الثلاثاء، 09 رجب 1444هـ| 2023/01/31م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

عذرا يا رسول الله، فما أحوجنا لمنهاج النبوّة!

 

إن قائد الأمّة ونبيّ الرحمة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كنز محفوظ لا يوفيه حقّه الكلام، وهو علَمٌ شامخٌ لا تُنْصِفه الأقلام، ولذلك فإن ألف مقال ومقال، لا يجزي مقام النبوة ولا يوفّي نبيّنا الأكرم حقّه، فهو خير البريّة ومعلّم البشرية ومخرج الناس من الظلمات إلى النور، بل هو سيّد الكونين والثقلين وهو أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة، وهو أول من يقرع باب الجنّة. ولكن حسبنا في هذا المقال، ونحن نتعامل مع مقام النبوّة الذي تجرأ عليه حكام هذا الزمان، وأذيالهم من مشايخ السلطان، فأساؤوا إليه وتقوّلوا عليه، أن نعتذر إليه ﷺ، وأن نتبرأ له أمام الله ممن خالفوا طريقته وانتهجوا غير نهجه واهتدوا بغير هديه واستنّوا بغير سنّته، فضلّوا وأضلّوا.

 

ولذلك، فإنه لا مانع في مناسبة مولده ﷺ من تذكير أنفسنا أوّلا بمقتضيات التعامل مع مقام النبوّة، علّنا نحاسب أنفسنا فنتدارك مواطن الخلل ونسارع إلى سد الثغرات سعيا نحو الكمال، ثم من الهمس في آذان أبناء بعض الحركات والجماعات الإسلامية، توجيها وإرشادا ونصحا، ومعذرة إلى ربّنا، لعلّها تتفطن إلى أوجه التقصير في التعامل مع منهاج البشير النذير، مع أنها تنشدُ الوحدة وتعملُ في حقل الدعوة، ولكن أحيانا بطرق مختلفة وسبل ملتوية، غير الطريقة الشرعيّة وغير سبيل الدعوة المحمديّة، والله سبحانه يقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾. كما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾.

 

إن إساءة الكفار لمقام النبوّة في زماننا ومحاولة نسف حضارة الإسلام في بلاد الإسلام أمر معلوم غير مجهول، تُسَخّر له الأبواق الدعائية والمواد الإعلامية والغزوات الفكرية والثقافية والرسوم الكاريكاتورية، بل هي في تزايد مستمر في ظل تنامي الحملات الصهيو-صليبية العالميّة التي تستهدف الإسلام عقيدة ونظاما، تُعاضدها في ذلك جهود الأنظمة العميلة الرازحة تحت وطأة الاستعمار، وهي بمثابة الجرح النازف الذي يزداد عمقا كلّما تأخرّت عودة سلطان الإسلام وقيام دولته، دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوّة. حتى غدا مولده ﷺ مناسبة للاحتفال بالدف والرقص والعري واللهو والفسق والفجور ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما حدث في القيروان هذا العام من إساءة للإسلام والمسلمين ومن تجرؤ على مقام النبوّة ليس عنّا ببعيد.

 

ولكن أن يسيء المسلمون أفرادا وجماعاتٍ لنبيّهم ﷺ، بالقول أو الفعل، أو حتى بمشاعر الخجل من طرح البديل الإسلامي واضحا كالشمس في رابعة النّهار أمام هذا الظلام العلماني الحالك، فذلك مما يسخط المولى سبحانه ويؤخر نصره. فالخلافة على منهاج النبوّة، تنتظر قادة تسير على منهاج النبوة في مستوى صحابة رسول الله، من حيث التقوى والتضحية وسرعة الاستجابة، بل تقتفي أثر النبيّ ﷺ في حمل الدعوة والاعتناء بالكتلة، صراعا فكريا وكفاحا سياسيا ونصرة للحق وجرأة في دحض الباطل، فتسير بالوحي والرأي السديد، حتى إقامة الحكم الرشيد.

 

هذه الخلافة، هي مشروع أمّة، بل خير أمة أخرجت للنّاس، هي أمة محمد ﷺ، وهذا المشروع ليس حكرا على حزب أو جماعة، وإن تصدّر للعمل له في الأمّة حزب التحرير، فكان الرائد الذي لا يكذب أهله، ولذلك كان حريّا بأبناء الأمّة جميعهم أن يتحرّوا أمر دينهم كي لا يسيئوا إلى مقام نبيّهم ﷺ، وأن يتخيروا قادتهم لإقامة هذا الدين، وتوحيد المسلمين، وبذلك تكون نصرته ﷺ، عسى أن نبايع قريبا إماما عادلا يحكمنا بالكتاب والسنّة، فيلُمّ شملنا ويوحّد صفوفنا على قلب رجل واحد.

 

إن نصرة النبي ﷺ تبدأ من نصرة الدين الذي جاء به، بالسعي لتطبيق كتاب عطّله الناس، وسنّة أماتوها، وإن مولد النبيّ ﷺ هو فرصة لإحياء سنته وطريقته، ومنها طريقته في إقامة دولة الإسلام وتحقيق تاج الفرائض، فمولد النبيّ ﷺ هو ميلاد لمنهاج النبوّة وللرسالة الخاتمة، فكيف لمن ينتسب لأمة محمد ألّا يسعى لإقامة الدولة التي أقامها سيدنا محمد؟ وكيف لمن يدّعي اتباع منهاج النبوّة أن يتنكر لخلافة راشدة على منهاج النبوة بشر بها المصطفى ﷺ؟!

 

في المقابل، فإن الإساءة للنبي ﷺ ، تبدأ من عدم اتباع ما نزل عليه من الوحي. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾.

نعم، إن الإساءة للنبي ﷺ تبدأ من ترك سنته وسيرته العطرة واقتفاء أثر جان جاك روسو ومونتسكيو واتباع الديمقراطية ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

 

إن النبي ﷺ لم يتخرج من جامعة غربية ولم يحصل على دكتوراه فخرية في العلوم السياسية ولم يحصل على دورات تدريبية في النواحي الأمنية أو الخطط الحربية ولم يكن صاحب مؤلفات وموسوعات فكرية وسياسية، إنما كان مسددا بالوحي الذي أنزله الله سبحانه تبيانا لكل شيء، فكان نبيا مرسلا وزوجا صالحا وتاجرا صادقا وقائدا عسكريا وميدانيا ورئيس دولة استطاعت في فترة وجيزة إخضاع أكبر إمبراطوريات العالم، لقدرته ﷺ على توظيف كل طاقات الأمة في هذا المشروع الربّاني، بل لنجاحه في صناعة مفهوم الأمة وإيجادها على أرض الواقع، استجابة للوحي، فسجل اسمه ﷺ كصاحب أعظم رسالة خالدة في التاريخ.

 

ولذلك فإن اشتراط بعض العلماء والخطباء والمشايخ المتصدرين للفتوى في بلاد المسلمين من عبقرية خارقة ومن وجود شخصيات ملائكية من طراز خيالي ومن إلمام وإحاطة بعلوم الدنيا والدين ومن صناعة موسوعات أكاديمية متحركة تلغي الجانب الفكري في التلقي ومن تكثيف للأعمال هنا وهناك دون فكر منتج ولا غاية واضحة، ثم من إقامة لدولة الإسلام في القلب حتى تقوم على الأرض، لهو تعجيز للناس وإحباط لهم، وهو إساءة لمنهاج النبوة وقصر نظر، إذ كان الأجدر بهم محاولة فهم الكتاب والسنة واستنطاق النصوص الشرعية استجابة لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. و"ما" في هذه الآية هو لفظ شامل للعموم، أي كل ما آتاكم الرسول فخذوه وكل ما نهاكم عنه فانتهوا. فما آتاكم على وجه الوجوب فخذوه على وجه الوجوب وما آتاكم على وجه الندب فخذوه على وجه الندب، وهكذا... فالعبرة إذن، باتباع الوحي، وبعدم مخالفة أمره، وهذا أساس كل إنتاج فكري ومعرفي وثقافي عند المسلمين. قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

 

كما أن الهالة التي يحيط بها قادة بعض الفصائل والجماعات الإسلامية أنفسهم وتجرؤهم على إخوانهم في الدّين، ليست من منهاج النبوة في شيء، بل صار بعضهم يمرق من الدّين كما يمرق السهم من الرميّة وهو يدّعي حبّ النبي واتباع منهاج النبوة، مع أن رسول الله ﷺ كان مثالا في الكرم والتواضع واللين، إذ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». (رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه)

 

فقد أتي النبي ﷺ في فتح مكّة برجل ترتعد فرائصه وقد تملّكته رهبة الملوك والعظماء فقال له ﷺ: «هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ فِي هَذِهِ الْبَطْحَاءِ». (الحاكم في المستدرك)

 

كما لم يكن ﷺ يتتبع عورات الناس وزلاتهم، بل كان يُعبّد الخلق لله ويربط صلتهم بالله وحده، لأن ما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل. عن ابن مسعود رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ﴾ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِي هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ». متفق عليه.

 

إن قيادة الناس للإسلام وبالإسلام، لا تتطلب معجزة ولا تنتظر انبعاث نبيّ جديد يعيد الأمة إلى سالف عهدها، فرسولنا الأكرم صلوات ربّي وسلامه عليه، هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو من نزل عليه قوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾.

 

إنما المطلوبُ اليوم، إحياءٌ لطريقة رسول الله ﷺ في تغيير واقع الكفر والشرك إلى واقع الإسلام، عبر اقتفاء أثره حذو القذّة بالقذّة وارتسام خطاه وحسن اتباع الوحي مع تحري الصدق. قال ﷺ من حديث ابن مسعود: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقاً».

 

ختاما، فإن مولد النبيّ ﷺ، فرصة لتجديد العهد مع رسولنا وقائدنا وشفيعنا يوم القيامة، في زمن يتسابق فيه حكامنا على افتتاح معابد الهندوس والصلبان، فهو من علّم الأمّة الصدق وكانت في صحراء الكذب هائمة، وأرشدها إلى الحق وكانت في ظلمات الباطل عائمة، وقادها إلى النّور وكانت في دياجير الزور قائمة، فأنزل عليه القرآن، وحارب به الكفر والبهتان، وحطّم به الطاغوت والأوثان، فهلّا استفاقت الأمّة من هذا السبات العميق وارتفعت عن حضيض الجهل السحيق ليكون قائدها محمد هو الشفيع والشفيق والرفيق؟

 

صلى عليك الله يا علم الـهـدى *** واستبشرت بقدومك الأيّــامُ

 

هتفت لك الأرواح من أشواقها *** وازّينت بحــديثك الأقــــــلامُ

 

نسأل الله سبحانه أن يتجاوز عنا سيئاتنا وأن يغفر لنا خطايانا وأن يرزقنا حسن اتباع نهج رسوله الكريم ﷺ، وأن يعيننا على إحياء سنّته والسير على طريقته وإقامة دولته، خلافة راشدة على منهاج النبوة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش – ولاية تونس

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع