- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد اغتيال خامنئي.. إيران على مفترق طرق
ليست كل الاغتيالات مجرد نهاية حياة رجل. بعضها يفتح أبواب التاريخ على مصاريعها، ويحوّل دولاً كاملة إلى سؤال مفتوح الاحتمالات.
في إيران، حيث تتقاطع السلطة الدينية مع السلطة المنتخبة، ويصطدم الاقتصاد المغلق بعالم متقلب من حوله، فإن اغتيال المرشد الأعلى لا يُعد مجرد شغور منصب إداري، بل هو اهتزاز عميق لمركز الجاذبية الذي دارت حوله إيران منذ أكثر من أربعة عقود.
المرشد الأعلى الإيراني لم يكن قائداً فحسب، بل كان العقدة التي تربط بين الدولة ومفاصل القرار، بين الداخل القلق والخارج المتوتر، وبين مشروع ثوري وواقع اجتماعي تغيّر كثيراً منذ ولادته. ومع سقوط هذه العقدة فجأة، تتكاثر الأسئلة قبل ظهور الإجابات: من يملك الشرعية؟ من يملك السلاح؟ ومن يستطيع تهدئة شارع أنهكته العقوبات والأزمات؟
هل ستشهد إيران صراعاً خفياً داخل أروقة السلطة بين رجال الدين وقادة الأمن؟ أم انتقالاً منظماً مدعوماً خارجياً لتغيير النظام بالكامل؟ وهل ستكون لحظة الاغتيال فرصة لانفتاح سياسي واقتصادي طال انتظاره، أم بداية مرحلة أكثر تشدداً وانغلاقاً؟
السلطة في إيران بين الخوف والأمل
بين الخوف من الفوضى والأمل بالتغيير، تقف إيران على حافة مفترق تاريخي نادر، حيث يمكن لحدث واحد أن يعيد تعريف الدولة نفسها.
نظام الحكم في إيران غير ثابت؛ فهو مرتبط بمن يستلمه. نظرياً، تنتقل السلطة إلى مجلس خبراء القيادة، هيئة دينية شكلية لكنها تملك فلاتر سياسية وأمنية صارمة. المجلس يعيّن مرشداً جديداً أو يشكّل قيادة جماعية مؤقتة، لكن الواقع أكثر تعقيداً داخلياً وخارجياً.
الصراع الحقيقي تمثله المؤسسة الأمنية، وأقوى فاعل فيها هو الحرس الثوري الإيراني. اليوم، الحرس ليس مجرد قوة عسكرية، بل إمبراطورية اقتصادية ولاعب سياسي مباشر، ما قد يجعل من اغتيال المرشد فرصة لإعادة تشكيل النظام إلى أوليغارشية أمنية، حيث تُحصر السلطة بيد فئة صغيرة ذات نفوذ اقتصادي وعسكري.
السيناريوهات المحتملة للقيادة بعد الاغتيال
المرشحون المحتملون يندرجون تحت ثلاثة نماذج:
الوراثة القديمة: ترشيح مجتبى خامنئي، نجل المرشد السابق، المعروف برجل الظل داخل المؤسسات الأمنية والدينية.
شخصية توافقية: مثل علي لاريجاني أو شخصيات من المؤسسة القضائية أو الحوزة.
القيادة الجماعية: توزيع السلطة بين رجال الدين وقادة الأمن لضمان استقرار الدولة، خاصة في حالة الحرب حتى لا تغتال الشخصية الجديدة.
تطور الحرب وأثرها على الداخل الإيراني
الحرب لم تنته بعد:
إذا استمرت حوالي 12 يوماً، يركّز النظام على منع الفوضى الداخلية، وإعلان حالة الطوارئ، مع سيطرة شبه كاملة للأجهزة الأمنية، مع تقليص ظهور الحكومة المنتخبة إعلامياً.
إذا امتدت أكثر من شهر، يبدأ دور الحرس الثوري بالظهور بشكل أوضح، مع ضغط اقتصادي عال، واضطرابات مجتمعية قد تؤدي إلى نزوح أو انفصال أقاليم، خصوصاً إذا حصلت على دعم خارجي.
إذا استمرت أكثر من سنة، فقد تتفاقم الانقسامات الداخلية أو الصراع الدموي على السلطة، حتى بعد انتهاء أي حرب خارجية.
احتمالات نهاية الحرب وتأثيرها على النظام
ملف التخصيب النووي والصواريخ البعيدة المدى سيُسوّى سياسياً وأمنياً، وليس عسكرياً فقط، لأنه يمثل جوهر ميزان الردع في المنطقة، وأحد أهم أسباب الحرب. احتمالات نهاية الحرب ثلاثة:
صفقة شاملة: توقف العمليات العسكرية، تجميد تخصيب اليورانيوم، التخلص من الصواريخ الباليستية، مع رقابة دولية، ورفع تدريجي للعقوبات، وإطلاق الأموال المجمدة، وضمانات أمنية.
تغيير قيادي تدريجي: تعيين رئيس غير ديني، التخلص التدريجي من الملفات الحساسة، وإيقاف القتال بعد ضربات متبادلة، مع إدارة الإعلام بحذر لتجنب الحديث عن التخصيب والصواريخ.
ضربة حاسمة: تدمير البنية التحتية للصواريخ ومخازن اليورانيوم، حتى لو أدى ذلك لكارثة بيئية أو مجتمعية، مع صعود تيار براغماتي داخل النظام.
احتمالات دخول دول الخليج الحرب
يبقى احتمال دخول دول الخليج في الحرب قائماً كلما اتسعت دائرة المواجهة، خصوصاً إذا تعرّضت منشآت الطاقة أو القواعد العسكرية لضربات مباشرة تدفع دول المنطقة إلى الرد دفاعاً عن أمنها ومصالحها الحيوية. فاستهداف الممرات النفطية أو البنية الاقتصادية في السعودية أو الإمارات قد يحوّل الصراع سريعاً من مواجهة محدودة إلى أزمة إقليمية تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط، خاصة إذا ردّت إيران بتوسيع نطاق العمليات البحرية أو الصاروخية. ورغم انتشار تحليلات ترى أن أمريكا قد تستفيد اقتصادياً من استهلاك السلاح أو تعزيز مبيعاته، فإن حرباً واسعة في الخليج تحمل مخاطر هائلة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، ما يجعل السيناريو الأقرب هو محاولة جميع الأطراف إبقاء الصراع تحت سقف الردع لا الانفجار الشامل، لأن شرارة واحدة غير محسوبة قد تكون كفيلة بتغيير خريطة المنطقة بأكملها.
احتمالات تضرر دول أخرى لمصلحة أمريكا
يُنظر في بعض القراءات الجيوسياسية إلى أي مواجهة كبرى مع إيران على أنها قد تخدم أكثر من هدفٍ استراتيجي في وقت واحد بالنسبة لأمريكا، ليس فقط في الشرق الأوسط بل في توازناتها العالمية مع القوى الكبرى.
فمن جهة الصين، تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة القادمة من الخليج، وأي اضطراب في الممرات النفطية أو ارتفاع حاد في الأسعار يضغط على اقتصادها الصناعي وسلاسل الإمداد لديها. لذلك يرى بعض المحللين أن توتر المنطقة قد يبطئ النمو الصيني أو يجبرها على الانشغال بأمن الطاقة بدلاً من التوسع الاقتصادي والجيوسياسي.
أما تجاه أوروبا، وخاصة عبر مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي، فإن استمرار الأزمات الأمنية يدفع الدول الأوروبية للاعتماد أكثر على المظلة العسكرية الأمريكية، سواء في حماية طرق التجارة أو شراء منظومات دفاعية متقدمة. كما أن أي اضطراب جديد في الطاقة قد يعيد توجيه أوروبا نحو مصادر بديلة مرتبطة بالسياسات الأمريكية، بعد أن أصبحت قضية الأمن الطاقي مركزية منذ الأزمات الدولية الأخيرة.
وفي كل الأحوال، لن يكون انتهاء الحرب نتيجة انتصار عسكري واضح، بل نتيجة إنهاك اقتصادي شامل، وخوف القوى الكبرى من توسع الصراع، واتفاق يوازن بين التخصيب والضمانات الأمنية.
مستقبل إيران بعد الحرب
مستقبل إيران لن يُحسم في ساحات القتال وحدها، بل على طاولات التفاوض وحسابات الاقتصاد والشرعية الداخلية. إما أن تخرج الدولة أكثر انغلاقاً وصلابة تحت منطق الحصار، أو تتجه نحو براغماتية جديدة تعيد تعريف علاقتها بالعالم. وإلا، قد تنتظرها سنوات من الحرب الأهلية، حيث الصراع على السلطة بين المتشددين والبراغماتيين.
الشرق الأوسط لا يعرف النهايات السهلة. وقد تتورط القوى الخارجية، مثل أمريكا، بأحداث لم تكن في الحسبان، إذا بقيت الشعوب نائمة في أحضان حكامها الخونة.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



