- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة الرابعة والثلاثون
ليست استحالة بل صراع مصالح. لماذا تُحارَب عودة الحكم بالإسلام؟
الذي يمنع عودة الحكم بالإسلام ليس غياب الدليل، ولا ضعف الفكرة، ولا قلة النصوص الشرعية الدالة على وجوب تحكيم الشريعة، بل وجود منظومة مصالح كبرى داخلية وخارجية تقوم على استمرار غياب الإسلام عن ساحة الحكم. هذه حقيقة سياسية ملموسة في كل بلد من بلاد المسلمين، حيث تتشابك الأنظمة المحلية مع القوى الدولية في شبكة واحدة هدفها الحفاظ على الوضع القائم، لأن قيام دولة تجعل السيادة للشرع يعني انهيار تلك المصالح من أساسها.
المسألة إذاً ليست جدلاً فكرياً مجرداً، بل صراع حضاري على العقيدة والسيادة. حين تُجعل السيادة للشرع، تُسحب من أيدي النخب التي تحتكر التشريع وفق أهوائها أو وفق إملاءات القوى الكبرى. وحين تصبح العقيدة الإسلامية أساس الدولة والدستور والقوانين، تسقط شرعية القروض الربوية، واتفاقيات التبعية، وسياسات الخصخصة التي تنقل ثروات الأمة إلى الشركات الكبرى. لذلك فإن بقاء الأمة بلا كيان سياسي يطبق الإسلام هو مصلحة مباشرة لمن ينتفعون بالنظام الدولي الرأسمالي.
في مصر مثلاً، يتجلى هذا التشابك بوضوح. كلما ارتفع صوت يطالب بتحكيم الإسلام تحكيماً شاملاً، لا كشعار بل كنظام حكم واقتصاد، واجه تضييقاً وتشويهاً. يُسمح بالحديث عن الأخلاق أو التدين الفردي، لكن يُحاصر الحديث عن الخلافة أو عن إسقاط النظم الوضعية وعقيدة الرأسمالية التي أنتجتها. لأن القضية هنا ليست حرية رأي، بل تهديد لبنية سياسية واقتصادية كاملة. الدولة القائمة مرتبطة باتفاقيات دولية، وبمؤسسات مالية، وبشبكات مصالح داخلية، وكلها تتضرر إذا تغير الأساس.
الغرب كذلك ليس بعيداً عن المشهد. الدعم المالي، والمساعدات العسكرية، والتسهيلات الاقتصادية، كلها مشروطة باستمرار السياسات المنسجمة مع النظام الدولي. وأي تحول جذري يجعل السيادة للشرع ويعيد توجيه الثروات وفق أحكام الإسلام، يعني خروجاً عن هذا الإطار، وهذا ما لا يُسمح به بسهولة. لذلك تُستثمر الأزمات الاقتصادية للضغط على البلاد، ويُربط الاستقرار السياسي باستمرار التبعية.
غير أن هذه الموانع، مهما بدت قوية، ليست قدراً أبدياً. والمصالح الراسخة تسقط حين يتغير وعي الأمة. ففي مكة، كانت قريش تملك الزعامة والمال والتحالفات، وكانت مصالحها مرتبطة ببقاء الشرك ونظامه. ومع ذلك، لم يمنع هذا الرسولَ ﷺ من العمل لإقامة دولة على أساس الإسلام. بدأ ببناء كتلة واعية على أساس العقيدة، خاض صراعاً فكرياً مع مفاهيم الجاهلية، تزامنا مع طلب النصرة، حتى قامت الدولة في المدينة وسقطت موازين القوى القديمة.
طريقة التغيير هذه هي التي تميز العمل السياسي في الإسلام. فالمسألة ليست انتفاضة عاطفية، ولا مواجهة عسكرية مباشرة، بل عمل منظم يبدأ بتكوين رأي عام منبثق عن وعي عام، يقوده حزب مبدئي يحمل مشروع إقامة الخلافة على منهاج النبوة. هذا الوعي هو الذي يُقلق الأنظمة، لأنه إذا تحول إلى طلب عام للحكم بما أنزل الله، تصبح الموانع المادية أقل أثراً.
اليوم، أكبر ما تستثمر فيه الأنظمة هو إبقاء الأمة في حالة تشتت وارتباك. تُغرق الناس في هموم يومية، وتُشوش الفهم الصحيح للإسلام، وتُربط فكرة الخلافة بالفوضى أو العنف، بغاية أن يترسخ في الأذهان أن التغيير مستحيل أو بعيد المنال. لكن الحقيقة أن الاستحالة وهمٌ يُزرع عمداً، لأن أي نظام مهما بلغ من القوة يبقى قائماً على قبول الناس به، ولو كان قبولاً صامتاً.
الصمت والفرقة هما البيئة المثالية لاستمرار الوضع القائم. أما إذا ارتفع الوعي السياسي على أساس العقيدة، وأدرك الناس أن مشكلتهم ليست في تفاصيل السياسات بل في أساس النظام، فإن ميزان القوى يبدأ في التحول. وحين تفهم الأمة أن الحكم بما أنزل الله فرض، وأن إقامة الخلافة واجب شرعي، وأن التغيير له طريقة محددة سلكها الرسول ﷺ، تتحول من جمهور متذمر إلى أمة صاحبة مشروع.
التجارب التاريخية تؤكد أن القوى الكبرى تسقط حين تواجه أمة منظمة واعية. لم تسقط إمبراطوريات قديمة بسبب ضعف سلاحها فقط، بل لأن مشروعاً جديداً حملته جماعة واعية قلب موازين الواقع. كذلك فإن النظام الدولي المعاصر، رغم قوته، ليس خارج سنن الله في التغيير.
المانع الحقيقي إذاً ليس غياب الحجة، ولا ضعف الفكرة، بل غياب الكيان السياسي الذي يوحد الأمة تحت راية الإسلام. فإذا وُجد حزب مبدئي يعمل على أساس العقيدة، واحتضنته الأمة وسلمته قيادتها، وسار على طريقة الرسول ﷺ في الصراع الفكري والكفاح السياسي وطلب النصرة، فإن هذه الموانع ستتراجع مهما بدت صلبة.
عودة الحكم بالإسلام ليست حلماً عاطفياً، بل مشروع سياسي واضح المعالم. والمصالح التي تحاربه ليست أبدية. والذي يحدد النهاية هو وعي الأمة وتنظيمها وصبرها. فإذا اجتمعت هذه العناصر، سقطت أوهام الاستحالة، وتقدم الإسلام مرة أخرى ليحكم الحياة كما حكمها من قبل، في دولة تجعل السيادة للشرع والسلطان للأمة، وتحمل رسالتها إلى العالم.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



