- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام
الحلقة الثانية والثلاثون
الغزوات الصليبية والتترية
كيف كشف سقوط بغداد واحتلال القدس قيمة الخلافة ووحدة السلطان؟
لم تكن الحملات الصليبية ولا اجتياح التتار مجرد حروب عابرة في تاريخ المسلمين، بل زلازل سياسية كشفت بوضوح أثر ضعف الدولة الجامعة، وأظهرت في المقابل كيف يكون النهوض حين تُستعاد وحدة السلطان ويُعاد ربط الحكم بالإسلام. إن قراءة تلك المرحلة لا ينبغي أن تكون قراءة عاطفية تقتصر على البطولات، بل قراءة سياسية واعية تميز بين زمن الضعف وزمن الاستئناف.
عندما سقطت القدس بيد الصليبيين، لم يكن السبب مجرد تفوق عسكري للعدو، بل حالة تمزق سياسي عاشتها بلاد المسلمين. كانت الخلافة العباسية قائمة اسماً، بينما السلطة الفعلية موزعة بين قوى متعددة، وتتنازع الولايات فيما بينها. هذا التفكك أضعف القدرة على اتخاذ قرار موحد، وجعل الثغور عرضة للغزو المنفرد. فالعدو لا ينجح في اقتحام دار الإسلام إلا حين يجدها منقسمة، تتعدد فيها مراكز القرار، ويغيب فيها الإمام الذي يوحّد الكلمة ويعبّئ الأمة.
ثم جاء الاجتياح التتري ليضرب قلب البلاد الإسلامية، حتى سقطت بغداد عام 1258م، وقُتل الخليفة العباسي، في مشهد هزّ وجدان الأمة. لم يكن سقوط بغداد حدثاً عسكرياً فحسب، بل إعلاناً عن انهيار مركز سياسي كان رغم ضعفه يمثل رمز وحدة المسلمين. ومع غياب ذلك المركز، دخلت الأمة مرحلة اضطراب عميق، وتجرأ الأعداء على اقتحام أراضيها من أطرافها إلى قلبها.
غير أن التاريخ ذاته يبين أن الأمة لم تُبعث من جديد بالخطب ولا بالمشاعر، بل بإعادة بناء القوة السياسية على أساس الإسلام. فعندما توحدت الشام ومصر تحت قيادة سياسية واعية، واستُعيد مفهوم الجهاد بوصفه سياسة دولة لا مبادرات فردية، انقلب المشهد. في عهد صلاح الدين الأيوبي، لم يكن تحرير القدس مجرد معركة ناجحة، بل ثمرة مشروع سياسي أعاد توحيد الولايات المتفرقة تحت سلطان واحد، وأعاد ترتيب الأولويات وفق رؤية إسلامية واضحة.
وكذلك حين واجه المسلمون التتار في معركة عين جالوت، لم يكن الانتصار معجزة عسكرية منفصلة عن السياق، بل نتيجة إعادة تنظيم الصفوف تحت قيادة سياسية قوية تمثلت في المماليك. لقد أُعيد الاعتبار آنذاك لفكرة أن الأمة تحتاج إلى كيان جامع يقود المواجهة، لا إلى جيوش متناثرة بلا قيادة موحدة ودولة جامعة.
الدروس هنا جلية: الخطر الخارجي يتضخم حين يسبقُه ضعف داخلي. والضعف الداخلي لا يُختزل في قلة السلاح، بل في غياب وحدة الحكم، وتراجع مفهوم أن للمسلمين إماما واحدا يقودهم. فالإسلام لم يترك مسألة الحكم لاجتهادات متفرقة، بل أوجب نصب خليفة واحد تُعقد له البيعة، ويتولى رعاية الشؤون داخلياً وحمل الدعوة خارجياً. وحين يتحول الحكم إلى كيانات متنازعة، تصبح كل منطقة هدفاً سهلاً.
إن استحضار الحملات الصليبية والتترية اليوم لا ينبغي أن يكون لاستثارة المشاعر، بل لإدراك أن الأمة لا تُحمى إلا بدولة تطبق الإسلام كاملاً. فالمقاومة الموضعية، أو التحالفات الظرفية، أو المعالجات الجزئية، لا تصنع نصراً دائماً. الذي يصنع التحول الحقيقي هو وجود كيان سياسي يوحد الطاقات، ويوجه الموارد، ويجعل قراره نابعاً من عقيدته، لا من إملاءات خارجية أو حسابات قطرية.
واقع المسلمين اليوم يكشف صورة أشد تعقيداً من زمن الصليبيين والتتار. فبدل كيان واحد ضعيف، هناك عشرات الكيانات المتفرقة تابعة للغرب يحكمها عملاؤه، ولكل منها سياساته وتحالفاته وحدوده. هذا الواقع يجعل أي تهديد خارجي قادراً على التعامل مع كل قطر بمعزل عن الآخر، ويمنع تشكل إرادة سياسية جامعة. وهنا يتكرر الدرس التاريخي أن التقسيم والتجزئة السياسية بوابة التمكين لأعداء الأمة.
لقد نهضت الأمة بعد تلك الكوارث حين استعادت وعيها السياسي، وربطت بين الإيمان والعمل، وبين العقيدة والدولة. فلم يكن النصر نتاج خطب حماسية، بل ثمرة إعادة بناء السلطان على أساس الإسلام، وتوحيد الصفوف تحت راية واحدة. وهذا ما ينبغي أن يُفهم اليوم؛ أن النهضة لا تبدأ من ردود الفعل، بل من مشروع واضح لإقامة حكم بالإسلام، يجعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة، ويعيد توحيدها تحت قيادة واحدة.
إن الغزوات الصليبية والتترية تذكرنا بأن الأمة قد تمرض، لكنها لا تموت إذا عادت إلى أصولها السياسية الصحيحة. أما إذا استمرت في التمزق، وأبقت الحكم مفصولاً عن الإسلام، فإنها تكرر أسباب الضعف ذاتها. بين سقوط بغداد وتحرير القدس مسافة وعي سياسي عميق؛ وبهذا الوعي وحده تستعيد الأمة مكانتها، لا بوصفها ضحية أحداث، بل بوصفها أمة رسالة تحمل مشروعاً حضارياً إلى العالم.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



