الخميس، 09 رمضان 1447هـ| 2026/02/26م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الرابعة

 

التعذيب لا يصنع ثورة

الصبر وبناء القوة

 

في السنوات الأولى من الفترة المكية، كان المشهد قاسياً إلى حدٍّ يصعب تخيله. بلال يُجرّ في رمضاء مكة، وخباب يُكوى بالحديد المحمى، وآل ياسر يُعذَّبون حتى الشهادة. الدماء تُراق، والسياط تُرفع، والضعفاء يُستهدفون بلا رحمة. ومع ذلك، لم ينزل الإذن بالقتال. لم تتحول الدعوة إلى مواجهة مسلحة، ولم يُطلب من الصحابة الرد بالمثل. هنا يتوقف العقل متسائلاً: لماذا هذا الصبر، مع القدرة على الرد؟ ولماذا تأخر الصدام رغم اشتداد الظلم؟

 

الجواب يكشف عمق المنهج. المرحلة المكية لم تكن مرحلة دولة، بل مرحلة تأسيس. لم يكن للمسلمين كيان سياسي يحميهم، ولا أرض ينطلقون منها، ولا جهاز ينظم شؤونهم. كانوا أفراداً متفرقين في مجتمع معادٍ، تحكمه أعراف قبلية وتحالفات قوية. الدخول في صدام عسكري في تلك اللحظة لم يكن سيغيّر ميزان القوى، بل كان سيؤدي إلى استئصال الدعوة في مهدها. الدم الذي سيُراق لن يُثمر نظاماً جديداً، بل سيُستخدم ذريعة لسحق الفكرة نفسها.

 

لهذا كان الخطاب القرآني في تلك المرحلة يركّز على بناء العقيدة، وتثبيت القلوب، وصياغة الوعي. نزلت آيات الصبر والثبات، والآيات التي تحرر الإنسان من الخوف إلا من الله. لم يكن الصبر استسلاماً، بل كان ضبطاً للإيقاع. كان إعداداً لمرحلة قادمة تتوفر فيها شروط المواجهة الفعلية. الفرق كبير بين صبرٍ ناتج عن عجز، وصبرٍ نابع من رؤية استراتيجية ترى أن لكل مرحلة أدواتها.

 

عندما جاء خباب بن الأرت رضي الله عنه يشكو ما يلقاه من تعذيب، قال له النبي ﷺ كما في صحيح البخاري: «وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». الجملة الأخيرة مفتاح الفهم: «وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». الاستعجال في لحظة الضعف قد يبدو شجاعة، لكنه قد يكون هدماً لما يُبنى بصبر طويل. الرؤية النبوية كانت ترى ما وراء الألم الآني؛ كانت ترى دولة ستقوم، ونظاماً سيُقام، وعدلاً سيُطبّق، لكن عبر مسار محسوب.

 

هذا الدرس له صدى قوي في واقعنا المعاصر. كم من حركات اندفعت بدافع الغضب المشروع، لكنها دخلت مواجهة غير متكافئة، بلا إعداد كافٍ ولا رؤية متكاملة، فانتهت إلى خسائر فادحة دون أن تغيّر البنية التي ثارت عليها؟ وكم من مظلومية تحولت إلى انفجار عاطفي عابر، سرعان ما أُحبط أو استُثمر لإعادة إنتاج الواقع نفسه؟ الغضب مفهوم إنساني طبيعي، لكن تحويله إلى أداة تغيير يحتاج عقلاً يزن المآلات، لا قلباً يشتعل وحده.

 

في المقابل، لا يعني الصبر قبول الظلم أو تبريره. الصبر في المفهوم القرآني ليس خنوعاً، بل ثبات على المبدأ مع استمرار العمل لتغيير الواقع بالوسائل المناسبة للمرحلة. في مكة، كان العمل يتمثل في هدم أفكار الكفر وبناء أفكار الإسلام، وتكوين كتلة متماسكة من رجال الدولة وتجسيد أفكار الإسلام فيهم، والبحث عن أرض تحتضن المشروع، كما حدث في بيعة العقبة. وحين توفرت الدولة في المدينة، تغيّر الحكم، ونزل الإذن بالقتال، وأصبحت المواجهة جزءاً من إدارة صراع بين كيانين سياسيين واضحين.

 

الخلط بين المرحلتين يولد إشكالات كبيرة. من يتجاهل واقع المرحلة قد يدعو إلى صدام قبل أوانه، فيخسر الناس وتضيع الفكرة. ومن يخلط بين الصبر والركون قد يجمّد الفكرة بحجة الحكمة، حتى تذوب في الواقع القائم. التوازن الدقيق هو إدراك أن لكل واقع حكمه الشرعي، وأدواته بناء فكري وتنظيمي حين تغيب الدولة، وتطبيق وممارسة سلطة وتشريع حين تقوم.

 

في عالم اليوم، تتكرر صور الظلم بأشكال متعددة: احتلال، استبداد، تبعية اقتصادية، هيمنة ثقافية... الاستجابة لهذه التحديات لا تكون بردود أفعال متسرعة، ولا بشعارات حماسية تفتقر إلى برنامج عملي. تحتاج إلى وعي طويل النفس، وصياغة مشروع واضح المعالم، ثم السعي لامتلاك القدرة التي تحمي هذا المشروع. بدون هذا، يبقى الألم يتكرر، وتتكرر معه الانفعالات.

 

رمضان، بما يحمله من معنى، يذكّرنا بمكمن القوة الحقيقية. الصائم يمتنع عن الحلال في الأصل طاعةً لله، فيتعلم أن يضبط رغباته. كذلك الجماعات العاملة للنهضة تحتاج إلى ضبط اندفاعها، وأن تميّز بين العمل الواجب والمواجهة الحتمية. ليست كل مظلومية طريقاً للصدام الفوري، ولا كل صبرٍ علامة ضعف. أحياناً يكون أعظم مظاهر القوة هو القدرة على الانتظار الواعي، والعمل الصامت العميق، حتى تنضج الظروف وتكتمل الشروط.

 

الصبر ليس درساً في الاحتمال السلبي، بل في إدارة الزمن. الصبر هو إدراك أن التغيير الحقيقي عملية تراكمية، وأن الدم حين يُراق يجب أن يكون في سياق يُثمر واقعاً جديداً، لا مجرد مشهد بطولي ينتهي سريعاً. بين سياط مكة وسيوف بدر مسافة زمنية ملأها بناء الشخصية الإسلامية المبدئية على أساس الفكرة. ومن دون هذه المسافة، ما كانت بدر لتأتي أصلاً.

ونحن الآن في انتظار بدر جديدة تحرر الأقصى والمسرى في ظل خلافة راشدة على منهاج النبوة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع