- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
السياسة عمل الأنبياء
لقد تعرض العمل السياسي والاشتغال بالسياسة إلى حملة تشويه كبيرة استهدفت المجتمعات في البلاد الإسلامية حصرا دون غيرها من المجتمعات بغرض تنفير المسلمين منه.
ففي الوقت الذي يعتبر فيه وصف إنسان ما بالشخصية السياسية مدحا وإكبارا له في المجتمعات الغربية، لأنه يعني عندهم أنه من الطبقة المثقفة والمتابعة وأصحاب الرؤى، حرص جيش كبير من الدعاة والعلماء في مجتمعاتنا على محاولة جعل صفة السياسي مذمة لا تليق بالمسلمين التقاة ولا بحملة رسالة الإسلام!
فقالوا إن السياسة نجاسة، وإن السياسة فن الكذب والخداع، وهذا لا يليق بالمسلم والتقي والداعية، لذا على هؤلاء نبذ السياسة والحرص على عدم توسيخ الدين بالعمل السياسي، حتى لا تختلط النجاسة بالطهارة فتفسدها.
وهذه الدعوات مع الأسف لم يكن مردها الجهل أو قلة العلم، بل الاستعمار والمؤامرة. فالغرب حرص على إبعاد الإسلام والمسلمين عن العمل السياسي حتى لا ينازعه أحد في هيمنته على البلاد الإسلامية، من خلال الحكام الذين جعلهم خدماً ونواطير لمصالحه في بلادنا.
فاشتغال المسلمين وخاصة المخلصين والدعاة وحملة الدعوة بالسياسة يعني بالضرورة مزاحمة العلمانيين والعملاء والرويبضات وأبواق الغرب وأدواته على العمل السياسي، ويعني إخراجهم من المشهد آجلا أو عاجلا. لذا تقصد الغرب شن تلك الحملة لتحقيق غايته بإدامة الاستعمار وحكم الرويبضات في بلادنا.
ولكن الحق أن السياسة هي من أنبل الأعمال وأهمها، والإسلام نفسه هو دين سياسي، فالعقيدة الإسلامية هي عقيدة روحية سياسية.
لأن السياسة معناها رعاية الشؤون وليس الكذب أو الخداع، وإنما الرأسماليون هم الكذابون والمخادعون، وذلك لأن مبدأهم الذي يسوسون الناس به هو مبدأ فاسد مفسد، فهو ما يدفعهم ويحثهم على الكذب والخداع لتحقيق غاياتهم، ولذلك سطروا قواعد من مثل "الغاية تبرر الوسيلة"، و"خذ وطالب"، و"لا أخلاق في السياسة"، وساروا عليها.
وفساد مبدئهم آت من كونه مبدأ وضعه البشر وليس رب البشر، وأنى للبشر أن يتمكنوا من تشريع ما يصلحهم!
أما الإسلام، فهو مبدأ رباني، فتأملوا معي حديث رسول الله ﷺ: «كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأنْبِيَاءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وإنَّه لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ، قالوا: فَما تَأْمُرُنَا؟ قالَ: فُوا ببَيْعَةِ الأوَّلِ، فَالأوَّلِ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فإنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ».
فقد نص الحديث على أن الأنبياء كان عملهم السياسة، سياسة الناس بشرع ربهم. فخير الناس وأعلاهم شأنا وأفضلهم أخلاقا وهم الرسل والأنبياء كانوا سياسيين، يرعون شؤون أقوامهم بشرع ربهم، فهل بعد ذلك يصح أن ينطلي على أحد خاصة المسلمين أن السياسة نجاسة أو تياسة كما يزعم الأفاكون؟!
وزاد حديث رسول الله ﷺ على ذلك، بأن أوكل مهمة السياسة ورعاية شؤون الخلق بعد انقضاء زمن الأنبياء إلى الخلفاء، وهم ولاة أمور الناس.
ومن يلي أمور الناس عند المسلمين الأصل أن يكونوا خير الناس، ليأخذوا بأيديهم ورقابهم إلى عبادة الله وطاعته، ويصلحون معاشهم وحياتهم، تماما كما فعل رسول الله ﷺ وسار على دربه صحابته الكرام، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وباقي خلفاء الأمة الصالحون المصلحون.
فالاشتغال بالسياسة يعني الاشتغال بما يصلح الناس ويرعى شؤونهم وفق ما يرضي ربهم، والإسلام هو دين سياسي لأنه يرعى شؤون الناس وينظم حياتهم.
والسياسة تكون من الحكام تطبيقا وتنفيذا، ومن الأمة والأحزاب والدعاة محاسبة ودفعا لهم للاستقامة وتطبيق شرع الله.
وأختم بصدر خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه عند توليه الخلافة والتي رسم فيها العلاقة السياسية بين الحكام والرعية رسما دقيقا، حيث قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: "أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني".
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس باهر صالح
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير