- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
مستمعينا الكرام! مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير
أحييكم بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته أما بعد:
موضوعنا لهذا اللقاء معكم هو من إرث المرحوم بإذن الله تعالى المفكر السياسي يوسف أحمد السباتين – أبي العز، وهو بعنوان:
كتـابٌ مفـتـوحٌ وجهه رحمه الله
إلى الفـقهاء والأئمة والخطباء والمدرسين
قالَ اللهُ تعَالى في مُحكم ِكِتابهِ, وَهُوَ أصْدَقُ القائِلينْ: (إنَّ الذينَ يَكتمُونَ مَا أنزلَ اللهُ مِنَ الكتابِ وَيشترُونَ بهِ ثمَناً قليلاً أولئكَ مَا يأكلـُونَ في بُطونهمْ إلَّا النَّارَ وَلا يُكلـِّمُهُمُ اللهُ يَومَ القيامَةِ وَلا يُزكّيهمْ وَلهُمْ عَذابٌ أليمٌ * أولئكَ الذينَ اشترَوُا الضَّلالةَ بالهُدَى وَالعَذابَ بالمَغفرَةِ فمَا أصْبَرَهُمْ عَـلى النَّار).
حضرات الفقهاء والأئمة والخطباء والمدرسين:
السَّلامُ عَـليكـُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ وَبَعدْ: لـَقـَدْ دَرَستُمْ كِتابَ اللهِ تعَالى, وَاطَّـلعتُمْ عَلى سِـيرَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فعَرَفتُمْ كيفَ بَدأ دَعوَتَهُ, وَأقامَ دَولَتَهُ, وَحَكمَ النَّاسَ بشَرع ِاللهِ, فـَقـَدْ حَمَـلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرِّسَالة, وَأدَّى الأمَانة, وَنصَحَ الأمَّة, وَكشفَ اللهُ بهِ الغُمَّة, وَجَاهَدَ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ, وَقالَ صلى الله عليه وسلم: "ترَكتُ فيكم مَا إنْ تمَسَّـكتمْ بهِ لنْ تضِلُّوا بَعدِي أبَدا: كتابَ اللهَ وَسُنَّـتِي". اللهُمِّ اجزهِ عَنا خيرَ مَا جَزَيتَ نبيَّاً عَنْ قومِهِ, وَرَسُولاً عَنْ أمَّتِهِ. ثمَّ انتقلَ صلى الله عليه وسلم إلى الرَّفيق ِ الأعلى, وَأنتمْ مَعشَرَ الفـقهَاء وَالأئمَّةِ وَالخطبَاء الأمَناءُ عَلى رسَالتِهِ, وَالمُكلَّفونَ مِنْ بعدِهِ بحَمل دَعوَتِهِ, وَتبليغهَا للنّاس.
لقد شَرَّفكمُ اللهُ تعَالى بأنْ جَعَلكمْ مِنَ العُـلمَاء, وَمِنْ وَرَثةِ الأنبيَاء, وَذلكَ بحَمل أطهَر دَعوَةٍ, وَأشرَفِ رسَالةٍ عَلى وَجهِ الأرض, ألا وَهِيَ رسَالة الإسلام, التي جَاءَنا بهَا نبيُّنا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِندِ اللهِ, بَيضَاءَ نقيَّةً, ليلهَا كنهَارهَا,لا يَزيغُ عَنهَا إلَّا هَالِكٌ, وَلا يتَنكَّبُهَا إلَّا شقِيّ.
وَقدْ خاطبَ اللهُ سُبحَانهُ وَتعَالى رَسُولهُ صلى الله عليه وسلم في بدَايَةِ الدَّعوَةِ فقالَ جَلَّ مِنْ قائل: (إنَّا سَنُلقِي عَليكَ قَولاً ثَقيلاً). لقدْ حَمَلتُمْ حِملاً ثقيلاً ناءَتْ بثِقـلِهِ السَّمَاوَاتُ وَالأرضُ وَالجبَالُ, ألا وَهُوَ الأمَانة, قالَ تعَالى: (إنَّا عَرَضنا الأمَانةَ عَلى السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ وَالجبَالِ فأبينَ أنْ يَحْمِلنَهَا وَأشفَقـْنَ مِنهَا وَحَمَلهَا الإنسانُ إنَّهُ كانَ ظلُوماً جَهُولاً).
فمَا هِيَ هَذِهِ الأمَانة؟ إنَّهَا أمَانةُ إظهَارِ الحَقِّ وَالبَوح بهِ, وَعَدَم كتمَانِهِ, أمَانةُ تبليغ ِ أوَامِر اللهِ وَنوَاهيهِ, أمانةُ تبليغ ِالأحكام ِ الشَّرعيَّةِ التي نزلَ بهَا الوَحيُ مِنْ اللهِ تعَالى, وَالمَوجُودَةِ في كتابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبيّهِ صلى الله عليه وسلم, أمَانة الأمر بالمَعرُوفِ, وَالنَّهي ِعَن ِالمُنكر.
إنَّ اللهَ سُبحَانهُ وَتعَالى قدِ امتدَحَكُمْ بقولِهِ: (كُنتُمْ خَيرَ أمَّةٍ أخرجَتْ لِلنَّاسِ تأمُرُونَ بالمَعرُوفِ وَتنهَونَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤمِنونَ باللهِ). فكونوا عِندَ مَدح اللهِ لكمْ, كونوا كمَا أرَادَكُمُ اللهُ رَبُّ العَالمينَ. لقدْ كُنتُمْ وَكانتْ أمَّتُكُمْ خَيرَ أمَّةٍ يَومَ كنتمْ تعتصِمُونَ بحَبل اللهِ تعَالى, كنتمْ خيرَ أمَّةٍ يَومَ كنتمْ أمَّةً وَاحِدَةً مُوَحَدَة, يَنصُرُ بَعضُـكُمْ بَعضاً, كنتمْ خيرَ أمَّةٍ يَومَ كانَ وَلاؤكُمْ لحَاكِمٍ وَاحِدٍ, يَسُوسُـكمْ بكتابِ اللهِ, وَيَرعَاكُمْ بشَرع ِاللهِ, وَيقودُكمْ إلى الجهَادِ فِي سَبيل ِاللهِ.
وَهَاهُمْ حُكَّامُكمْ قـَد ألغَوا في قوانينهمُ الجهَادَ في سَبيل ِاللهِ, وَصَارَ المُجَاهِدُ فِي نظرهِمْ إرهَابياً, فوَصَلَ الحَالُ إلى مَا وَصَلَ إليهِ مِنَ الذلِّ وَالهَوَان ِ مِمَّا لا يَخفى عَلى حَضَرَاتِكُمْ, فقدْ صَارَ المُسلمُ يُولَدُ فلا يُؤبَهُ لهُ, وَيَعيشُ فلا يُعتَنى بهِ, وَيَمُوتُ فلا يُحزَنُ عَـليهِ, وَيُقتَلُ فلا يُثأرُ لهُ. وَإنَّ مَا يَجري الآنَ في فِلسطينَ وَالعرَاقَ وَأفغانِستانَ وَالشيشانَ والجَزائِرَ وَكشميرَ, وَمَا جَرَى مِنْ قَبلُ في البُوسنةِ وَالهرسِكِ وَكسُوفـُو مَا يُغني عَن ِالدَّليل ِ.
حضرات الفقهاء والأئمة والخطباء والمدرسين:
• كونوا عِندَ تشريفِ اللهِ لكمْ بتعليمِكمُ النـَّاسَ العِلمَ الذي يُوجدُ فيهمُ الوَعيَ عَلى دِينهمْ, فيَرفعُ مِنْ شأنهمْ, وَيَنهَضُ بهمْ, وَيَجعلُ توَجُّهَهُمْ نحوَ قضَايَاهُمُ المَصيريَّة كقضيَّةِ العَودَةِ إلى الحُكم بكِتابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم باعتبَارهِمَا ذلكَ التَّحَدِي لِلقوانين الوَضعيَّةِ الفاسِدَةِ المُستمدَّةِ مِنْ قوانينِ الكُفرِ وَحَضارَتِهِ.
وَكقضيَّةِ وَحدَةِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ برَفع ِالحُدُودِ بَينَ أقطارهَا, لِتستطيعَ بمَجمُوع ِاقتصَادِهَا أنْ تَبنيَ لهَا قـُوَّةً تُرهِبُ بهَا عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّهَا, وَلتأخُذ مَكانهَا بَينَ الشُّعُوبِ وَالأمَم.
• كونوا أمَناءَ عَلى مَا ائتَمَنَكُمُ اللهُ, وَإيَّاكُمْ وَكِتمَانِ بَيانِ مَا أنزَلَ اللهُ, وَهُوَ سُبحَانَهُ القائِلُ: (إنَّ الذينَ يَكتُمُونَ مَا أنزَلنا مِنَ البَيِّناتِ وَالهُدَى مِنْ بَعدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنّاس فِي الكِتابِ أولئكَ يَـلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلعَنُهُمُ اللاعِنُونَ).
• عَـلِّمُوا النَّاسَ أنَّ الأمَمَ المَيِّـتة تحيَا بحَمل الرَّسَالـَة, وَتَمُوتُ الأمَمُ الحَيـَّةُ بتركِ حَملهَا, وَذلكَ لِيتطلِّعُوا إلى أيّام ِعزِّهمْ وَقـُوَّتهمْ يَومَ كانوا حَمَـلةَ رسَالَةٍ, وَليتَّعِظُوا مِنْ وَضعهمُ الحَالِي بَعدَ تركهمْ حَملَ الرِّسَالَة, وَتركِ العَمَلِ بهَا.
• عَـلِّمُوا المُسلمينَ كيفَ جُزئَتْ بلادُهُم, وَغَدَوا كالأيتام ِعَـلى مَآدِبِ اللِّئام بَعدَ زَوالِ دَولةِ الإسلام, فلا رَاعِيَ لهُم يَصونُ دِمَاءَهُمْ, وَيَحفظ لـَهُمْ كرَامَتهُمْ. لا تـقتصِرُوا فِي تعليم النَّاس عَـلى العبَادَاتِ وَالأخلاقِ وَالقضَايَا الجُزئيـَّةِ فحَسْب, وَتتركوا القضَايَا المَصيريَّةَ, مُلتزمِينَ بحُدُودِ الوَظيفةِ, وَاللهُ سَائِلُكُم عَمَّا ائتمَنكُمْ عَليهِ مِنَ العِلم, كونوا مِمَّنْ قالَ اللهُ تعَالى فيهمْ: (الذينَ يُبَلِّغُونَ رسَالاتِ اللهِ وَيَخشونَهُ وَلا يَخشَونَ أحَداً إلَّا اللهَ وَكفى باللهِ حَسِيباَ).
• عَـلِّمُوا النّاسَ أحْكامَ دَار الإسلام وَدَار الكـفرِ وَأنَّ الـدَّارَ تكونُ دَارَ إسلام بظُهُورِ وَبتفَوُّقِ أحكامِ الإسلامِ فيهَا وَتكونُ دَارَ كُفْرٍ بظهُورِ أحكامِ الكُـفرِ فيهَا كمَا هُوَ حَاصِلٌ اليَومَ.
• عَـلِّمُوهُمْ أنَّ المُسلمَ الذي يَرتكِبُ إثماً, وَتُنفَّذ فيهِ العُـقوبَةُ الشرعيَّة, تسقُطُ عَنهُ عقوبَةُ الآخرة. وَأنَّ إقامَة حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ في الأرض خيرٌ لأهل الأرضِ مِنْ أنْ يُمطَرُوا أربعينَ صباحا, ليزدَادَ تطلُّعُهُم إلى العَودَةِ لشرعِ اللهِ فلا يَبقَونَ مَحرُومينَ مِنْ هَذِهِ النِّعمَة.
• عَلِّمُوهُم أحكامَ الصُّـلح مَعَ العَدُوِّ, وَأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تكونَ غَيرَ مُحَدَّدَةٍ بزَمَن.
• عَلِّمُوهُمْ أنَّ التَّـقيُّدَ بأنظمَةِ الأمَم المُتَّحِدَةِ وَمَجلِس الأمن التي تـَقتضِي مُـقاطعَة َ أي قـُطرٍ إسلامِيٍّ حَرَامٌ لا يَجُوزُ التَّقيُّدُ بهَا.
• عَلِّمُوا النَّاسَ أنَّ نزعَ أسلِحَة الدَّمَار الشَّامِل مِنَ الأقطارِ الإسلاميَّةِ حَرَامٌ, فيهِ مُخالفـَة ٌ لقولِهِ تعَالى: (وَأعِدُّوا لهُمْ مَا استطعْـتُمْ مِنْ قـُوَّةٍ وَمِنْ ربَاطِ الخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ).
• أنزلـُوا الأحكامَ عَلى الوَقائع ِ وَالأحدَاثِ الجَاريَةِ كمَا كانَ القـُرآنُ يـَتـَنزَّلُ مُنجـَّما ً حَسَبَ الحَوَادِثِ, وَذلِكَ لِكي يَعرفَ النـَّاسُ الحُـكمَ الشَّرعِيَّ في كـُـلِّ حَادِثـَةٍ تـَحْدُثُ. فـَلـَقـَدْ عَـلــَّمَنـَا الوَحْيُ كيفَ نـُعَـلــِّمَ أمَّـتـَنـَا أحَكامَ دِينـِنـَا, وَبَيـَّنَ لنـَا فِي كِتابِ رَبـِّنـَا وَسُنـَّةِ نـَبيـِّنا طريقـَة َ تـَعليمـِهَا, وَإنـَّهُ باستقرائِنا لأسبَابِ نـُزُول ِ القـُرآن ِ الكريم ِ مِنْ قـِبَـل ِ الوَحْي ِ, نـَعر ِفُ كيفَ نـُعَـلـِّمُ أمـَّـتـَنـَا أحكامَ دِينهَا, لكي تكونَ وَاعيَة ً عَـلى الإسلام ِ وَعَلى أحكامِهِ, وَعيا ً شَامِلا ً لِجَميع ِ نـَوَاحِي الحَيَاةِ, وَإليكـُمُ القـَـليـلَ مِـنَ الأمثـلةِ عَـلى مَا أشَرنـَا إليهِ مِـنْ وُجُوبِ تعليم ِ الأمَّةِ مَا يَـلزَمُهَا فِي السِّيـَاسَةِ وَالاجتمَاع ِ وَالاقتصَادِ وَالفِكر ِ وَتنزيل ِ الأحكام ِعَلى الوَقائِع ِ وَالأحدَاثِ:
أولا ً: النواحي الاجتماعـية:
1. حَدَثَ أنَّ أوسَ بنَ الصَّامِتِ ظـَاهَرَ مِنْ زَوجَـتِهِ خـَولـَة َ بنتِ ثعلبَة, أيْ حَرَّمَهَا عَلى نفسِهِ كمَا تحْرُمُ عَليهِ أمُّهُ, فاشتكتْ إلى رَسُول ِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فنزلَ الوَحيُ بقولِهِ تعَالى: (قدْ سَمِعَ اللهُ قولَ التي تـُجَادِلـُـكَ في زَوجـِهَا). وَاستمَرَّ نـُزُولُ الآيَاتِ التي تـُبيِّنُ الحُكمَ الشَّرعِيَّ فِي مَوضُوع ِ الظـِّهَار.
2. وَفِي حَادِثـَةِ الإفكِ التي أشيعَتْ حَولَ أمِّ المُؤمنينَ عَائِشَة َ رَضِيَ اللهُ عَنهَا, فأحرجَتْ وَأحرجَ أبُوهـَا وَزوجُها صلى الله عليه وسلم فنزَلَ الوَحْيُ يُبَرِّئهَا بقولِهِ تعَالى: (إنَّ الذينَ جَاءُوا بالإفكِ عُصبَة ٌ مِنكـُم).
ثانيا ً: النواحي الاقتصادية:
1. عِندَمَا اختـَلفَ المُسلمُونَ فِي شأن ِالغنائِم التي حَصَـلتْ لهُمْ بَعدَ مَعركةِ بَدر ٍ نزَلَ الوَحْيُ بقولِهِ تعَالى: (يَسألـُونـَكَ عَن ِالأنفال ِ قـُـل ِ الأنفـَالُ للهِ وَالرَّسُول ِ). فبَيـَّنَ الوَحْيُ الحُكمَ الشَّرعِيَّ فيمَا يَؤولُ مِنَ الغنائِم ِ مِنْ أيدِي الأعدَاء إلى المُـقاتـِلينَ المُسلمينَ, فجَعَـلَ الحَـلَّ بيَدِ رَئيس ِالدَّولـَةِ أي بـِـيَدِ خـَليفـَةِ المُسلمينَ يُوزعُـهَا حَسَبَ رَأيهِ وَاجتهَادِهِ.
2. بَعدَ انتصَار المُسلمينَ عَـلى الفـُرس ِ في العِرَاق, طـَلبَ المُـقاتِلونَ مِنْ عُمَرَ بن ِالخطـَّابِ أنْ يُـقــَسِّمَِ بَينهُمْ أرضَ العِرَاق ِ, وَكانَ الوَحْيُ قـَدِ انقطعَ بَعدَ وَفاةِ الرَّسُول ِصلى الله عليه وسلم فنظـَرَ عُمَرُ فيمَا نزَلَ فيمَا هُوَ شَبيهٌ بأرض ِالعرَاق ِ, فاهتدَى إلى الحُـكم ِالشَّرعِيِّ الذي يَجعَـلُ أرضَ العِرَاق ِ, وَكـُـلَّ أرض ٍ تـُـفتـَحُ عُـنوَة ً بسُيُوفِ المُسلمينَ, هِيَ وَقـْفٌ عَلى المُسلمينَ حَتى تـَقـُومَ السَّاعَة ُ, وَلا يَحِلُّ لأحَدٍ أنْ يـَتـَنـَازَلَ عَنهَا أو يُصَالِحَ عَليهَا مَعَ العَدُوِّ, وَكانَ عُمَرُ قـَدِ استـَََدَلَّ بخـَمْس ِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الحَشر ِ بَدءا ً مِنْ قـَولِهِ تعَالى: (وَمَا أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فمَا أوجَفتـُمْ عَـليهِ مِنْ خـَيل ٍ وَلا ركـَابٍ). إلى قـَولِهِ تعَالى: (وَالذينَ جَاءُوا مِنْ بَعدِهِمْ يَقـُولـُونَ رَبـَّنـَا اغـفـِرْ لـَنـَا وَلإخـَوانِنـَا الذينَ سَبـَقـُونـَا بالإيمان ِ وَلا تـَجعَـلْ فِي قـُـلوبـِنـَا غِلا ً لِلذينَ آمَنـُوا رَبـَّنـَا إنـَّـكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ).
ثالثا ً: النواحي الحربية:
عِندَمَا أرْسَـلَ النـَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَبدَ اللهِ بنَ جَحش ٍ لِمُرَاقـَبَةِ تـَحَركـَاتِ قـُريش ٍ وَأوصَاهُ أنْ لا يُحدِثَ شـَيئا ً إلا َّ أنَّ الزُّبيرَ بنَ العَوَّام ِ رَمَى بسَهم ٍعَلى قافـِلـَةٍ كانتْ مُـتـَّجهَة ً إلى مَكـَّة َ فـقـُتـِلَ عَمرُو بنُ الحَضرمِيِّ, فاستغلـَّتْ قـُرَيشٌ هَذا الحَدَثَ وَاتـَّهَمَتِ النـَّبيَّ وَصَحبَهُ بأنـَّهُمُ استحَـلــُّوا الشـَّهرَ الحَرَامَ, وَاستاءَ النـَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّا حَصَـل فـَنزَلَ الوَحْيُ وَأجَازَ القِتـَالَ فِي الأشهُر ِ الحُرُم ِ طـَالمَا أجَازَتْ قـُريشٌ لِنفسِهَا الصَّدَ عَنْ سَبيل ِ اللهِ, وَإخرَاجَ أهل ِالحَرَم ِ مِنهُ, وَفتـنتـَهُمْ عَنْ دِينـِهمْ, فـَصَارَ الحُـكمُ فِي حَالةِ الحَرْبِ هُوَ التـَّعَامُلُ مَعَ العَدُوِّ بالمِثـل ِ, فإنْ قـَتـَلـُوا أسرَانا نقتـلْ أسرَاهُمْ, وَإن ِ امتـَنـَعـُوا عَن ِالسَّبيِّ نمتـَنِعُ وَهَكذا.
رابعا: سياسة الأمن الداخلي:
عِندَمَا تـَجَهَّزَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم لِفتح ِ مَكـَّة َ كتـَبَ حَاطِبُ بنُ أبي بَلتعَة َ كِتابا ً يُخبـِرُ فِيهِ قـُريشا ً بمَا عَزَمَ عَـليهِ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وَبَعَثــَهُ مَعَ امرَأةٍ, فـَنـَزَلَ الوَحْيُ وَأخبَرَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم بذلكَ فبَعَثَ عَـليا ً وَالزُّبيرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَأحضَرا الرِّسَالـَة َ, فـَنـَزَلَ قـَولـُهُ تعَالـَى: (يَا أيُّهَا الذينَ آمَنـُوا لا تـَـتـَّخِذوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكـُمْ أوليَاءَ تـُـلقـُونَ إليهمْ بالمَوَدَّةِ وَقـَدْ كـَفـَرُوا بمَا جَاءَكـُمْ مِنَ الحَقِّ يُخرجُونَ الرَّسُولَ وَإيَّاكـُمْ أنْ تـُؤمـِنـُوا باللهِ رَبـِّـكـُمْ إنْ كـُنتـُمْ خـَرَجتـُمْ جهَادا ً في سَبيلي وَابتغـَاءَ مَرضَاتِي تـُسِرُّونَ إليهمْ بالمَوَدَّةِ وَأنـَا أعلـَمُ بمَا أخفيتـُمْ وَمَا أعلـَنتـُمْ وَمَنْ يَـفعـَـلــْـهُ مِنكـُـمْ فـقـَد ضَـلَّ سَوَاءَ السَّـبيل ِ). وَهَذا المِثالُ فِي سِيَاسَةِ الأمن ِالدَّاخِلي, وَمِنهُ التـَّجَسُّسُ, وَتـُرِكَ الحُكمُ فيهِ لرَئيس ِ الدَّولـَةِ, إنْ شَاءَ عَـفـَا, وَإنْ شـَاءَ عَاقــَبَ.
خامسا ً: السياسة الدولية:
عِندَمَا حَصَـلَ جدَالٌ بَينَ أبي بَكر ٍ وَقـُرَيش ٍ فِي شَأن ِ دَولتي الفـُرس ِ وَالرُّوم ِ وَهُمْ أهلُ كِتابٍ, قالَ أبُو بَكر ٍ: (( سَتـَغلِبُ الرُّومُ الفـُرسَ)) وَتـَرَاهـَنـُوا, وَأقرَّ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أبَا بَكر ٍعَلى ذلكَ, فـَنزَلَ قـَولـُهُ تعَالى: (ألم * غـُـلبَتِ الرُّومُ * فِي أدنى الأرض ِ وَهُمْ مِنْ بَعدِ غـَلـَبـِهمْ سَيَغلـِبُونَ * فِي بضع ِ سِنينَ للهِ الأمرُ مِنْ قـَبلُ وَمِنْ بَعدُ وَيَومَئذٍ يـَفرَحُ المُؤمِنـُونَ * بـِنـَصر ِاللهِ يَـنصُرُ مَنْ يَشـَاءُ وَهُوَ العَزيزُ الرَّحِيمُ). وَهَذا المِثــَالَ فِي السِّياسَةِ الدَّوليـَّةِ, وَهُوَ إقرَارٌ مِنَ الرَّسُول ِ صلى الله عليه وسلم عَلى جَوَاز ِالانشغال ِ بالسَّيـَاسَةِ الدَّوليـَّةِ لمَعرفـَةِ مَا يُصيبُنـَا مِنهَا مِنْ نـَفع ٍ أو ضَرَر ٍ.
حضرات الفقهاء والأئمة والخطباء والمدرسين:
يَجبُ عَـليكـُمْ أنْ تـَهتـَمُّوا بكـُـلِّ مَا يَحدُثُ فِي مُجتمَعِنـَا, وَفِي السِّـيَاسَةِ المَحليَّةِ وَالدَّوليـَّةِ وَالأحدَاثِ العَالميـَّةِ, وَعَنْ عَلاقتهَا بأمـَّـتـِنـَا, وَأنْ تـُبيـِّنـُوا الحُـكمَ فِي كـُـلِّ مَا لـَهُ عَلاقـَة ٌ بالمُسلمينَ.
هَـكذا عَـلـَّمَنـَا الوَحْيُ, كيفَ نـُظهرَ الحَـقَّ, وَنـَبـُوحَ بهِ وَلا نكـتـُمَهُ, وَلا نـُطيعُ مَنْ يـَقـُولُ لنـَا: لا تـَتـَحـََدَّثــُوا في السِّيـَاسَةِ, لأنَّ السِّيـَاسَة َ عَـلى حَـدِّ رَأيـِهِ ليسَتْ مِنَ الدَّين ِ, وَلأنَّ عَـقيدَتـَهُ ليسَتِ العـَقـيدَة َ الإسلاميـَّة َ القائـِمَة َ عَـلى الجهَادِ وَالقِـتـَال ِ لِقـَولِهِ صلى الله عليه وسلم: »أمِرْتُ أنْ أقـَاتِـلَ النـَّاسَ حَـتـَّى يَشهَدُوا أنْ لا إلهَ إلا َّ اللهُ وَأنَّ مُحَمَّـدا ً رَسُولُ اللهِ« وَإنـَّمَا عَـقيدَتـُهُ هِيَ العقيدَة ُ الكهَنـُوتيـَّة ُ النـَّصرَانيـَّة ُ التي لا دَخلَ لهَا في شـُؤون ِالحَيَاةِ .
وَاللهَ أسْـألُ أنْ يُسَدِّدَ خـُطاكـُمْ وَيُعينـَكـُمْ عَـلى تـَحَمُّـل ِ مَسؤوليـَّاتِكـُمْ أمَامَ رَبـِّـكـُمْ.



