الخميس، 07 ربيع الأول 1448هـ| 2026/08/20م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
تهديدُ أُسطول بوتين السرّي

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

تهديدُ أُسطول بوتين السرّي

(مترجم)

 

 

الخبر:

 

في 12 آب/أغسطس 2026، وخلال مناورات بحرية في أقصى شرق روسيا على متن الطراد الصاروخي فارياغ، وجّه الرئيس بوتين تحذيراً شديد اللّهجة: إذا مضت الدول الأوروبية قدماً في خططها للاستيلاء على السفن التجارية الروسية، فإن موسكو سترُدُّ بالمثل، وليس بالضرورة في المياه التي تستهدف السفن الروسية، بل في أي مكان تراه مناسباً، بما في ذلك المحيط الهادئ.

 

التعليق:

 

جاء هذا التّحذير عقب احتجاز ما لا يقلُّ عن تسع سفن تابعة لأسطول الظلّ في أنحاء أوروبا منذ بداية عام 2026، من بينها أربع سفن احتجزتها فرنسا، وسفينة سميرتوس التي احتجزتها بريطانيا في القناة الإنجليزية في 14 حزيران/يونيو. ووصف بوتين الإجراءات الغربية بأنها قرصنة وسرقة.

 

وقد عزّزت روسيا أسطول الظلّ بعد أن أدّت عقوبات مجموعة السّبع والاتحاد الأوروبي وسقف أسعار النفط إلى تعطيل وصولها التقليدي إلى خدمات الشحن والتأمين والخدمات المالية الغربية. وقد فعلت ذلك من خلال شبكة واسعة من ناقلات النفط القديمة المملوكة لشركات خارجية غامضة، والمسجلة تحت أعلام أجنبية متغيرة باستمرار، أو حتى مزورة في بعض الأحيان، ما سمح بنقل النفط الروسي خارج نطاق نظام الشحن والتأمين الخاضع للسيطرة الغربية. إلا أن استخدام أعلام متعددة، وتغيير الأعلام، والتسجيل المزيف، وعدم كفاية الرقابة، أدى إلى ترك العديد من السفن دون جنسية واضحة أو حماية فعالة من دولة العلم. وقد خلق ذلك ثغرة قانونية تستغلها بريطانيا ودول أوروبية أخرى حالياً. فقد غيّرت سفينة سميرتوس اسمها وعلمها مرتين منذ فرض العقوبات عليها في تموز/يوليو 2025، وكانت ترفع علم الكاميرون، إلا أن الكاميرون أزالته من سجلاتها، ما جعل السفينة عملياً بلا جنسية سارية، الأمر الذي أتاح لبريطانيا ثغرة قانونية بموجب المادة 110 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تسمح لسفينة حربية بالصعود إلى سفينة في أعالي البحار إذا وُجدت أسباب معقولة للاشتباه في أنها بلا جنسية. وتؤكد بريطانيا أنها كانت تملك هذه الأسباب، فصعدت إلى السفينة، وأثبتت وضعها كعديمة الجنسية، ثم طبقت تشريعات العقوبات المحلية.

 

ومع ذلك، فإن الإطار القانوني نفسه الذي مكّن من الاستيلاء على سميرتوس يكشف أيضاً عن نفاق الغرب. فبموجب المادة 92 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تخضع السفن في أعالي البحار للولاية القضائية الحصرية لدولة علمها. فإذا كانت سفينة تابعة لأسطول غير رسمي تحمل تسجيلاً روسياً حقيقياً - كما هو الحال مع العديد منها الآن، في أعقاب جهود موسكو لتقنين أسطولها التجاري - فلا يحقُّ لسفينة حربية بريطانية أو فرنسية من جانب واحد الصعود إليها لمجرد أنها تحمل نفطاً خاضعاً للعقوبات. إنّ مبدأ حرية الملاحة وولاية دولة العلم يمنح روسيا حجّة قانونية قوية ضدّ أي اعتراض من هذا القبيل. وقد حاولت الحكومات الأوروبية التحايل على ذلك باستهداف السفن التي تحمل أعلاماً مشكوكاً فيها أو التي لا تملك تأميناً كافياً، إلا أن الأساس القانوني لهذا المنع لا يزال محلّ جدل. حتى في المياه الإقليمية، تضمن المادة 17 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار للسفن التجارية الأجنبية حقّ المرور البريء؛ ولا تنصُّ الاتفاقية صراحةً على أن نقل النفط الروسي في انتهاك لنظام عقوبات أوروبي أُحادي الجانب يجعل هذا المرور غير بريء تلقائياً.

 

إنّ الانتقائية التي تُطبّقُ بها هذه الأحكام القانونية تكشف أن القانون الدولي ليس قانوناً محايداً، بل أداة في يد القوى الاستعمارية. فالدول نفسها التي تستشهد الآن باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لتبرير تفتيش ناقلات النفط الروسية، أبدت استخفافاً واضحاً بالقانون البحري عندما يتعارض مع مصالح حلفائها. فعلى سبيل المثال، انتهك كيان يهود مراراً وتكراراً المياه الإقليمية اللبنانية والسورية، وفرض حصاراً بحرياً غير قانوني على غزة، واستخدم قواته البحرية لاعتراض سفن الإغاثة الإنسانية. ومع ذلك، لم يتدخل أي أسطول بحري أوروبي، ولم تقترح أي حكومة غربية فرض عقوبات. وتُجسّد مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحقّ بوتين ونتنياهو، والتي أُعلن عنها في آذار/مارس 2023 وتشرين الثاني/نوفمبر 2024 على التوالي، ازدواجية المعايير نفسها. فقد صدرت بحق بوتين مذكرة توقيف دولية وجُمّدت أصوله وحُظر عليه السفر في أنحاء أوروبا. أما نتنياهو، فرغم إشرافه على مجازر الإبادة الجماعية في غزة، لا يزال يُستقبل في العواصم الغربية كرجل دولة يحظى بالاحترام. وقد أكدّ القادة الأوروبيون علناً التزامهم باختصاص المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بأوكرانيا، لكنهم تقاعسوا بشكل واضح عن تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة بحقّ نتنياهو، بل حتى عن التعليق على رحلاته إلى الدول الحليفة. وهكذا، فإن إنفاذ القانون الدولي مرهون بالمصلحة السياسية للجهات المنفذة، أي أمريكا وحلفائها في حلف الناتو.

 

أدركت القيادة الروسية متأخرةً أن الغرب كان ذا وجهين حين أشاد بها لتبنيها الرأسمالية في الأيام الأخيرة لانهيار الاتحاد السوفيتي. في السنوات اللاحقة، ومع سعي بوتين لتحقيق الاستقرار في روسيا، انخرطت أوروبا في شراكات معها، وشعر كثير من الروس بأنهم أصبحوا جزءاً من أسرة عالمية ذات قيم أوروبية. إلا أن توسّع حلف الناتو المحارب شرقاً، خلافاً للتطمينات السابقة التي قدمتها أمريكا، أثار قلقاً متزايداً. ومع ذلك، حتى قبل شن الحرب على أوكرانيا، لم تُدرك روسيا المدى الكامل لرغبة الغرب في تفكيكها، على الرّغم من تبنيها للرأسمالية. إنّ هذا التصوّر بأنّ قيم ومؤسسات الغرب الليبرالي قد تكون حميدة، وأنّ روسيا يمكن أن تكون شريكاً متكافئاً، يُشبه حماقة العديد من الزعماء الفكريين العرب والطبقات والأحزاب السياسية التي تطلّعت إلى الغرب بعد خيانة الخلافة العثمانية وهدمها. والفرق هو أنّه في البلاد الإسلامية، يفرض حكامٌ عملاء فاسدون هذه الحماقة بالقوة ضدّ الميول والتطلعات الطبيعية للأمة الإسلامية نحو الإسلام، بينما أدركت القيادة الروسية العداء المُوجّه إليها. والآن، وقد وقعت روسيا في فخّ حربها مع أوكرانيا، انخرطت في صراعٍ وجودي، بينما يكافح الحكام العرب لدعم أسيادهم الغربيين ضدّ شعوبهم وضدّ المبدأ الوحيد الجدير بالقيادة في هذا العالم: الإسلام.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الحميد مارتن

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع