- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
جدلُ الحياد في بلجيكا يضعُ المرأة المسلمة مجدّداً في قفص الاتّهام!
(مترجم)
الخبر:
في الأول من نيسان/أبريل 2026، أقرّ برلمان اتّحاد والونيا-بروكسل الناطق بالفرنسية قواعد جديدة بشأن الحياد في التعليم. ويحظر مرسوم 2 نيسان/أبريل 2026 ارتداء أي رموز سياسية أو فلسفية أو دينية ظاهرة للعاملين في النظام التعليمي الرسمي. وهذا يعني أن النساء المسلمات المحجبات لم يعد بإمكانهن العمل في العديد من وظائف التدريس والتعليم التي يشملها المرسوم إلا إذا قمن بخلع الحجاب.
يأتي هذا الإجراء في وقت تعاني فيه المدارس الناطقة بالفرنسية في بلجيكا من نقص حاد في المعلمين المؤهلين. وفي عام 2025، شكّلت الحكومة فرق عمل لمعالجة هذا النقص في والونيا وبروكسل. ومع ذلك، فبينما تحتاج المدارس إلى المزيد من المعلمين، تجد النساء المسلمات المؤهلات المحجبات أنفسهن الآن محرومات من فرص العمل في بعض قطاعات التعليم العام.
يمثل المرسوم الجديد خطوة أخرى في النقاش الدائر في بلجيكا حول اللباس الإسلامي الظاهر. وتجدر الإشارة إلى أن بلجيكا تحظر بالفعل الملابس التي تغطي الوجه كلياً أو جزئياً في الأماكن العامة، وهو إجراء يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنقاب. كما قبلت المحاكم البلجيكية، في بعض الحالات، القواعد التي تحظر العلامات الدينية الظاهرة في المؤسسات العامة والتعليم.
التعليق:
مرةً أخرى، تجد المرأة المسلمة نفسها في قلب جدل سياسي ومبدئي في أوروبا. يُستخدم مصطلح الحياد كذريعة، لكن النتيجة واضحة. قد تكون المرأة المسلمة مؤهلة وذات خبرة وراغبة في التدريس، ولكن إذا اعتقدت أنّ ارتداء الحجاب فرض من الله، فقد يُقال لها إنها غير مرحب بها إلا إذا خلعته!
يبرز هذا الأمر بشكل خاص في ظل معاناة المدارس أصلاً من نقص المعلمين. لسنوات واجهت بلجيكا نقصاً في المعلمين، بما في ذلك في نظام التعليم الناطق بالفرنسية. أحياناً تُترك الفصول الدراسية بدون معلمين، وتواجه المدارس صعوبة في ملء الشواغر، وتبحث الحكومات عن سبل لجذب المزيد من الأشخاص إلى مهنة التدريس. لكن، في الوقت نفسه، تُستبعد مجموعة من النساء المؤهلات بسبب طريقة لباسهن.
هذا يكشف التناقض. حيث تتحدث الحكومات الأوروبية باستمرار عن تكافؤ الفرص، ومشاركة المرأة في سوق العمل، والتنوع والشمول. لكن عندما ترغب امرأة مسلمة في العمل مع الحفاظ على لباسها الإسلامي، تصبح هذه المبادئ فجأة محدودة. تصبح الرسالة: يمكنكِ المشاركة، ولكن بشرط أن تُخفي مظهركِ الإسلامي!
لهذا السبب لا يزال الحجاب موضوعاً مثيراً للجدل في أوروبا. فهو لم يكن يوماً مجرد قطعة قماش. الحجاب هو علامة ظاهرة على أن المرأة المسلمة تستطيع العيش والدراسة والعمل في أوروبا مع التمسك بهويتها الإسلامية. بإمكانها أن تصبح معلمة أو طبيبة أو محامية أو موظفة حكومية دون التخلي عما تؤمن أن الله تعالى أمر به. بالنسبة للنظرة العلمانية التي تتوقع بشكل متزايد أن يبقى الدين خاصاً وغير مرئي، يصبح هذا الأمر غير مريح.
تتحدث فرنسا عن العلمانية. تتحدث بلجيكا عن الحياد. وفي دول أخرى، يستخدم السياسيون مصطلحات مثل الاندماج والأمن والتحرر والتماسك المجتمعي. قد تتغير المصطلحات، لكن المرأة المسلمة تُطالَب مراراً وتكراراً بتغيير الشيء نفسه: هويتها الإسلامية الظاهرة!
تُثير الحالة البلجيكية أيضاً تساؤلاً مهماً حول المعنى الحقيقي للحياد، يمكن للدولة أن تعامل المسلمين والنصارى واليهود والملحدين وغيرهم على قدم المساواة دون إجبارهم جميعاً على الظهور بمظهر واحد. لا يُحوّل ارتداء المعلمة للحجاب المدرسة إلى مدرسة إسلامية. الحياد يعني أن تعامل المؤسسة الناس بإنصاف ودون تمييز، ولا يعني أن على الفرد إخفاء دينه ليتمكن من خدمة المجتمع!
ثمة تناقض واضح في خطاب حرية المرأة. فالمجتمعات العلمانية تُصرّ على أن للمرأة الحقّ في اختيار لباسها وأسلوب حياتها. ومع ذلك، عندما تختار امرأة مسلمة ارتداء الحجاب طاعة لله، قد تقرّر الدولة أنّ هذا الخيار غير مقبول في بعض المدارس أو أماكن العمل أو المؤسسات العامة. يُقال للمرأة إنها حرة، ولكن ضمن حدود تفرضها السياسات العلمانية!
لهذا السبب، يعود الجدل حول الحجاب مراراً وتكراراً. فهو يُثير تساؤلاً أعمق لم تجد له العديد من الدول الأوروبية حلاً بعد: هل يستطيع المسلمون المشاركة الكاملة في المجتمع دون إجبارهم على التنازل تدريجياً وإخفاء مظاهر الإسلام الظاهرة؟ الحجاب يجعل هذا السؤال لا يُمكن تجاهله، لأنه يُرى يومياً في المدارس وأماكن العمل والشوارع والمؤسسات العامة.
لذا، لا ينبغي للمرأة المسلمة أن تقبل فكرة أن لباسها الإسلامي هو المشكلة. فالحجاب ليس شعاراً انتخابياً، ولا زياً سياسياً، ولا علامة على التطرف. بالنسبة للمرأة المسلمة، هو جزء من طاعتها لله، فلا ينبغي إجبارها على الاختيار بين دينها وتعليمها، أو بين دينها ومهنتها، أو بين دينها وخدمة مجتمعها. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
لذا، فإن القضية في بلجيكا أوسع من مجرد قرار واحد أو مهنة واحدة. فهي تُظهر كيف أن النظام العلماني، بينما يتحدث باستمرار عن الحرية والمساواة، يُمكنه تقييد المرأة المسلمة تحديداً لأنها تعيش جهراً وفقاً لمعتقداتها الدينية. وعندما يحدث هذا في وقت تبحث فيه المدارس عن معلمين، يصبح التناقض أكثر صعوبة في إخفائه.
السؤال الحقيقي ليس لماذا تستمر النساء المسلمات في ارتداء الحجاب، بل السؤال الحقيقي هو لماذا تستمر السياسة الأوروبية في التعامل مع طاعتهن لله سبحانه وتعالى باعتبارها مشكلة تجب السيطرة عليها أو الحدّ منها أو إبعادها عن الحياة العامة؟!
كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
ياسمين مالك
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير



