الثلاثاء، 07 رمضان 1447هـ| 2026/02/24م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

من انتصارات رمضان: غزوة بدر الكبرى

 

 

في الثامن من شهر رمضان، خرج المسلمون لاعتراض قافلة أبي سفيان القادمة من الشام، غير أن المشركين خرجوا من مكة بقيادة أبي جهل لحماية القافلة. وهكذا تحولت الأحداث فجأة إلى معركة حقيقية بين المسلمين وكفار قريش. وكان بين الفريقين تفاوت كبير في العدد وفي الاستعداد.

 

وبسبب بُعد المسافة عن المدينة، كان من الصعب وصول قوات الإمداد، فاشتدّ الموقف وتعقّد. فلو أن المسلمين لم يواجهوا قريشاً وعادوا، لقال العرب فيما بينهم: "إن محمداً ومن معه خافوا مواجهة قريش ففرّوا". وكان في ذلك ما يضعف مكانة المسلمين ومكانة الدولة الإسلامية الناشئة، بل ويؤدي إلى إضعاف قوة الفكرة الإسلامية في قلوب المسلمين. إضافة إلى ذلك، كانت قبائل العرب المشركة الأخرى تترقب لمن ستكون الغلبة. كما أن قريشاً كانت ستعود متعاظمة إلى قومها. ولسوف يقول أهل الجزيرة جميعاً، ومن أمامهم من اليهود والمنافقين، وكذلك الروم والفرس في سائر الجهات: "إن محمداً وأصحابه رجعوا دون أن يحققوا شيئاً".

 

وباختصار، فإن الأخبار التي انتشرت عن هذه الأحداث كان لها تأثير قوي على الرأي العام؛ فقد كان لها تأثير محلي على يهود المدينة والمنافقين، وإقليمي على قبائل العرب في شبه الجزيرة العربية، ودولي على أقوى دول العالم آنذاك، وهما الإمبراطوريتان الفارسية والرومانية. لذلك كان السؤال المطروح: ماذا ينبغي فعله؟ هل يعود المسلمون أم يدخلون المعركة؟

 

وبعد أن تشاور رسول الله ﷺ مع أهل الشورى، اتُّخذ القرار بقتال قريش. وفي اليوم السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، نصر الله المسلمين بقيادة رسول الله ﷺ في معركة بدر. ونتيجة لغزوة بدر الكبرى تعززت قوة المسلمين وترسخت الدولة. كما ازداد إيمان المسلمين بدينهم وبأنفسهم، بعد أن كانوا قد تعرضوا للاضطهاد ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة. أما كفار قريش فقد قُتل كثير من قادتهم وفرسانهم، وانكسرت شوكتهم. وهكذا، على الرغم من قلة عدد المسلمين وضعف استعدادهم، فقد هزموا عدواً يفوقهم عدداً بثلاثة أضعاف. وقد ذكر الله تعالى حادثة بدر فقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

 

ما الدروس التي ينبغي أن نستخلصها من هذه الحادثة؟

 

أولاً: إن النصر من عند الله تبارك وتعالى. وهذه حقيقة يجب أن نعلمها جيداً، وأن نبلّغها للناس أيضاً. فمهما كثر عدد المسلمين، ومهما بلغت قوتهم في الإعداد، فإن النصر لا يكون منهم، بل من الله. وهذه الحقيقة عقيدة يجب الإيمان بها، وهي من مسائل باب العقيدة.

 

وهنا توجد مسألة أخرى ينبغي تمييزها بوضوح، وهي أن المسلم لا يقول: "النصر من عند الله" ثم يجلس منتظراً النصر دون عمل! فماذا يفعل إذن؟ يعمل بالأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الشأن، مثل الاستعداد للقتال، ووضع الخطط، ونحو ذلك من الأعمال التي هي أوامر شرعية تكليفية، وهي من الأسباب والشروط لنيل النصر. وعليه، فإن هذه الأحكام تُنفَّذ في إطار عبودية الله، وهي التي تجعل العباد أهلاً ومستحقين لنصر الله.

 

أما إذا أردنا أن نستخلص من ذلك درساً لواقعنا اليوم، فإنه في ظل غياب الدولة الإسلامية في هذا العصر، لا ينبغي للناس أن ينتظروا نصر الله وهم منغمسون في السعي وراء متاع الدنيا، بل يجب أن يكون هناك حزب يسير على طريقة النبي ﷺ خطوةً بخطوة، ويخوض صراعاً فكرياً سياسياً، ويثبت شبابه المخلصون على عهودهم، ويؤدّون ما عليهم من واجبات في صفوف الحزب بأحسن وجه، وعلى الأمة أن تحتضن هذا الحزب مع شبابه.

 

ثانياً: يتجلّى في غزوة بدر بوضوحٍ تامّ دور الدولة وصفات جيشها. فقد أُقيمت الدولة في المدينة، ومنذ ذلك الحين بدأ الجهاد بوصفه طريقا لحمل الدعوة ونشر الدين؛ لأن هناك دولة تتخذ القرار في ذلك، ودولة تُعِدّ له الجيوش.

 

وهكذا، في حادثة بدر، قام النبي ﷺ بصفته قائد الدولة بإعداد الجيش وخرج لاعتراض قافلة أبي سفيان، ثم تحوّل ذلك إلى جهادٍ ضد جيش المشركين. وليتحقق كل ذلك كان لا بد من وجود الدولة، ووجود قائدٍ للدولة، وصدور القرار منه.

 

أما اليوم، فماذا يحدث في غياب الدولة؟ إن أعداد جيوش المسلمين كثيرة، ولكن جودتها ضعيفة. ففي أفغانستان والعراق وسوريا وغزة، تحالف بعض قادتهم مع الكفار، بل ساقوا جيوشهم لمحاربة المسلمين. وبعضهم الآخر ألقى بجيوشه في سباتٍ عميق. فتراهم يستعرضون في المواكب في الأعياد المحرمة مصطفّين كالنمل، ويهتفون بالشعارات بصخب، ثم ينشغلون بانتظار رواتبهم. وليس لديهم مركزٌ سياديّ يتخذ قرار المواجهة ضد الكفار، بل يعلوهم حكّام عملاء للكفار.

 

وفي بدر، تشاور النبي ﷺ مع أهل الشورى، وأخذ برأي أهل الخبرة، وحدد المواقع الاستراتيجية، وأرسل العيون لاستطلاع العدو، وقوى روح الجنود ونظّم صفوفهم. وفي كل ذلك اتخذ قراراتٍ سيادية مستقلة، ولم يكن بين المسلمين أدنى شك في وقوع خيانة أو غدر.

 

إذن، فإن مثل هذا الإخلاص والثقة لا يكونان إلا في دولة الخلافة الجديدة الراشدة على الطريق الصحيح. أما الحكّام الخونة اليوم فانظروا إليهم؛ فأنتم تعلمون جيداً كيف خان حافظ الأسد، والملك حسين، وأنور السادات الأمة في القرن الماضي، وكيف وسّعوا كيان يهود. وفي الأمس القريب، فقد سلّم أردوغان حلب لنظام بشار عبر عملية درع الفرات، وباع ثورة الشام عبر عملية غصن الزيتون، وهو اليوم يواصل خيانته نفسها. وأما قادة إيران الذين يصفون أمريكا بـ"الشيطان الأكبر" فحدّث ولا حرج. وانظروا إلى الأردن، فقد رأينا كيف أسقط صواريخ إيران حين شنّت هجوماً شكلياً على اليهود، وهذا يعني استعدادهم للتصدي لأي تهديد موجَّه ضد اليهود، حقيقياً كان أم مزعوماً.

 

وكانت ثقافة جيش بدر ثقافةً إسلامية خالصة. فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «قُومُوا إِلى جَنَّةٍ عَرضُها السَّمَاواتُ والأَرضُ»، فقال عُمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: «نَعَمْ». فقال: بخٍ بخٍ. فقال رسول الله ﷺ: « مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ؟» قال: رجاء أن أكون من أهلها يا رسول الله. قال: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا». فأخرج تمراتٍ من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: "لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة"، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل المشركين حتى قُتل.

 

لقد كان لتأثير الثقافة العسكرية في غزوة بدر الكبرى أثرٌ بالغ في روح المقاتل المسلم. فانظروا إلى عُمير بن الحمام رضي الله عنه كيف ألقى تمراته واقتحم صفوف المشركين، بل وواصل الهجوم عليهم حتى استُشهد ولقي الله. وانظروا إلى معوِّذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح رضي الله عنهما، فقد هاجما أبا جهل وقتلاه رغم صغر سنهما، على الرغم من إحاطة بني مخزوم به وحمايتهم له.

 

وعلى النقيض من ذلك، انظروا إلى جيوش الدول العربية التي انهزمت أمام كيان يهود عام 1967م، فإنه لم تكن ثقافتهم قائمة على الثقافة الإسلامية، بل كانت قائمة على الوطنية أو القومية. وبمثل هذه الثقافة، خاف العرب من العدو وتركوا ساحة المعركة وفرّوا منها، وشهد التاريخ كيف سُلّمت أرض فلسطين المباركة ليهود تسليماً مُخزياً في تلك المسرحية المعدّة سلفاً.

 

لقد تكوّن جيش بدر على أساس العقيدة الإسلامية؛ فقد تألف من المهاجرين من العرب العدنانيين، ومن الأنصار من الأوس والخزرج من العرب القحطانيين، كما اختلط فيه العربي والحبشي والرومي من مختلف الأصول، وزالت فيه الفوارق الطبقية، وصار العبيد المعتقون متساوين في الحقوق مع غيرهم، ولم يكن التفاضل بين الناس إلا بالتقوى. وقد طرحوا جميعاً هوياتهم العرقية جانباً، واجتمعوا تحت راية رسول الله ﷺ، رضي الله عنهم أجمعين.

 

روى ابن عساكر عن ابن سيرين قال: "في يوم بدر كان عبد الرحمن بن أبي بكر مع المشركين، فلما أسلم قال لأبيه لقد أهدفت لي يوم بدر، أي أشرفت لي يوم بدر، فانصرفت عنك ولم أقتلك. فقال أبو بكر لابنه عبد الرحمن لكنك لو أهدفت لي لم أنصرف عنك".

 

ولما صدق أهل بدر مع الله، ونفّذوا أمره وأمر رسوله ﷺ، أيّدهم الله في هذه الغزوة العظيمة بجنودٍ من عنده. فقد أنزل الله عليهم النعاس أمنةً منه، فاستيقظوا أقوياء مستعدين للقتال، وأنزل عليهم المطر ليطهّرهم ويذهب عنهم وسوسة الشيطان. ولما كان موضع المسلمين رملياً، جعل المطر الرمل ثابتاً يسهل المشي عليه، بينما نزل المطر على المشركين بشدة فحوّل أرضهم إلى طين. كما أيّدهم الله بالملائكة، وألقى الرعب في قلوب الكافرين. قال الله سبحانه: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.

 

وهكذا، في بدر الكبرى، أدّى المسلمون ما طُلب منهم، فاستحقوا نصر الله. وبعد ذلك، في شهر رمضان، فُتحت مكة.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الحكيم قراخاني

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع