الثلاثاء، 14 رمضان 1447هـ| 2026/03/03م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة الثامنة

من ينهب ثروات مصر؟

 

مصر بلد وافر الموارد: أرض زراعية خصبة على ضفاف نهر فريد، موقع جغرافي يتحكم في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، غاز وفير مكتشف في البحر، سوق كبيرة بعدد سكان يتجاوز المئة مليون، تاريخ صناعي وتجاري ممتد. ومع ذلك، يتكرر السؤال على ألسنة الناس في القرى والمدن: لماذا يزداد الغلاء؟ ولماذا يضيق العيش رغم هذا الغنى؟

 

المشكلة ليست في قلة الموارد، بل في طريقة إدارتها. فالثروة حين تُدار وفق رؤية غير عادلة ولا مستقلة، تتحول من عنصر قوة إلى مصدر ضغط. فمصر على سبيل المثال من أقدم البلاد التي عرفت الزراعة المنظمة، لكن الفلاح اليوم يشتكي من ارتفاع تكلفة الأسمدة والبذور والمياه، ومن تقلب أسعار المحاصيل. حين ترتفع تكلفة الإنتاج ويظل هامش الربح ضعيفاً، يخرج صغار المزارعين من السوق، وتزداد سيطرة كبار الموردين أو الشركات الكبرى. هنا لا تختفي الأرض، لكنها تخرج من يد من يعيش عليها إلى يد من يتاجر بها وبهم.

 

مثال آخر قناة السويس كمورد استراتيجي عالمي، يدر مليارات الدولارات سنوياً. لكن السؤال الذي يتردد بين الناس كيف تُوظف هذه العوائد؟ هل تنعكس مباشرة على رعاية شؤون الناس وتحسين الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم وغير ذلك؟ أم تُستهلك في سد عجز متراكم، أو خدمة ديون متزايدة؟ حين يشعر الناس أن موارد البلاد لا تغير واقعهم وﻻ تستخدم في رعايتهم، تتولد فجوة ثقة بينهم وبين إدارة المال.

 

ثم هناك ملف الديون. فعلى مدى السنوات الأخيرة، ارتفع حجم الاقتراض الخارجي. وقد برر النظام ذلك بالحاجة إلى تمويل مشروعات أو سد فجوات مالية، لكن النتيجة العملية أن جزءاً كبيراً من الموازنة يُخصص لخدمة الدين، أي لسداد أقساط وربا. ما يعني أن موارد الدولة لا تُنفق بالكامل على تحسين معيشة الناس، بل يُقتطع منها نصيب كبير لسداد التزامات سابقة. ومع ارتفاع أسعار الربا عالمياً، تزيد الكلفة، ويزداد الضغط على العملة والأسعار.

 

في مثل هذا السياق، تُطرح سياسات الخصخصة وبيع بعض الأصول باعتبارها حلولاً لجذب استثمارات وتوفير سيولة. لكن التجربة في بلدان كثيرة أظهرت أن الخصخصة تؤدي إلى احتكار جديد بدلاً من احتكار الدولة. فالمصنع الذي كان مملوكاً للشعب عبر الدولة، يصبح في يد مستثمر واحد أو مجموعة محدودة. فيتحول النقل من ملكية عامة إلى ملكية خاصة ضيقة، وﻻ يشعر الناس بتحسن في الخدمة أو انخفاض في السعر، بل يزداد حالهم سوءاً.

 

هنا يظهر السؤال الجوهري: ما هو دور الدولة؟ الدولة في الإسلام راعية، كما في الحديث: «الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». الرعاية لا تعني السيطرة المطلقة، بل تعني تحمل المسؤولية عن ضمان الحاجات الأساسية للفرد في المأكل والملبس والمسكن وللمجتمع في الأمن والتعليم والرعاية الصحية على أن يكون ذلك على أعلى مستوى ممكن وبالمجال. والمال العام في هذا الإطار ليس مورداً سياسياً يُدار بمنطق الربح، بل أمانة يجب توجيهها لرعاية شؤون الناس وضمان حاجاتهم الأساسية كأفراد وكمجتمع.

 

عندما يغيب هذا الميزان، تتغير الأولويات. قد تُعطى الأولوية لمشروعات ضخمة ذات طابع استعراضي، بينما تبقى المستشفيات في القرى تعاني نقصاً في الأطباء والمعدات. قد تُرفع أسعار خدمات أساسية بحجة التوازن المالي، بينما لا تُغلق منافذ الهدر أو الفساد بالصرامة نفسها. فيشعر الناس أن عبء الإصلاح يقع عليهم وحدهم.

 

 في رمضان، يُذكَّر الناس بالصوم كتهذيب للنفس وضبط للشهوة. لكن الصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل تدريب على مراقبة الله في السر والعلن. فإذا كان الموظف الصغير مطالباً بالأمانة في عمله، فكيف بمن يتولى إدارة مليارات من أموال الناس؟ وحين تُهدر الموارد أو تُدار بفساد ويتم التفريط فيها وتمكين الغرب من نهبها، لا يكون الضرر مالياً فقط، بل فكرياً أيضاً، لأنه يضعف الثقة ويغذي الإحباط.

 

ليس المطلوب خطاباً عاطفياً، بل إعادة ترتيب أولويات واضحة: أن تُقدَّم الحاجات الأساسية ورعاية شؤون الناس على غيرها. أن تُدار الموارد الاستراتيجية كملكية عامة وأمانة يجب الحفاظ عليها لا كأداة للتربح وجباية أموال الناس ونهب ثروتهم.

 

مصر ليست فقيرة بالموارد، لكنها قد تضعف حين تُدار ثرواتها بلا إرادة واعية وإدارة مستقلة غايتها رعاية الناس حقا. والغنى الحقيقي لا يُقاس بحجم الاحتياطي أو عدد المشروعات، بل بمستوى الفكر المحرك والدافع للقيام بالأعمال وأساسه النابع من الوحي الثابت، ما يؤدى حتما إلى شعور الناس بالأمان في معيشتهم، وبأن نصيبهم من خيرات بلدهم محفوظ. حين تُستعاد الأمانة في إدارة المال، يتحول الغنى من عبء إلى نعمة، ومن رقم في تقرير إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية.

 

اللهم أظلنا بدولة العدل التي تحفظ أمانات الناس وثرواتهم دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع