الخميس، 15 شوال 1447هـ| 2026/04/02م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

وهمُ القوّة والاستكبار

 

 

المستكبرُ لا يرى لحظةَ سقوطه؛ لأنّه غارقٌ في وهمِ القوّة. وهذا ما يُصرّح به ترامب، وهو غارقٌ في وهمه، وكأنّه يستعلي على العالم، مطمئنّاً إلى ما يملك من أسباب القوّة والتفوّق من العوامل المادّية، ناسياً أنّ تلك الأسباب نفسها قد تتحوّل إلى عبءٍ عليه، وأنّ ما يفعله هذا الجَوّاظ، وهو يتباهى بأنّهم يملكون أقوى قوّةٍ ماديّة في العالم، ليس إلا مظهراً من مظاهر الغرور.

 

هكذا جرت سننُ الحياة منذ القدم: صعودٌ يعقبه ثبات، ثمّ انحدارٌ لا يشعر به صاحبُه إلّا بعد فوات الأوان.

 

ولقد قصّ علينا القرآن الكريم أخبارَ أممٍ بلغت من القوّة مبلغاً، ظنّت معه أنّها فوق كلّ الحسابات، كقوم عادٍ وثمود، الذين قالوا في غرورهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، فجاءهم الردّ عمليّاً لا نظريّاً، حين انهارت حضاراتهم أمام سنن الله التي لا تُحابي أحداً. لم يكن سقوطهم فجأةً، بل كان نتيجةَ تراكمٍ من الاستكبار، وتجاهلِ الحقّ، والاستخفافِ بالقيم التي تحفظ التوازن. وإنّ ما تفعله أمريكا اليوم هو نفسه الذي كنّا نراه، أو شبيهٌ به.

 

فترامب طاغية العصر، يتباهى بما فعلته آلته العسكريّة من دكّ مدن المسلمين، وتدميرها، وهو يعلم جيّداً أنّ هذا لم يكن ليحصل لو كان للمسلمين دولةٌ تدافع عنهم، وتحمي حقوقهم، وتصون كرامتهم.

 

فبعد أن مزّقوا عرشَ المسلمين، بدأوا يعربدون ويصولون في بلادنا، بمساعدة نواطير نصّبوهم حكاماً علينا، ففتحوا لهم الأجواء لتكون قواعدَ وثكناتٍ عسكريّةً لطائراتهم، وقواعدَ لصواريخهم التي تدكّ مدن المسلمين. حكّامٌ مجرمون بعثروا ثروات المسلمين، وأعطوها لأعدائهم ليُموّلوا أساطيلهم لشنّ الحروب عليهم.

 

ما كان هذا ليحصل لو كانت هناك أمّةٌ تدافع عن كرامة أبنائها. لقد كانت الأمّة الإسلاميّة سفينةً واحدة، يرفرف على جسدها النور، ويسري فيها نبض الإيمان. حينها لم يكن المسلمون مجرّد شعوبٍ متفرّقة، بل كانوا كالجسد الواحد؛ العدلُ كان قانونهم، والكرامةُ درعهم، والوحدةُ قوّتهم.

 

أيّها المسلمون: حين فقدنا وحدتنا، فقدنا القدرة على حماية أنفسنا من المعتدين. فما يحصل اليوم، ونحن نُغزى في عُقر ديارنا، لهو علامةٌ فارقة على الضعف والوهن الذي أصابنا جرّاء تخلّينا عن دولتنا وعزّنا.

 

ربّما يتصوّر الغرب، وعلى رأسهم الشيطان الأكبر، أنّ موازين القوّة قد استقرّت إلى الأبد، لكنّها في الحقيقة تكون قد دخلت أخطر مراحلها؛ هناك حيث يبدأ التآكل، وتتحوّل عوامل القوّة إلى أسباب ضعف، حين يعلو صوت الغرور.

 

وهذا المعنى لا يقتصر على الماضي، بل يتكرّر في كلّ زمان؛ فالدول حين تبلغ ذروة قوّتها، وتظنّ أنّ التاريخ انتهى عندها، وأنّ موازين القوّة قد استقرّت إلى الأبد، تكون قد بدأت العدّ التنازليّ لسقوطها. إنّ هذه السنّة ليست مجرّد فكرةٍ وعظيّة، بل حقيقةٌ تشهد لها الوقائع؛ فكم من قوّةٍ عظيمةٍ سادت ثمّ بادت، وكم من أمّةٍ ضعيفةٍ نهضت حين أخذت بأسباب القوّة. فلا دوام للهيمنة، ولا خلود للسطوة، وإنّما هي الأيّام دولٌ تتعاقب، يرفع الله بها أقواماً ويضع آخرين، وفق ميزانٍ دقيقٍ لا يتبدّل.

 

ولعلّ أخطر ما يُصيب أيّ قوّةٍ هو أن تظنّ نفسها استثناءً من هذه السنن، فتغترّ بما لديها. وهذه أمريكا الباغية العاتية تُجسّد هذه الحقيقة. فالبقاء ليس للأقوى فقط، فحضارتهم القذرة عفّنت الإنسانيّة، وجرائمهم التي تضجّ بها فضائحهم قد ملأت العالم.

 

أيّها المسلمون: إنّ مجد أمّتكم، ومفاخر آبائكم، ومآثر أسلافكم، وتاريخكم المشحون بالكنوز القيّمة، كلّ أولئك يناديكم أن تُعيدوا مجدكم، وأن تتركوا عوامل التفرقة، لتُحرّروا أنفسكم وبلدانكم، وتنقذوا إخوانكم من القتل واستباحة الدماء والأموال.

 

إنّ أمريكا ويهود خالفوا كلّ شريعة، وكلّ مذهبٍ إنساني، ولم يحفلوا بغير شريعة الحيوان، ولم يبقَ إلّا أنتم، الذين علّم آباؤهم هذا المستكبر الجَوّاظ في عالم الغرب كيف يُحطّم الأغلال ويفتّت القيود. أنتم الذين أعلى نظامكم الخالد حقوق الإنسان، وطبّقوه قبل أكثر من أربعة عشر قرناً؛ فلا تَأبَهوا هازئين، وفوق رؤوسكم سيف أمريكا مُسلّطاً يأخذ الأبصار.

 

هلمّ، فهذا الرائد الذي لا يكذب أهله يدعوكم إلى سفينة النجاة، إلى العودة لاستعادة عزّكم ومجدكم العريق، لتشحذوا العزائم، واستبقوا الصراط إلى العلا والسؤدد، وانشروها على أجنحة النسائم.

 

شعاركم مرحباً بالتاريخ يعيد نفسه، ويدعونا إلى ما نشأنا عليه من أحداث، وما عُرف لنا من مواقف، ليكتب الأبناء والأحفاد صحف المجد بأيديهم، مثلما كتبها آباؤهم وأجدادهم، ويُهيّئ لنا فرصةً لتتقدّم هذه الأمّة، ولترفع راية المجد على أعلى قمّةٍ في علياء الحياة المجاهدة. والعاقبةُ للتقوى.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع