أحد أربع دول ضامنة للاستقرار (تركيا والسعودية وإيران وكيان يهود)، وسيكون لها دور آخر وهو التوازن النووي في المنطقة.
وما مذكرة التفاهم التي يجري الحديث عنها بتفاؤل من جميع الأطراف إلا مقدمة لإنهاء حالة الحرب والسير نحو الاستقرار. وبالأخص تأجيل بحث البرنامج النووي حتى إشعار آخر. أما حديث ترامب المتواصل عن عدم السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي فهو على الأغلب موجه لكيان يهود حتى لا يعمل على إشعال فتيل الحرب من جديد. خاصة أن إدارة ترامب الأولى هي التي أدت إلى إنهاء عمل اللجنة الدولية المكلفة بمراقبة البرنامج النووي الإيراني والحيلولة دون وصوله إلى مرحلة إنتاج السلاح النووي، بما يعرف بمجموعة 5+1 التي تم إبرامها خلال إدارة أوباما عام 2015. وقد انسحبت أمريكا من الاتفاقية في شهر أيار 2018. وبحسب تقارير صدرت عن معهد بروكينجز ومراكز بحث أخرى ومنصات إعلامية مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست، فقد كان خروج أمريكا من الاتفاقية والذي أدى إلى توقيف أعمالها، كان قد ساعد إيران بشكل كبير للوصول إلى درجة عالية من تخصيب اليورانيوم والاقتراب بشكل كبير من تصنيع السلاح النووي والأسلحة القادرة على حملها.
من هنا فإن ما يتم الترويج له والحديث المستمر عن برنامج إيران النووي مع وقف الأعمال العسكرية إلى حين الوصول إلى اتفاق، إما أن يكون خداعا وتسويفا إلى حين ظهور الحقائق على الأرض، وإما أن يكون من قبيل ما قالته العرب سابقا (على نفسها جنت براقش)، من خلال تراجع أمريكا عن خطأ تاريخي كارثي اقترفته على يد الرئيس نفسه عام 2018، والذي مكن إيران من امتلاك قدرات نووية قابلة أن تتحول إلى سلاح نووي خلال أسابيع معدودة حسب تقدير الجهات المختصة.
إن إصرار أمريكا والدول الأعضاء في لجنة 5+1 سابقا، ومعهم الكيان الغاصب، على منع إيران أو محاولة منعها من امتلاك القدرات النووية لا يستند إلى أي شرعية أو قانون أو عرف أو أي مسوغ. فالدول التي تملك القدرات والسلاح النووي كثيرة في العالم، والتي تشمل أمريكا وهي الوحيدة التي استعملته، وروسيا والصين وكوريا الشمالية والهند وباكستان وبريطانيا وفرنسا وكيان يهود. فلماذا حلال على هؤلاء ومحرم على إيران مثلا؟! وإذا كانت هذه الدول وعلى رأسها أم المصائب تدعي أن ملكيتها للسلاح النووي هو أداة ردع لا أداة حرب، فمن باب أولى أن تمتلك كل دولة هذا السلاح إن كان لها عدو أو غريم يمتلكه، ليشكل أداة ردع ويفرض حل النزاع بعيدا عن أجواء الحرب حتى لا يتعرض الطرفان للتدمير الشامل. كما حصل أول الأمر بين العملاقين أمريكا والاتحاد السوفيتي سابقا، وكما هو واضح هذه الأيام في النزاع بين الهند وباكستان.
أما إيران، فإن هي خضعت لما تريده أمريكا وسلمت ما لديها من يورانيوم فسوف تتلقى ضربات عسكرية لا قِبَلَ لها بها من كيان يهود، ولا يستبعد أن يستخدم ما لديه من سلاح نووي للقضاء على مقدرات إيران لعقود قادمة. وقد ألمح إلى ذلك رئيس وزرائه سابقا حين ذكر بأن لدى يهود ثأرا تاريخيا عند الفرس منذ عهد كورش الفارسي. كما ورد أيضا على لسان ترامب بأنه يسعى للقضاء على حضارة إيران سواء قصد بذلك الحضارة الفارسية القديمة أو الإسلامية الحديثة.
وإما إن لم تخضع وتمسكت بقوتها وما لديها من طاقة تم بناؤها على مدى عقود، فسوف تزداد عليها الضغوط، وأشكال من الحرب المختلفة كلما تمكن الكيان من إشعالها. ولكنها في النهاية ستبقى دولة قوية ذات شأن. والأهم من ذلك كله، فإن إيران ليست بعيدة من الناحية الفكرية عن إعادة هيكلة نظامها ليعود نظاما إسلاميا بعيدا عن القومية الفارسية، ويرتقي عن المذهبية الضيقة، ليصبح وعاء لأمة واحدة لا تضيق به القومية، ولا تحد من إمكانياته المذهبية. وأن يتذكر قادة إيران أن الأمة الإسلامية أكثر عراقة من الفارسية والعربية والطورانية وأشد ثباتاً، وأقوم عوداً. وأن الأمة التي تبني حضارتها وقوتها ونظامها كاملا على أساس العقيدة الإسلامية دون شائبة، ستغدو مؤهلة لقيادة العالم كله، لتقدم نظاما ربانيا عادلا يقضي على الظلم وآثاره.
﴿يَا أُّيَهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. محمد جيلاني



