الجمعة، 10 رمضان 1447هـ| 2026/02/27م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد

الحلقة الخامسة

الخلافة حكم شرعي وليس حنينا تاريخيا

 

حين يُطرح موضوع الخلافة في النقاش العام، يُقدَّم غالباً على أنه حنين إلى الماضي، أو استدعاء لصور تاريخية مضت وانتهت. ويُختزل في مشهد رمزي: رايات، وفتوحات، وأمجاد. لكن في التصور الصحيح، لم تكن الخلافة مجرد صفحة تاريخية، بل كانت الإطار التنفيذي لتطبيق الأحكام الشرعية في الواقع. الفكرة الجوهرية هنا ليست "الاسم"، بل "الوظيفة".

 

ما هي وظيفة الدولة في الإسلام؟ إن وظيفتها هي رعاية شؤون الناس بأحكام الشرع، داخلياً وخارجياً. أي أن الدولة ليست كياناً محايداً تشريعياً، بل جهاز لتنفيذ منظومة قانونية مصدرها الوحي.

 

عند وفاة النبي ﷺ، لم يكن أول نقاش بين الصحابة حول تفاصيل الطقوس أو توزيع الغنائم، بل كان حول من يتولى أمر الحكم. اجتماع سقيفة بني ساعدة كان نقاشاً سياسياً بامتياز. الأنصار رشحوا سعد بن عبادة، والمهاجرون قدموا أبا بكر، وانتهى الأمر ببيعته. هذا الحدث استُدل به على أن تنصيب من يتولى الحكم بعد النبي ﷺ لم تُعتبر مسألة هامشية، بل من أوجب الواجبات وضرورة لا تحتمل التأجيل.

 

الإمام الماوردي في "الأحكام السلطانية" تحدث عن الإمامة باعتبارها "موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا". وابن خلدون وصفها بأنها "حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها". هذه التعريفات لا تتحدث عن رمز روحي، بل عن نظام حكم له صلاحيات كل الصلاحيات في إطار الوحي والاجتهاد المنضبط على أساسه.

 

حين تعرضت بلاد الشام للحملات الصليبية، لم تكن المواجهة بين مدن متناثرة، بل في إطار كيان سياسي أوسع، حتى مع ما شابه من صراعات داخلية. وحين اجتاح المغول بغداد سنة 656هـ، كان سقوط العاصمة حدثاً مفصلياً لأنه مثل انهيار مركز الحكم العام.

 

قد يُقال إن التاريخ الإسلامي لم يكن مثالياً، وفيه ظلم وصراعات. وهذا صحيح؛ فلم يدّع أحد أن التجربة التاريخية كانت معصومة. لكن وجود أساس ورابط واحد حتى مع اختلاف الدول المتعاقبة خلق إطاراً قانونياً مشتركاً. الفقه الإسلامي كان يُدرّس ويُطبّق في ولايات الدولة المختلفة، وكانت هناك وحدة نقدية في فترات طويلة، وشبكة تجارة تمتد من الأندلس إلى الهند دون حواجز قومية بالمعنى الحديث.

 

قارن ذلك بالواقع المعاصر: أكثر من خمسين دولة ذات أغلبية مسلمة، لكل منها حدود وجواز سفر وعلم ونشيد، وسياسات قد تتناقض جذرياً مع جارتها. النزاعات البينية ليست نادرة، والتحالفات كثيراً ما تُبنى على اعتبارات مصلحية آنية. في هذا السياق، يَعتبر أنصار فكرة الوحدة السياسية أن التجزئة أضعفت القدرة على اتخاذ قرار سيادي مستقل، سواء في الاقتصاد أو الدفاع أو السياسة الخارجية.

 

فلو كانت الثروات الطبيعية في بلاد المسلمين من النفط والغاز والمعادن والممرات البحرية تُدار بوصفها ملكاً عاماً للأمة، ضمن رؤية سياسية موحدة منبثقة عن عقيدتها، لكان ميزان القوة في مواجهة الدول الكبرى مختلفاً تماماً. أما في ظل التجزئة السياسية والحدود المصطنعة، فإن كل كيان يتصرف منفرداً، فيفاوض من موقع مجزأ، وتُستنزف موارده ضمن منظومة دولية لا تعكس مصالح الأمة ولا تعبّر عن سيادتها الحقيقية.

 

وفي الجانب العسكري التصنيع الحربي يحتاج إلى سوق واسعة، واستثمارات ضخمة، وتكامل في الخبرات. التشتت يجعل كل دولة منفردة ضعيفة تحاول بناء قدراتها بشكل محدود، فتظل معتمدة على غيرها.

 

في الرؤية الإسلامية وفي ظل دولة الخلافة التي توحد الأمة المسألة ليست فقط مسألة قوة مادية، بل مسألة سيادة الشرع. حين تُحكم دولة بقوانين مستمدة من نظام وضعي، بينما غالبية سكانها يؤمنون بعقيدة مختلفة، ينشأ توتر داخلي دائم وانفصام طبيعي. أما حين يكون النظام والقوانين منبثقة من النصوص التي يعتقدها الناس، فإن الإطار القانوني يكتسب انسجاما طبيعيا وشرعية أعمق في الوعي الجمعي.

 

غير أن التحدي الأكبر ليس في استحضار النموذج التاريخي، بل في كيفية تصوره في عالم الدولة القُطرية الحديثة، والنظام الدولي القائم على سيادة الدول القومية. فإقامة كيان سياسي عابر للحدود يتطلب إعادة تعريف مفاهيم السيادة والهوية ونفي المواطنة.

 

ثم إن أي نظام مهما كان عنوانه لا ينجح بمجرد الإعلان عنه. العبرة بأساس النظام وأجهزته والأصل الذي انبثق عنه، وبآليات المحاسبة، وبضمان عدم تحول السلطة إلى استبداد باسم الدين. التاريخ نفسه يقدم أمثلة على حكام رفعوا شعارات دينية ومارسوا ظلماً سياسياً. ولذلك شدد الإسلام على إحسان تطبيق أحكامه وأوجب محاسبة الحكام المقصرين في التطبيق، وأعطى الأمة الحق في عزل الحاكم إذا أخلّ بشروطه.

 

إن الحديث عن الخلافة عند من يتبناها كنظام سياسي ليس حنيناً عاطفياً، بل طرحٌ لسؤال عميق: هل يمكن للأمة أن تعيش بهوية سياسية موحدة تنبثق من عقيدتها، أم أن التجزئة والمرجعيات المتعددة أصبحت قدراً نهائياً؟

 

هذا السؤال سيظل حاضراً في النقاش الفكري ما دام هناك من يرى أن الإسلام ليس مجرد منظومة عبادات، بل إطار حكم شامل. والإجابة عنه لا تكون بالسخرية من التاريخ، ولا بتقديسه دون نقد، بل بفهمه، وتحليل الواقع، وموازنة المعطيات المعاصرة بوعي ومسؤولية.

 

ما يحيلنا في النهاية إلى ضرورة حتمية وهي عودة الخلافة الراشدة ليس لإنقاذ الأمة فحسب بل لإنقاذ البشرية بعمومها من الغرق مع الرأسمالية العفنة التي تَغرق وتُغرق العالم معها.

 

اللهم نجنا بالإسلام ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة واجعلنا من جنودها وشهودها.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع