الأحد، 19 رمضان 1447هـ| 2026/03/08م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

التغيير الجذري رؤية من قبس الوحي

على خطا إبراهيم عليه السلام

 

 

إن الحكاية تبدأ من البداية؛ منذ أن قال الله سبحانه في علاه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. من هنا يوم أخبر الله سبحانه ملائكته عن هذا المخلوق الجديد، بدأت حكاية الإنسان في الأرض. يوم خاطب الله سبحانه الملائكة، لم يقل لهم إني جاعل بشراً، ولا سمَّاه لهم، بل قدّم وظيفته، وهنا ملخص الأمر: في سورة البقرة التي كان الصحابة يسمونها فسطاط القرآن، كان الله يربِّي الأمة الإسلامية على مهمّتها التي أوجدها لها: الاستخلاف. وهذه الوظيفة الجليلة، أمانة حملها الإنسان وعجزت عن حملها السماوات والأرض والجبال. لذلك نجد أن الحق في بداية السورة حين قال عن كتابه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، ذكر أوَّل صفة لهم، تناسب سياق السورة وموضوعها وهو الاستخلاف، فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيْمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. يُقدّم الله الإيمان بالغيب على أداء الصلاة وإنفاق المال، لأن الإيمان بالغيب هو مفتاح المؤمن في مواجهة الشكوك، الفتور، العجز، الشهوات، وكل ما يؤخره عن أداء مهمته كحامل أمانة لتحقيق معنى الاستخلاف في الأرض. ينير له إيمانه الطريق ويزوده بالشجاعة والعزيمة، حاله يشبه حال نبي الله إبراهيم.

 

قال الله سبحانه عن سيدنا إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وأمر الله المؤمنين فقال: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

 

لكن ما العلاقة بين موضوع الاستخلاف، الإيمان بالغيب، وسيدنا إبراهيم الذي اتَّخذه الله خليلاً؟

 

إن ذكر الله سبحانه لأنبيائه في القرآن، هو للعبرة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. والله سبحانه في سرده للقَصص في كتابه الكريم، لم يكن يسرد علينا تاريخاً ولا كان يؤرخ لمجريات الأحداث في العصور السالفة.. فالناظر لطريقة تناول القرآن للقصص يجد أن الموضوع الواحد يختلف في طريقة السرد باختلاف السورة القرآنية، ويكون التركيز في كل مرة يناسب سياق السورة التي وردت فيها القصة. كما أن هذا السرد هو سردُ تربية وتثقيف للمسلم لا سرد إخبار لمجرد الإخبار أو الحشو، تعالى الله.

 

فالله يوم يخبرنا بحال إبراهيم ويكرر ذكره 63 مرة في كتابه، فهو يريد للمؤمن أن يدرس شخص إبراهيم عليه السلام وعقليته التي أهَّلته ليقول الله عنه: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾.

نبي الله إبراهيم عليه السلام، كان دائماً محل جدال عند اليهود والنصارى، وكانوا دائماً ما يحاجون فيه، فردَّ عليهم القرآن: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وسيدُّنا إبراهيم، الباحث عن الحقيقة؛ كان يحمل قلباً سليماً؛ مخلصاً لله اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم.

 

سيدنا إبراهيم يعد نموذجاً قرآنياً للعقل الباحث عن الحق، واليقين الذي لا يتزعزع، والثبات الذي يُستمَّد من اليقين، والولاء الذي لا يحيد، والحرص على إنقاذ الناس من الظلمات إلى النور.

 

تربَّى إبراهيم عليه السلام في بيت آزر، وهو من كان يصنع الأصنام ليعبدها قومه، نبي يُبعث من بيت صانع الأصنام، ليعلمنا الله أن الحق أحقُّ أن يُتَّبع، وأن حجج المشركين التي كانوا يواجهون بها رسول الله للتهرب من مسؤولية التفكير والإيمان: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ هي حجة باطلة لا وزن لها حين يبصر القلب طريقه. فالباحث الصادق عن الحق لا بدَّ أن يصل. وإبراهيم الذي بحث عن ربِّه فكفر بالشمس والقمر وأصناماً يصنعها أبوه آتاه الله رشده ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾.

 

وحين عرف إبراهيم ربَّه، وآمن، كان أول ما صنعه هو أن كسر الأصنام... فلم يطق أن يبقى الحق حبيساً في قلبه، بل انطلق يحاجج قومه فقال لهم: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.

 

سيدنا إبراهيم يمثل عقلية المسلم لله المستسلم لأمره، عرف الحق فلزمه، وثبت عليه وضحَّى في سبيله. عقلية تتحرر من قيود التفكير الجامد والاتباع الأعمى واتباع الأهواء.. شخصية عرفت قدرها رغم صغر سنه، ولكنَّه كان كوصف القرآن: أمة وحده. وحين حاجج النمرود في رب العالمين كانت الحجة الدامغة رفيقته، فيقينه بالله لم يكن مجرد شعار، بل رؤية مستنيرة وفراسة تعرف كيف تدافع عمَّا آمنت به.

 

ويوم صار نبيَّاً كان حرصه على أن يهدي غيره حاضراً في كل مواقفه، يقول سبحانه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ويقول: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ويقول: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.

 

ولكنَّ هذا الحرص هو حرص المؤمن بربِّه، العامل لنصرة دينه، يوالي في الله ويعادي في الله. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.

 

فنموذج إبراهيم عليه السلام، هو نموذج يربي المؤمن على جعل الإيمان هو محور الحياة، الإيمان المنضبط بالوحي، الإيمان المنبثق عن معرفة ووعي وبصيرة، الذي يدفع صاحبه ليكون "أمة" في مواجهة دعاوى الباطل وأهل الباطل وأي نمرود يريد أن يغير في دين الله ويفتن الناس عن عبادة ربهم.

 

هذا الإيمان لا يتولَّد إلا بالرجوع الدائم لأصل الحكاية: الإيمان بالغيب، الغيب الذي أخبر الله فيه ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة.. ويحضرني هنا ردُّ إبراهيم عليه السلام على قومه يوم عابوا عليه عبادة الله وحده فقال: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

 

وهذان الفريقان لا يستويان مثلاً. فشتَّان بين عقل يؤمن عن وعي ويستمسك عن بصيرة ويعمل بثبات ويضحِّي لأجل حسن المآب، وبين عقل كل حجته ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾! ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.

 

وأخيراً نسأل الله أن يثبتنا ويلهمنا رشدنا ويجعل لنا سهماً في نصرة دينه.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال

 

 

 

#رؤية_حقيقية_للتغيير

 

#TrueVision4Change

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع