- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
البوصلة والانتماء والهوية
بين إيران وأمريكا وسواها نموذجا
(الجزء الثاني والأخير)
في الجزء الأول من المقالة تعرضنا للأسس التي يتشكل منها الواقع السياسي الحالي كـ"بوصلة وانتماء وهوية" مقابل تلك التي ينبغي أن يتأسس عليها حتى تحصل نهضة صحيحة أو ارتقاء لشأن الأمة الإسلامية والبشرية عموما.
وسنتحدث هنا عن الوقائع السياسية المتراكمة في آخر عقدين وخلفياتها الفكرية ومحاولات الدول الكبرى اغتنام الأحداث تلك أو تشكيلها بحسب وجهة نظرها ومصالحها مقابل محاولات التحرر الحقيقية من الاستعمار الغربي التي بدأت ملامحها تؤتي أكلها سواء قبل أحداث تشرين الأول 2023م في غزة أم بعدها.
أولا: محاولة المنظومة الغربية إعادة ترتيب كل مشهد جديد بمرجعيتها الفكرية:
كان لعملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول عام 2023م أثر كبير في إيذاء كيان يهود رغم قلة الإمكانيات العسكرية. نعم لقد أعادت عملية طوفان الأقصى إلى الأذهان ما حصل بالانتفاضة الأولى والثانية أي منذ عقدين أو ثلاثة مضت. حيث أثبتت الأمة حيويتها من جديد. لكن عناصر قيام الأمة من جديد كجسد واحد لم يكتمل لعوامل عديدة منها متعلق بما أسلفت ذكره في الجزء الأول. ومنها أيضا أن العدو تموضع مع الأحداث الجديدة التي كان للأمة دور في صنعها وذلك بهدف الالتفاف عليها لحرف عملية نهضتها ومحاولة إعادة تشكيل تلك الوقائع بما يحمل من قناعات ومصالح أي بمرجعيته الفكرية لا بمرجعية الحكم الشرعي. فكانت عملية التدافع تلك شاهدة على أن الأمة تمر بمراحل تحاول فيها التحرر الحقيقي لتجد أن الغرب التف عليه بأعمال سياسية وأحيانا عسكرية أو مزيج بينهما. والأهم من ذلك أن يحاول إعادة الأمة بتلك الأعمال إلى أن تستنير بحضارة الغرب الفكرية تارة من أفكار الحريات التي انكشف زيفها، أو بأحكامه عن الحياة وما انبثق عنها مثل نظامه الاقتصادي الذي أفقر الشعوب، مستعينا بمنظومة من القوانين التي تفرض على الجماهير الاحتكام إليها عن طريق الحكام العملاء وسيرهم في ركابها، أو إلى إعلام رسمي للحكام العملاء يزيد الجهل جهل بعض الناس إلى الإنفاق على اقتصاد وهمي يزيد الحكام الرأسماليين وحاشيتهم ثراء بمثل ما هو رائج من شركات أسهم أو عملات رقمية كالبيتكوين فيما يتم سحب أموال المودعين بسهولة وبما يشبه ما يحصل مع البنوك الربوية عندما توهم المودعين أموالهم فيها بأرباح بمسمى "فوائد". نعم تعيد المنظومة الغربية بقيادة أمريكا دوما المحاولة بإعادة تشكيل المشهد بمرجعيته الفكرية حتى بعد أن يظهر للجميع فساد معالجاته كما حصل في عملية سحب أموال المودعين في البنوك في لبنان عام 2019م. فتحاول أن تقوم بالتغطية على ما تحدثه عملية الاستدانة الربوية من مشاكل على صعيد العالم بتصوير المشهد بأنه مجرد خطأ متعلق بسياسة المصرف المركزي وقيامه بسحب أموال المودعين من غير استئذانهم. أي محاولة الاعتراف بجزء من المشهد دون الاعتراف بالتفاصيل الكاملة حتى لا تكفر الجماهير بالنظام الرأسمالي برمته وتبحث عن البديل الحقيقي الذي يصلح ليرعى شؤون البشر. والسؤال الحقيقي يجب أن يدور عن فساد النظام الرأسمالي من أساسه وكون المال الربوي غير موجود عند المصارف برغم وعودها بتوفيره، فهو مبني على نظام اقتصادي وهمي يدفع الجماهير لوضع أموالهم عند كبار الرأسماليين من مالكي المصارف تحت تأثير وهمي أنه سيأتيهم من جراء ذلك "فوائد شهرية أو سنوية"، وهو وهم تتم تغذيته باستمرار بعوامل شتى ذكرتها آنفا منها ما هو متعلق بالقوانين التي يفرضها الحكام العملاء على الناس، ومنه ما هو متعلق بالإعلام الرسمي للحكام العملاء، ومنه نابع عن جهل البعض بالمشهد الكامل جراء أمرين: أولا عدم فهمهم للإسلام فهما صحيحا، والثاني عدم فهمهم الواقع المتجدد الذي يحدثه العدو أو مخططات الكافر المستعمر. فالسؤال الحقيقي يجب أن يكون ما هو البديل الصالح عن النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي تقوده المنظومة الغربية؟ هل هو نظام اقتصادي رأسمالي نقوده نحن؟ أم نظام اقتصادي آخر كليا من جنس عقيدتنا ومبدئنا؟ وهل يصلح لنا فقط أم يصلح لنقود البشرية كلها على أساسه؟ وما هي المرجعية الفكرية التي يجب أن تتم الدعوة لها مقترنة بنظامها التفصيلي الذي ينبثق عنه عند كل مشهد جديد حتى يتم تشكيل الواقع الجديد بالمبدأ الصحيح لا بمبدأ العدو؟
ثانيا: الأحداث في الأرض المباركة فلسطين:
لقد تآمر الحكام منذ هدم دولة الخلافة على الأرض المباركة وليس الموضوع أبدا وليد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ولا الانتفاضة الأولى ولا الثانية. فقد مرت عملية المؤامرة بمراحل عديدة منها التنصل من الأرض المباركة وتوكيل منظمة التحرير الفلسطينية بأحقية تمثيل أهل فلسطين وذلك لهدفين: أولهما محاولة حكام المسلمين التنصل من القضية تنفيذا لسياسات أسيادهم في أمريكا وبريطانيا القاضية بـأن يستفرد كل منهما بصياغة ما يرونه صالحا من مشاريع في المنطقة، ومنها تقوية كيان اليهود المحتل وتثبيته وتوسيعه. وثانيهما وهو الأهم وهو محاولة دفع الجماهير للتعلق بمرجعية فكرية بديلة عن الإسلام وهي الرابطة الوطنية التي أسهبتُ الكلام عنها في الجزء الأول. تلك المرجعية التي حاول البعض التسويق لها بأنها لا تخالف رابطة العقيدة الإسلامية دهرا من الزمان. فكان الهدف من محاولات الحكام تلك دفع الناس للتعلق بأي شيء سوى رابطة المبدأ الإسلامي الذي من شأنه توحيد الأمة فكريا وعمليا وخلع مشاريع الحكام العملاء وطرد نفوذ الغرب من البلاد الإسلامية. أما وسيلة الحكام العملاء في الداخل فكانت بتوكيل منظمة التحرير بمحاولة جعل طبيعة القضية عند الجماهير قضية "وطنية" من غير أي صلاحيات حقيقية تمس كيان يهود، بل بحيث تقوم بتسهيل بناء المستوطنات ونزع الأراضي من أصحابها والسماح للكيان بالتوسع في الاحتلال أكثر فأكثر، أي عن طريق لعب دور الشرطي الذي يحمي كيان يهود بحجة أنه أضعف من مواجهته، بل ينسق معه أمنيا بالذريعة نفسها، أي ذريعة حماية أهل الأرض المباركة من الاغتيال والقتل! بدل أن تكون قضية الأرض المباركة قضية الإسلام وحمل الدعوة الإسلامية وتحرير البشرية من أنظمة الكفر لا تحرير الأرض المباركة وحدها. وبمكر ودهاء الدول الغربية وعملائها من حكام المسلمين وعقود من المد والجزر تم تحويل منظمة التحرير الفلسطينية من منظمة عسكرية إلى منظمة سياسية تقبل بالتفاوض مع كيان الاحتلال على أي شبر من فلسطين للحصول على فتات من أرضها من غير أي صلاحيات حقيقية. فالسلاح بيد من لا يعي حقيقة الصراع وبال على صاحبه. وهذا ما تبين بوضوح بعد دخول جيش حافظ الأسد باسم جيش سوريا إلى لبنان بأمر أمريكا عام 1976م وعملية إخراج قيادة منظمة التحرير من لبنان عام 1982م، وقيام أمريكا بالتوسط بإبرام اتفاقيات أوسلو عام 1993-1995م. الواضح من كل ما سبق أن محاولة الغرب لإعادة تشكيل المشهد لم تخل من محاولة تعزيز مفاهيم عند الجماهير مفادها عدم تكافؤ عسكري بين كيان يهود وبين حركات التحرر، ناهيك عن الحديث عن الفرق في الموازين العسكرية بين أمريكا وقوى التحرر في فلسطين أو في جوارها. وأن التحرير هو موازين عسكرية بحتة في حين إن عملية التحرير الحقيقية هي أعمق من ذلك بل هي معركة الهوية والانتماء والبوصلة، وعلامة اقترابها من التحقق هو إعادة تشكيل أي مشهد من حاملي المبدأ الإسلامي بما يتلاءم مع المبدأ الإسلامي وحده لا غيره وجعل تلك السردية هي السائدة في المجتمع سواء محليا أو دوليا. ولو كان ذلك يقتضي عدم قبول الواقع الجديد بل الحث على تغييره ومخاطبة الأمة الإسلامية بهذا الوصف لا بوصف آخر ودفعها لتضم جهودها إلى كل عمل جماعي من شأنه أن يحدث هذا النوع من التغيير الانقلابي في المقاييس بدل أن تكون من الذين يستصعبون التغيير بمقاييسهم المعتادة من "الأنا" والذات الفردية.
ثالثا: الأحداث في لبنان:
أما في لبنان فأجواء الحرب فيه لم تهدأ رغم حصول اتفاقية لوقفها منذ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024م. حيث أعقبها استهداف واغتيال المزيد من أهل البلاد وخاصة أهل الجنوب فكانت أشبه بإيقاف حرب من طرف واحد فقط. إلى أن قرر حزب إيران الرد بعد مقتل خامنئي بستة صواريخ انطلاقا من لبنان فكان على إثرها المزيد من الاغتيالات في صفوفه. وفي حين أن كيان يهود يحاول أن يصور لأهل لبنان بأن معركته محصورة مع إيران وأتباعها بعمليات الاغتيال الدقيقة في كيفية الاستهداف عن طريق البوارج الحربية في البحر أو عن طريق الطيران الحربي فلم يخل ذلك من محاولة تذكير كل من هو ليس من بيئة حزب إيران بأن محيطه السكني مستهدف وذلك بأعمال اغتيال في مناطق ما يسمى "مناطق النصارى" و"مناطق السنة" على سواء، إن صحت التسمية، ولو كانت محدودة، وذلك محاولة منهم للضغط على سكان تلك المناطق لطرد أي شخص يحتمل أن تكون له علاقة بحزب إيران أو ممن يقاتل كيان يهود وإيجاد بيئة مناوئة لهم، بحيث قد تساعدهم في إضعاف الجو العام الراغب في قتال يهود وتدمير كيانهم.
من جهة أخرى فقد كانت تصريحات أقطاب الحكم في لبنان تدور حول ما يسمونه ضرورة إيقاف أعمال حزب إيران وعدم جدواها واعتبارها أعمالا لا تقبل بها الدولة بل تعتبرها خارجة عن القانون، خاصة العمل العسكري ضد كيان يهود. بل كانت التصريحات الرسمية تنادي بضرورة جعل قرار السلم والحرب بيد الدولة "الرسمية" في لبنان وحدها، خاصة بعد اغتيال خامنئي وردود إيران الانتقامية في المنطقة كلها ومن داخل لبنان. لكن سبق لحزب إيران قبل ذلك أن تحدى بعض أقطاب الدولة في لبنان بعد عملية اغتيال حسن نصر الله، سواء في القيام بأعمال جماهيرية في أماكن عامة دون الحصول على تصريح لذلك أو التحريض على بعض رؤساء الدولة عبر إعلامهم الرسمي وغير الرسمي. أما قمة التحدي فحصل عقب قيام وزير خارجية لبنان المحسوب على حزب القوات اللبنانية بإصدار قرار بطرد سفير إيران من لبنان وتجريده من صلاحياته، ما جوبه من إيران بعدم الاستجابة للقرار وتحديه والبقاء في لبنان وحتى إعلان إيران أنه "باق في مهامه"، ما كرس صورة أن منطقة لبنان أصبحت ملحقة بإيران وأن حكامه مجرد "دمى" لا يملكون من أمرهم شيئا، فضلا عن طرد سفير لأمريكا أو إيران. وما زاد الطين بلة قيام سفير أمريكا في لبنان بالإعلان أنه توسط لدى كيان يهود بألا يستهدف الكيان "مناطق النصارى" في جنوب لبنان. فما سمي بميثاق "لبنان الحديث" الذي نشأ بعد اتفاق الطائف أصبح في خطر حقيقي، أي النظام الطائفي المتعارف عليه أصبح في خطر، لا من جهة إيران فحسب، بل من جهة سياسات أمريكا وكيان يهود الآنفة الذكر أيضا. وبين هذا وذاك لم يحصل المسلمون من جراء النظام الطائفي العلماني وتحت مظلة "الوطن" سوى التخلي عن مبدئهم ومنظومة الأحكام الشرعية التي من شأنها تشكيل حضارة لرفعة الإنسان ككل في أي بقعة كانت، كما أسلفت في الجزء الأول من مقالتي. إلا أن الحديث عن الأمن الذاتي أصبح جزءا من حديث بيئة قلقة لكن بالمعايير الفردية البحتة لا بمعيار الأمة الإسلامية ككل بما يشمل قواها العسكرية. فالفريق القلق هذا وجراء الصراع الدموي بين أمريكا وكيان يهود من جهة وإيران من جهة أخرى، كان في نهاية عام 2024م يركز على مجرد ضرورة تركيب أبواب حديثة للمنازل مؤلفة من حديد وذلك لحماية الممتلكات الشخصية من "اغتصاب بعض النازحين لها"، بينما في عام 2026م تعدى ذلك إلى "ضرورة" تحقيق "الأمن الذاتي" أو الفردي أو الأناني باستخدام السلاح الفردي كل على حدة عند حصول عملية سرقة أو نشل، وليس الحديث على أمن الأمة الإسلامية ككل وبما يحققه الشق العسكري منه. وتم تجيير الدليل الشرعي القاضي بقتل المعتدي على ملكية خاصة ولو كان سرقة والتركيز على ناحية فردية بحتة فيه لا ناحية الأمة ككل كما حصل مع شخص قام مؤخرا بإطلاق الرصاص على شخص دخل أرضه وهم بنشل دراجته النارية، ما عرض مطلق النار للاعتقال ومن ثم إخلاء سبيله تحت ضغط فريق ابتهج بما قام به. هذا وقد يكون الحكم الشرعي في صف مطلق النار نعم، لكن الحديث عن الأمن الفردي دون الحديث عن أمن الأمة الإسلامية وكيفية تحقيقه على أرض الواقع والسعي له عمليا يعد جريمة بحد ذاته. وهذا ليس للانتقاص من أهمية استرداد الحقوق وعدم السكوت عن المظالم، فالمظالم عبارة عن "قنابل متفجرة" لم تنفجر بعد أن صح التعبير. وإهمال المظالم واستساغتها جريمة كذلك. ومن هنا لا بد من الإقرار بأن فريقا للأسف قبل على نفسه أن يدفع بجزء من النازحين في الفتنة الطائفية مستغلا جهل بعضهم ودفعهم للاصطدام بأهل البلاد بشكل مباشر عبر السكنى في مدارس خاصة رغما عن مالكيها وتجاهل مفاعيل ذلك الأمر على المدى البعيد. كما أنه توجد فئة تقابلهم وتتمنى تدمير قرى النازحين على يد كيان يهود عن بكرة أبيها لاعتبارات طائفية وبغيضة وجاهلية. ويوجد فريق آخر يتحدث عن ضرورة الاحتكام للدولة في لبنان والتي سبق أن عرضت على كيان يهود باب التفاوض المباشر بدل إغلاقه كليا. نعم كان لتصرفات الكثير من الفرقاء (قبل اهتمام الدولة بملف النازحين مؤخرا) دور في الاصطياد بالماء العكر وتصوير بيئة النازحين وحزب إيران بأنها بيئة "سرقات" ومخدرات وكبتاغون و"أرجيلة" وغير ذلك، وهذا إن وقع فيه البعض فلا يصح تسويقه كحكم شمولي وإجمالي أي لا يصح اتهام بيئة النازحين كلها بذلك. وما يقوم به البعض من محاولة تسويق هذا فهو في حكم إثارة الطائفية البغيضة والعنصرية ولا يساهم في استرداد الحقوق لأهلها، وذلك لأن هذا الفريق أو ذاك لم يهتد إلى مبدأ الإسلام العظيم ورقيه في علاج المشكلات الطارئة. نعم إن افتقاد مشروع سياسي على أساس مبدأ الإسلام يجعل المرء في مرمى تحقيق أهداف الآخرين السياسية. ويساعد في إنشاء بيئة حاضنة قابلة للاستغلال من قبل كيان يهود وأمريكا على حد سواء وفي إعادة صياغة المشهد العام في لبنان بحسب المرجعية الفكرية الغربية أي النظام الرأسمالي لكن بطعم "طائفي مع بعض التعديلات" أو "ميثاقية معدلة". وقد قال أحد الوزراء السابقين في لبنان بما معناه أنه لا يرغب بوجود السوريين ولا الإيرانيين في صناعة القرار في لبنان، معبرا عن أحقاده الطائفية ونظرته لأي "ميثاقية معدلة" في لبنان بعد اليوم. وفي حال عدم تمكن أمريكا من تحقيق أهدافها ربما تفكر بحلول أشبه بحلول غزة من قبلها، أي إبقاء أهلها مجرد أرقام للقتل. حيث في غزة قامت بإعلان عن "مجلس للسلام" لم ير النور ولو بقيادة مجرمي الغرب، بل لم ير أهل غزة إلا آلة القتل على يد يهود حتى يومنا هذا. وهذا ليس ببعيد على أمريكا في لبنان. أما السردية التي ينبغي على حاملي المشروع الإسلامي التركيز عليه فهي كما أسلفت بأن الأمة الإسلامية كلها مستعمرة من شرقها لغربها وقضية الأمة اليوم هو تحريرها جميعها من قبضة الاستعمار الغربي وطرد القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية من البلاد الإسلامية وإلغاء كل مفاعيل سايكس وبيكو من تقسيمات بين الأمة الإسلامية على الأرض بحيث تصبح دولة واحدة من طنجة لجاكرتا. وتحريرها يكون أيضا بتغيير الدستور الوضعي فيها كلها لتحتكم إلى الشرع وحده ويكون المصدر الوحيد للتشريع لا المصدر الرئيسي فحسب. أما داخليا فيكون بدعوة الأمة لنبذ الوطنية والطائفية المحرمة شرعا والتمسك برابطة المبدأ الإسلامي الذي ينبثق عنه نظام متكامل لشؤون المجتمع ودعوة كل ظالم لإعادة الحقوق لأهلها ودعوة كل مظلوم للمطالبة بحقه الشخصي دون تردد والانتقال بعد ذلك لمحاولة أخذها بالقوة دون التعدي على ما سوى ما هو من حقه. من دون نسيان التذكير بأن الأمة عليها أن تعنى بالحق العام والواجب العام من محاسبة الحكام على تقصيرهم في تطبيق الأحكام الشرعية لا مجرد الحصول على حقوق خاصة وأنانية. وهذا ما يجب أن يكون هو أساس النظرة إلى الحكم حيث يجب إشاعة سردية وجوب الحكم بالإسلام وأن العلاقة بين الحكام والمحكومين هي طاعة مرتبطة بطاعة الحكام أولا والمحكومين ثانيا بطاعة الله ورسوله ﷺ وليست علاقة إجارة شخص لشخص آخر، أي هي لا تندرج في باب النظام الاقتصادي بل في باب نظام الحكم والبيعة الشرعية، وهي ليست علاقات مبنية على تفاهمات على إدارة مناطق حكم ذاتي أو مناطق طائفية كما هو حاصل الآن بناء على حسابات طائفية ومصالح دول إقليمية. ومن هنا فإن ذهاب فريق إلى "معراب" ليقدم "عربون الولاء" للحصول على كعكة ضمن نظام طائفي آخر بـ"ميثاقية معدلة للبنان" ولفريق آخر من الطائفيين يعد انتكاسة بل زلة للأقدام ويكشف بوضوح عن عدم اهتداء أهله لواقع المبدأ الإسلامي ولا أنهم تعلموا من أحداث التاريخ الحديث للبنان الذي لم تجره الدول الاستعمارية منذ عام 1860م إلا إلى حروب داخلية بحجة "ضرورة التدخل" بشؤون الأقليات داخل الدولة الإسلامية، وأدت إلى نشوء فريق من العملاء لدول الغرب سواء فرنسا وبريطانيا قديما أو أمريكا حديثا، وفريق آخر ارتضى الارتماء بأحضان ما هو أسفل من ذلك أي الارتماء في أحضان عملاء تلك الدول من حكام العرب والمسلمين في الإقليم. فنظام الإسلام الفريد له ميثاقه الذي يترك غير المسلمين وما يعتقدون، لكن في الوقت نفسه يترك التشريع ليكون لله وحده لا يشاركه فيه أحد. والمشروع السياسي للأمة لا ينبغي أن يكون على مقاس "لبنان ذات 10452 كم مربع والذي يأكل من مساحته كيان يهود ما يأكل"، بل مشروع الأمة الإسلامية ينبغي أن يكون على مقاس امتداد الأمة الإسلامية شرقا وغربا، هذا وقد تهيأت لها فرصة ذهبية للانقلاب على النظام الدولي والموقف الدولي والتصدر لقيادة العالم، خاصة بعد قيام أمريكا بهدم طاغوت "القانون الدولي" معنويا ومعه قوات الناتو ما يسمح بنوع جديد من العلاقات بين الدول مفادها ليس فرض "قوانين عضوية" ولا إعطاء امتيازات لدول دون أخرى كان يحصل في "نظام الفيتو" كما كان يحصل في الأمم المتحدة بل الانسحاب من الأمم المتحدة وبناء علاقات بين كل دولة على حدة مع دولة أخرى بما يتناسب مع مصالحها الحقيقية وبما يتلاءم مع المبدأ الذي تحمله حقيقة للعالم. وهذا الأمر يمنع تشكل أحلاف بين الدول ويقلل من فرص الحروب. ولئن لم تقم الدول الآن بالدعوة إليه فلا يبدو أن أحدا سيسبق الدولة الإسلامية بقيادة هذا الأمر في المعترك الدولي، هذا بعد أن تكون متجسدة في الواقع.
رابعا: الأحداث في سوريا:
أما أبرز الأحداث التي أعقبت اتفاقية وقف الحرب في لبنان نهاية عام 2024 فظهر بعد الاتفاقية بيوم واحد حيث باشرت القوى المسلحة المجتمعة تحت رعاية تركيا في إدلب من الوصول إلى دمشق خلال أقل من أسبوعين وهروب بشار. وذلك دون أن تكمل الطريق إلى القدس واجتثاث كيان يهود. أما قصة اندماج الفصائل والقوى المسلحة في سوريا فقد أخذت حظا وافرا من تاريخ الثورة التي بدأت تأخذ شكلا شعبيا منذ عام 2011م أي منذ انطلاقتها في درعا منذ أن كانت مجرد مطالبة أهل بعض الأطفال الاقتصاص ممن قام باقتلاع أظافر أولادهم بعد أن اشتبه في أنهم كتبوا عبارة "يسقط النظام" على جدران المدارس تأثرا بما شاهدوه من مشاهد في بلدان الربيع العربي كمصر وغيرها من مطالبات شعبية. وتطور الأمر ليصبح شعبيا بعد تراكم الظلم بدل إزالته ومقتل غيرهم من الأولاد على يد النظام ومطالبة الأهالي بنسيانهم بل "جلب أولاد جدد"! فأصبح القتل هو وسيلة النظام مع كل من يطالب الاقتصاص من الجناة، ودفع الجيش النظامي للاشتباك مباشرة مع الشعب وقتله والتمترس خلفه وقتله في حال لم يواجه الناس بأوامر النظام بإطلاق الرصاص على من في الشوارع. ما دفع الكثيرين لتشكيل فصائل بشعارات مختلفة وقيادات مختلفة، منها ما كان إعلانا للانشقاق عن الجيش النظامي ومنها غير ذلك، أي فصائل من خارج النظام أساسا، جمعها الإحساس بضرورة التخلص من حكم حزب البعث وحكم بشار قبل الحديث عن أي مشروع آخر قبل أن يصبحوا هم وأولادهم مشروع موت محقق وقريب. هذا الأمر جعل تلك الفصائل قابلة للتطويع من قبل كثير من الدول لأنها لم تتشكل على أساس رابطة المبدأ الإسلامي بل كان أغلبها مجرد قائم كردة فعل على أفعال النظام لا نتاج عملية فكرية على الأحداث والحقائق، فبقي الكثير منها على مجرد مطلب إزاحة شخص بشار لا تغيير بنية النظام وتوجهه العلماني إلى مشروع إسلامي راشد ومفصل. فدخلت الدول على خط كثير من الفصائل وبشكل واضح أي كل من بريطانيا وأمريكا وتلاميذها تركيا وآل سعود وقطر والإمارات، وسعت أمريكا في احتواء مطالب الثورة بحصرها في سردية ظلم الرئيس أو ظلم الحكم الديكتاتوري لحزب البعث عند قيام نظامه بعد عام 2011م، بأعمال المجازر ردا على المظاهرات الشعبية في مختلف أنحاء سوريا وحيث ترك مليشياته العسكرية تقوم باغتصاب النساء وقتلها والولدان بدم بارد والتخلص من الجثث بمقابر جماعية وقتل جزء منهم ببراميل متفجرة عبر طائرات حربية تستهدف أماكن سكن بأكملها في محاولة منه لإخماد الحراك القاضي بتغيير حكمه. وقامت أمريكا خاصة بحملات عبر مجلس الأمن الأمم المتحدة وبقرارات أصدرتها مثل قرار رقم 2254 بمحاولة محاصرة مطالب الثورة بما لا يتعارض مع مصالحها وبما لا يضر المبدأ الرأسمالي عبر حث جميع الدول التي أتاحت لها الدخول على الخط في سوريا، عن طريق التسليح والتمويل بضرورة المحافظة على النظام والمؤسسات الرسمية للدولة مع حصر المطالب بتغيير شخص بشار ومحاولة التوصل لمرحلة تسليم حكم انتقالية تشرف عليها الدول حتى لا تخرج جزئية عنها لا من ناحية المعلومات الاستخباراتية ولا أي ناحية متعلقة بتبعية القوى الفعلية والموجودة على الأرض عن المنظومة الدولية. وجندت أمريكا تلك الدول بأموالها للاستحواذ على ضعفاء النفوس في مراحل الثورة تلك خاصة بعد اشتداد حملة النظام البعثي بالقتل والتهجير. وعندما وصلت أمريكا إلى قناعة بوجود انبعاث توجه إسلامي عام واحتمال وصول الجماهير والحاضنة الشعبية في سوريا على وعي كامل على المبدأ الإسلامي عقيدة ونظاما، بمعنى احتمال وصول الجماهير والحاضنة إلى فهم متكامل للسردية التي تسقط الحضارة الغربية والنظام الرأسمالي وتجهز للحضارة الإسلامية في أرض الشام لتحرير البشرية قامت بتغيير خطتها كليا. فقد لمست أن الفئة الواعية كانت غير منخرطة بمشاريع الدول الإقليمية وأن الفئة الواعية استطاعت أن تقنع الحاضنة بوسائل مثل المظاهرات بضرورة نبذ العملاء المكشوفين للدول أي المجتمعين في عواصم خارج سوريا تحت إشراف الدول، سواء في جنيف أو الرياض أو سوتشي وأستانة أو غيرها. أي عدم الثقة بهم مطلقا. وفعلا استطاعت الفئة الواعية أن توصم أمثالهم بمختلف المسميات عند الجماهير مثل "ثوار الفنادق". وأن تقنع عموم الناس أن الدول الأخرى لا تريد مصلحة الناس عموما بل يهمها مصالحها بل هي من كانت تمد النظام البعثي بأسباب الحياة. وهذا ما لمسوه عندما قامت كلينتون من أمريكا بالتصريح بأنه لا ينبغي للنظام في سوريا استخدام الأسلحة الكيماوية على الناس في سوريا لقتلهم. فقد فهم الناس أن أمريكا تعطي ضوءا أخضر لبشار ليقوم بما يقوم به للتخلص من أية محاولة تحريرية حقيقية للأمة من قبضة الاستعمار الغربي ومنظومته الفكرية. وما أكد أنه كان في أعماق الناس وفي فهمهم لما يجري من أحداث هو مسمى إحدى الجمع الذي أطلقوه لمظاهرات عارمة بعد صلاة الجمعة في مختلف المناطق: "أمريكا: ألم يشبع حقدك من دمائنا؟"
نعم عندما أدركت أن الفئة الواعية في الأمة الإسلامية بدأت تقود الحاضنة الشعبية فقدت أمريكا أملها في أن يكون للنخب العلمانية المعلوفة التي تشكلت تحت عينها وبصيرتها أي دور في مستقبل حكم سوريا، سواء التي اجتمعت في إسطنبول أو الرياض تحت بصرها وثقافتها وتحت عنوان ضرورة اللجوء "إلى الدول الصديقة" ولو كان لها مسحة "إسلامية" خفيفة. فحاولت أمريكا الالتفاف على الحاضنة داخل سوريا عن طريق محاولة استعمال الفصائل المسلحة في وجه تلك الحاضنة أو عن طريق اختراق بعض الفصائل بشكل مباشر وتطويعها وفي بعض الحالات التخلص من الفصائل التي لم تقبل بأي ارتباط بالدول. فقد علمت بأن الفئة الواعية لم تكتف بقيادة الحاضنة الشعبية بل كانت تعمل لتوحيد الفصائل المسلحة وقيادتها على أساس المشروع الإسلامي. فقامت بتسخير الدول إلى جانبها في تصفية المخلصين من قادة الفصائل باغتيالهم في حال لم ينجح حزب البعث أو حليفه من العصابات الطائفية الموالية لإيران بذلك. ولا أدل على ذلك بأن كثيرا من الفصائل الكبيرة عددا أنشئت في دمشق واختفت عن المشهد في مرحلة مبكرة من الثورة. منها ما كان مخلصاً في توجهه الإسلامي ومنها ما كان غير ذلك سواء تهجر أصحابه إلى غوطة دمشق أو غيرها جراء الصدامات المتعددة مع النظام البعثي أو صدامات مع فصائل مناوئة على الأرض ومدعومة من دول أخرى أو مع فصائل طائفية تابعة لإيران كما أسلفت. أما الفئة الواعية فكانت على تواصل مع كل القوى وكانت مدركة لمخططات الغرب وأنه قد خسر المعركة الفكرية وأنه لم يعد بجعبته سوى القتل والاغتيال والمكر والاختراق الجسدي كما سيأتي. حيث إن الغرب ودوله الوظيفية بالإضافة للنظام البعثي تواصل مع جزء من أفراد الفصائل المسلحة في مرحلة مبكرة من الثورة بهدف استمالتهم للعمل معهم أمنيا من خلال دعم أفرادهم سواء بالسلاح أو بالمال. ولم يكتف الغرب بذلك بل لقد أعد عدته للفئة الواعية بجلب قوات عسكرية من سجون العراق وزرع بعض العملاء بينهم تحت مسمى "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" وتركهم يجولون في مناطق من الشام ليقوموا بالاستحواذ على مناطق شاسعة من الشام قرب حدود العراق ليكونوا جسما إضافيا في الاقتتال الجاري بين الفصائل وتشويه فكرة الدولة الإسلامية عبر نشر مقاطع لملثمين يقطعون أعضاء بشرية تعود لأفراد من جهات مناوئة. بحيث يوحون أن الدولة في الإسلام هي عبارة عن ملثمين مجهولي الهوية، بينما الفاعلون في تلك المقاطع هم في الحقيقة عبارة عن عملاء مأجورين لدول غربية ومشبوهة. وكان لفعلهم الأثر الأكبر في تغيير توجه الكثير من أهل الأردن من نصرة ثورة الشام جراء حرقهم لجثة الطيار معاذ الكساسبة ودهس جثته بعد ذلك بآلية عسكرية ما يطرح تساؤلات حقيقية عن ماهية هذا التنظيم. فتنفيذ أحكام الأسرى في الإسلام لا تجري على هذا المنوال ولو كان المأسور مرتكباً لأكبر الخيانات. هذا لا يعني أنه لا يوجد مخلصون في صفوف ذلك التنظيم لكن منبته ومؤسسوه مشبوهون منذ التأسيس سواء كأشخاص من حيث التعرف على حقيقة هوياتهم أو ماهية الدولة التي يعملون لصالحها مباشرة سواء أكانت واحدة أم متعددة. فكان لأمريكا دور في جلب هؤلاء من سجون العراق وتركهم يجولون في الشام بل وربما عصابات طائفية تابعة لإيران وحتى فلول حزب البعث في العراق التابعين لصدام دور في ذلك. لكن مع كل هذا المكر الدولي بقيادة أمريكا بقيت عموم الأمة في الشام ترى أن "عقر دار المؤمنين في الشام". وعندما أدركت أمريكا أن الفئة الواعية قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من جمع للفصائل المخلصة في الشام على مشروع سياسي إسلامي أي مشروع دستور دولة الخلافة وبمبايعة قيادة مخلصة، أي حزب التحرير، عبر إطلاق "ميثاق العمل لإقامة دولة الخلافة" وبالرغم من كل تشويش أوعزت به عبر إعلان وصنع "دولة خلافة" على غير حقيقتها على يد "تنظيم الدولة" في جزء من الشام، لجأت أمريكا إلى أسلوب مختلف وهو مطالبة الدول الثانية من الدخول بقواتها العسكرية إلى الشام. فعندما أدركت أمريكا أن الذيول الطائفية التابعة لإيران غير قادرة على مجابهة الفصائل الإسلامية المخلصة وأنها فشلت في التصدي لها قامت أمريكا بمطالبة روسيا بالتدخل العسكري المباشر لقاء أن تسكت أمريكا عن ابتلاع روسيا للقرم من أوكرانيا. فكان أن دخل عامل آخر في حسم التغير لصالح المنظومة الغربية والنظام الرأسمالي وهو إقناع الفصائل المسلحة بأنها غير قادرة على إسقاط النظام دون دعم دولة من الدول بسياسة العصا والجزرة - خاصة بعد إطباق الطائرات الروسية على مناطق الفصائل المسلحة وتدمير مناطق بأكملها - وقيام تركيا بدور الوسيط لدى أمريكا بالتفاوض مع جزء من تلك الفصائل لإعادتها إلى طاولة الحوار مع الدول بمسمى "عمليات المصالحة والهدن". فكان لسياسة العصا والجزرة - أي عصا روسيا وجزرة تركيا - نجاح عند أمريكا في دفع فريق من ضعفاء النفوس من الفصائل للقبول بما لم يقبلوه سابقا - أي الاحتكام إلى الأمم المتحدة ودول إقليمية وما يملونه من قرارات بمستقبل الحكم في سوريا والتسليح والدعم المستمر والتبعية - بعد أن عاهد جزء كبير منهم ألا يحكم سوريا إلا نظام الإسلام. فكان لتلك الفصائل أو قادتها الدور الأكبر في إعادة التموضع مع مصالح الدول (وتحديدا مع تركيا التي تدور في فلك أمريكا) بدل التموضع مع المبدأ الإسلامي. ما هيأ لفتح قناة تواصل مباشرة بين تركيا وتلك الفصائل وقامت بدعمها ماليا وعسكريا ومطالبتها بالتموضع الجغرافي في سوريا لكن على مقربة من حدود ما يسمى تركيا لتكون حاجزا منيعا إضافيا للحدود التركية الحديثة. فقد كان لتركيا مصلحة في تجيير تلك الفصائل وتوظيفها في قتال الأحزاب الكردية المسلحة منعا لإقامة أي دولة كردية تهدد تركيا على الحدود الكردية أو حتى داخل سوريا. وكان لتلك الفصائل القابلية في التطويع سواء وظفتها تركيا في الداخل السوري أو أعادت تموضع جزء منهم في ليبيا لحراسة مصالح تركيا هناك أو في أذربيجان أو غير ذلك. نعم كان لتغيير وسيلة أمريكا من الاعتماد على النخب العلمانية والشخصيات العلمانية التي تروج لها في عواصم خارج سوريا، إلى محاولة "ركوب" وتطويع الفصائل الإسلامية ومحاولة دفعها لتصبح في متناول أيدي الدول مثل تركيا الدور الأكبر للالتفاف على ثورة الشام والمشروع الحضاري لإقامة دولة إسلامية حقيقة تحرر أهل المنطقة. حيث أصبح جزء كبير منها يتلقى التعليمات مباشرة من تركيا. ولا أدل على ذلك من حاكم الشام الحالي - الذي انتقل من "تنظيم دولة العراق والشام" وكان في سجون العراق تحت أيدي أمريكا - ليقود فصيلا مرتبطا بـ"القاعدة" ويستقل عنه ليجعله سوريا على مقاس حجم الدولة الوطنية ثم يعود بناء على طلب تركيا المباشر منه بتغيير مسمى جبهته "جبهة النصرة لأهل الشام" إلى هيئة تحرير الشام بناء على تهديدات بأنه موصوم بـ"الإرهاب". وكان لتركيا دور في تجربة ولائه لها عندما سلمته زمام أمر المنطقة الحدودية مع تركيا قرب إدلب بالرغم من وجود قوات أخرى مناوئة له وتابعة لتركيا مباشرة من فصائل الجيش الحر. فقد شهدت تركيا في فصيله المسلح ما يطمئن تركيا وأمريكا معا - من محاولة دفع باقي الفصائل الإسلامية للتوحد تحت لوائه بدل التوحد تحت ميثاق إقامة دولة الخلافة وقيادة حزب التحرير. ووسيلته لم تكن النقاش بعد أن انتقلت الكثير من الفصائل جراء القصف الروسي على حمص إلى إدلب - بل كانت وسيلة هذا اللواء هي البطش (كما حال الدول) وقتل أفراد الألوية الإسلامية الأخرى كما حصل مع "حراس الدين" ومحاولة الاستحواذ على كل أسلحتهم وعتادهم. فكان دمجا مزيفا تقوده تركيا والمليشيات المسلحة التابعة لها والمدربة على أيديها مستخدمة بعض الشخصيات كحاكم الشام الحالي بغرض الخداع وتطويعها وإعادتها إلى حضن الدول. إضافة إلى ذلك فقد رأت تركيا أنه يمكن الاعتماد عليه بعد أن جربت "إدارته للمناطق المحررة" فيما سمي "حكومة الإنقاذ السورية" من عام 2017 إلى 2024م وذلك بالتعاون معها ومع شخصيات سياسية مدفوعة من قبلها من علمانيين تابعين لها مع "مسحة إسلامية". فكان جل همها في إدلب أن تحاول تطويع الفصائل الإسلامية تحت حاكم الشام الحالي لتقود عملية "البناء" أي صرف انتباه الناس والحاضنة عن المشروع السياسي ليلتهي الناس ببناء المجمعات التجارية وعدم الالتفات لخطر النظام في الشام ولا في تركيا من حيث محاولة عمل كل منهما على صياغة مستقبل البلاد بمرجعية من جنس المنظومة الغربية. فكانت تركيا تحاول دفع الحاضنة للقبول بالمصالحة مع النظام البعثي بل وفتح الحدود معه لتطبيع العلاقات معه، وقد جوبه كل ذلك من الفئة الواعية عبر حملات مخاطبة جماعية للحاضنة الشعبية سواء في إدلب أو الحدود التابعة لتركيا أو على الحدود الفعلية مع النظام البعثي منبها من خطر ذلك. وقد جعلت هذه الأعمال السياسية ظهر الفصيل التابع لحاكم الشام الحالي مكشوفا ولم يقف متفرجا على ذلك بل تصدى لشخصيات منها بالاعتقالات والخطف وبشكل مكرر لأنها تعرضت لما تخطط له أمريكا عن طريق تركيا. فكانت أمريكا تحرص أن تدير إيقاع مجريات الاقتتال ونفوذ الأطراف في الشام لصالح مشروعها من الهيمنة والمنظومة الغربية عن طريق الدول المختلفة، وقد تجلى ذلك في مضمون الاتفاقية التي سرت عام 2020م بين تركيا وروسيا بعد اجتماعهما بإيران - والتي كان محورها أن يكون دور لكل من الجيش التركي والروسي في المراقبة بل التدخل المباشر في حال تعدي أي من الفريقين (أي الفريق المحسوب على الفصائل الإسلامية والآخر المحسوب على الجهة الأخرى أي النظام البعثي) على خطوط تماس حدودية اتفقا عليها مسبقا قرب إدلب. ما يعني أن الفصائل كان يتم توجيهها تحت الحاكم الحالي لتكون موظفة عند تركيا لا غير - ومشروعها العلماني لحكم سوريا بحيث لا يشكل أي تغيير بنيوي في منظومة الحكم في تركيا وطبيعتها العلمانية والسائرة في فلك أمريكا. فقد كان لتركيا عامل زمن الوقت الطويل في تجربته في "إدارة إدلب" دور في تعويمه ليكون حاكم الشام الحالي عند حكام المنطقة وعند أمريكا - بعد أن رأت فيه قابلية فرض نفسه على الآخرين عبر فصيله المسلح على الأرض والذي استطاع أن يفرض المكوس على الناس في بقعة صغيرة كإدلب والقضاء (بمساعدة تركيا) على أي فصيل إسلامي مواز له وليتسنى له وحده (تحت رعاية تركيا) تمثيل جميع الألوية الإسلامية المنضوية والمجتمعة والمتبقية في إدلب. أما الثمن فكان طبعا التنازل عن تبني المنظومة الإسلامية الكاملة فكان هذا التنازل مقابل الحصول على اعتماد تركيا والدول للكرسي الجديد لا غير من دون أي أثر على الناحية التشريعية أو القانونية في البلاد التي ما زالت تحكم بموجب دستور وقوانين حافظ وبشار الأسد والاستعمار الغربي من حيث ترتيب البيت الداخلي والبيت الخارجي. ثورة تسلق عليها أشخاص ودول حرصا على عدم تغيير النظام البعثي تغييرا مبدئيا انقلابيا وذلك عبر تأمين جهات تشرف مباشرة على عملية تغيير شخص الحاكم والتأكد من أنه لن يغير بنية النظام وأسسه بل سيحافظ على أسس الحكم العلماني في الناحية التشريعية سواء داخليا أو خارجيا، أي إبقاء الشام تحت حكم القانون الوضعي الذي وضعه الاستعمار وتحت ما يسمى القانون الدولي الذي سبق أن لفظته أمريكا كما لفظت الناتو. وبشكل أدق ليكون تابعا للحكم العلماني في تركيا حيث اعتماد الحريات والنظام الديمقراطي وعقيدة النظام الرأسمالي كأساس للحكم لا الشريعة الإسلامية. أما ما تضمنه هذا العمل اللئيم من خطف لثورة الشام فقد كان من نتائجه اعتراف الحكم في سوريا بـ"لعبة" أو اتفاقية سايكس بيكو وحدود سوريا بموجبها واعتماد الرابطة الوطنية العنصرية بديلا عن الرابطة المبدئية الإسلامية واتخاذ الراية الوطنية الضيقة راية للدولة بديلا عن لواء الإسلام الجامع للأمة والذي تم به دخول المسجد الأموي يوم 8 من كانون الأول 2024م. وقد دفعت أمريكا الحكم الجديد في سوريا للقيام بأعمال التطبيع والتنسيق المباشر مع كيان يهود في ظل وجود احتلال للأرض المباركة فلسطين والجولان وحتى أجزاء إضافية من سوريا تم قضمها من قبل الاحتلال اليهودي بعد الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024م. لكن إن كانت لأمريكا وتركيا وكيان يهود الجولة الآن في الشام فإن الجولة القادمة ستكون للأمة الإسلامية. حيث إن الفئة الواعية ستعمل على سردية أن الأمة تستطيع الحكم بالإسلام الآن لكن ذلك محال بوجود منظومة سايكس وبيكو وبوجود دساتير علمانية المضمون. حيث إن الأمة لا تستطيع نصر أي قضية بمبدأ غير مبدئها فكيف بسجون الوطنية ودساتير الغرب؟ هذه المفاهيم التي أخرجت المسجونين ظلما من أهل سوريا من سجون رومية في لبنان وأعادتهم إلى ذويهم لكن أبقت على أهل لبنان منهم في السجون. فهل من سعى لإخراج أهل سوريا من تلك السجون أسس جبهته لنصرة أهل الشام حقا؟ أم تم إيقاعه في فخاخ الغرب من وطنية ومنظومة الغرب العلمانية؟ أم هو ومن معه رضوا بما هو أقل من منظومة الإسلام الكاملة مقابل كرسي معوج - كرسي لا يمنحهم لا تحرير أراضي الجولان وإعادتها إلى أرض "الوطن" ولا فرض القوات النظامية على أرض السويداء بسبب إملاءات كيان يهود ولا إنهاء حالة "قسد" بل العمل على دمجها في الجيش النظامي بإملاءات أمريكية وتركية! فضلا عن أن هذا الكرسي المعوج لا يسمح بتحرير الأرض المباركة فلسطين - حيث بدلا عن العمل على ذلك وقتال يهود وتحرير الأسرى المهددين بالقتل وتحرير المسجد الأقصى المغلق - نجد أن الصف الأول من "السياسيين" التابعين لتركيا يتوددون إلى ساسة كيان يهود ليرضوا ولي نعمتهم أمريكا مخافة أن تغضب منهم أو أن تعيدهم إلى عداد "الإرهابيين" بعد أن أزاحوهم منها "تحت التجربة". وقد وقعوا في الفتنة جراء دخولهم الرسمي في "التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب" مع أمريكا لقتال بعض من أهل الشام في أرض الشام وبمعاونة قوات أمريكية عسكرية - ما كان عندهم من "المحرمات" من قبل - لكنها الحياة الدنيا حيث لا يبقى فيها إنسان على حال إلا بتثبيت من الله. ولعل الأحداث القادمة في الشام وغير الشام وسير الأحداث عند قوى مختلفة من الأمة الإسلامية تدفع بالفئة الواعية لتتقدم الصفوف من جديد بسردية وجوب حكم الإسلام كاملا وبه وحده وبأمة إسلامية مترامية الأطراف لا بوطنية نتنة بل بأحكام الإسلام التفصيلية والدقيقة بدل حكم علماني وتابع لمشاريع تركيا وأمريكا وكيان يهود بعد أن يتم استنفاد الغرض منه من قبل أمريكا.
خامسا: الأحداث في الأردن وبلاد شمال أفريقيا وبنغلادش وباكستان:
بالرغم من تغير أشخاص بعض الحكام في بعض بلاد شمال أفريقيا بعد أحداث الربيع العربي نهاية عام 2010م ومنها مصر وفي بنغلادش عام 2024م لكن دون تغيير أي منهم في الأردن، بقيت المنظومة الغربية بمرجعيتها الفكرية وسرديتها هي من تتحكم بالمشهد العام. وحتى عبر النظام المتحكم الذي ركب الموجة وضحى بـ"شخص الرئيس" أحيانا مقابل إبقاء منظومة الحكم الرأسمالية والعلمانية التابعة للغرب والأخطبوط الأمني المربوط بأمريكا كما في مصر. وفي أحيان أخرى ضحى النظام القائم بشخص الرئيس لأن رئيسه أصبح في بعض الحالات عبئا على النظام العلماني كما في حالة الشيخة حسينة في بنغلادش والتي كانت تستهين بأرواح المدنيين والجنود على حد سواء فاستضافتها الهند بعد فرارها إليها. وفي بعض الحالات اضطر النظام العام لأعمال دعائية للمحافظة على سرديته عن "الاستقلال" المزعوم عن أمريكا كما حصل في باكستان عام 2025م بضرباته العسكرية حيث برزت قوته العسكرية ردا على الهند المجاورة وبها حاول كبح الفئة الواعية التي تحاول التأثير على أفراد القوات المسلحة ودفع باكستان إلى سردية الأمة الإسلامية ودولة الخلافة، وضرورة نصرة غزة بالقوات المسلحة لا بالدعاء ولا الأكل ولا بحماية كيان يهود بل القضاء عليه.
أما الفئة الواعية في بلاد الطوق ومنها مصر والأردن فعليها أن تركز على دفع سردية وحدة الأمة الإسلامية وبأن جيش مصر وبأن جيش الأردن قادر على قتال يهود بل على توحيد الأمة الإسلامية بمشروع سياسي متكامل من جنس مبدئها وذلك عندما يلتحمان أو يلتحم أحدهما بمشروع دولة الخلافة الذي يقوده حزب التحرير، فيصبح دورهم ليس حماية اتفاقيات خيانية كوادي عربة أو كامب ديفيد أو وضع حواجز على رفح تتيح ليهود الاستفراد بالأمة الإسلامية في غزة ولا يصبح دورهم حماية كيان يهود اللقيط وإسقاط المسيرات المنطلقة لضرب كيان يهود بحجة أنها "إيرانية" ولا حماية الاتفاقيات الأمنية مع أمريكا ولا أن يكونوا حراسا لجنود أمريكا ويهود بمسمى "مجلس السلام" بل يكون دورهم الزحف إلى كيان يهود المجاور وإنهاؤه عن الوجود وطرد أمريكا وبريطانيا من المنطقة مع طرد كل بضاعتها من علمانية وأنظمة ملكية وجمهورية وروابط وطنية ودساتير غربية وعلمانية.
الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة مقابل استراتيجية الأمة الإسلامية:
أما أمريكا فهي حريصة كل الحرص على تنفيذ استراتيجيتها الجديدة بعهد ترامب والتي نشرها في شهر تشرين الثاني من 2025م فكان أن باشر بتنفيذ الجزء المتعلق بمضيق هرمز ومحاولة تغيير ما يسميه "النظام الإرهابي" في إيران.
وفور اغتيال خامنئي عادت إيران لتقول كلمتها في أرض لبنان والعراق واليمن وكذلك فوق مضيق هرمز وفوق سماء كثير من دول الخليج بالإضافة إلى سماء سوريا والأردن والأرض المحتلة المباركة وذلك عبر أعمال انتقامية متعددة طالت بعض المسلمين كما طالت أفرادا من الجيش الأمريكي المحتل في بعض البلاد الإسلامية وأفرادا من كيان يهود وعتادهم العسكري كما تعرضت لبعض مصالح الدول الغربية وبعض مصالح المسلمين من نفط وغاز ولبعض من مصالح كيان يهود بالأرض المباركة. وكان ترامب الأرعن قد وعد بتغيير نظام إيران في غضون أربعة أيام في رمضان لكنه فشل وأي فشل.
ومقابل هذه الاستراتيجية الأمريكية، على أصحاب الفكر الإسلامي أن يعززوا من سردية أن قضية الأمة الإسلامية ليست مجرد تحرير الأرض المباركة فلسطين. فالموضوع لا يحصر لا بفلسطين وأهلها ولا حتى لبنان وأهلها أو الجزيرة العربية وحدهم ولا أهل إيران وحدهم بل بالأمة الإسلامية جميعها وسردية ضرورة إيجاد جيش إسلامي نظامي يعيد وحدة الأمة كلها وسيادة الشريعة على باقي النظم في الكرة الأرضية كلها، وتعزيز سردية أن الأمة الإسلامية كلها محتلة في هذه السجون "الوطنية" و"الأنظمة العلمانية" سواء بشكلها الجمهوري أو الملكي، ما يستلزم التحام المخلصين من أبناء القوى العسكرية سواء الملتحقين بجيوش نظامية أم غير ذلك، بمشروع سياسي مفصل للحكم بالإسلام وحده دون سواه. وهذا المشروع السياسي موجود لكن هو بحاجة إلى تبني شريحة أكبر وأوسع من الجماهير وأهل القوة من المسلمين. أما قوة المسلمين العسكرية فلا يشك في أنها متكافئة مع العدو من شاهد ما فعلته دولة واحدة فقط من بلاد المسلمين وهي إيران في عام 2026م من أعمال انتقامية ردا على مقتل خامنئي وردا على مقتل الصف الأول من رجال دولة إيران على يد أمريكا وكيان يهود، سواء عبر انتقامها بضربات مباشرة على كيان يهود وقتل بعض أفراد جيشهم أو على قواعد عسكرية أمريكية وبريطانية في الخليج العربي والشرق الأوسط. وأيضا من شاهد هروب قوات أمريكا من أفغانستان نتيجة لضربات المجاهدين هناك عام 2021م. لكن ليس باستطاعة إيران ولا أفغانستان ولا حتى باكستان ولا غيرها من القوى العسكرية في الشام وتركيا الخروج من عزلتها عن الأمة الإسلامية طالما أبقت على الروابط الوطنية والطائفية البغيضة. وطالما بقيت أسيرة في هذه الحظائر و"السجون" الفكرية فسيبقى الغرب بمنظومته الفكرية يعيد تشكيل المشهد بمبدئه الرأسمالي مستعينا بالحكام العملاء وما يتيحونه من احتلال عسكري للبلاد الإسلامية، منعا لقيام أي أمن ذاتي للأمة الإسلامية إلا ما يثيره الحكام وأحلافهم من حملات إعلامية كاذبة يتشدقون بها وهي لا تعدو أن تكون حملات أمنية لأسر الحكام وذويهم ومنافعهم الشخصية أي الحراسة الشخصية لا حراسة البلاد من هجمات عسكرية كما تأكد في ضربات إيران الأخيرة على دول الخليج العربي التي لم يتم التصدي لأي منها برد حقيقي معتبر من قوات تلك الدول. زد على تلك الحملات الإعلامية الكاذبة عن "أمن ذاتي" مشاركة دول الخليج بمناورات عسكرية قبل مقتل خامنئي، أي مشاركة دول الخليج العربي أو أغلبها في تنظيم تدريبات لقوات البلاد العسكرية تحت إشراف قوات الاحتلال ومشاركتها سواء أمريكية أو غيرها حتى يكون أفراد القوات المسلحة من أهالي البلاد وقوتهم الحقيقية تحت بصر الاحتلال المباشر وحتى لا يخرج أحد منها عما هو مرسوم له من الغرب وحتى يستمرئ الذل ويشاهده ويعتاده ويتملق الكفار المحتلين وينسى معاني العز وأحكام الشرع شيئا فشيئا التي تحرّم عليه وعلى أمته بشكلها الجماعي لا الفردي فقط موالاة الكفار ولإحباط أي محاولة تحريرية حقيقية في مهدها من أول الطريق عند ظهور بوادرها عند أفراد القوات المسلحة أو تشكيلاتها.
ضرورة الحذر من محاولات التوفيق بين الإسلام وغيره من النظم:
في خضم هذا الصراع يجب على المسلمين الحذر من أية محاولات لإعادتهم إلى المربع الأول والالتفاف على مشروع الإسلام الحضاري. وهذا يشمل عمليات تجميل الواقع المحسوس بمسميات مختلفة ومحاولة تصويرها بأنها إسلامية أو أنها تتماشى مع الإسلام. كمن يحاول تصوير الدساتير الغربية العلمانية بأنها "إسلامية المنشأ" ونسبتها إلى مذهب من المذاهب. وذلك ليتسنى للغرب بسهولة من زرع منظومته الفكرية وسرديته من جديد والتي تختلف في الأسس والتفاصيل عن الإسلام بشكل لا يخفى على أي عاقل كما يحصل مع من يروج لمشروبات "روحية" أي الخمر مع أن الخمر لا علاقة لها بالروح والروحانية أي ليس من شأنها تقوية العلاقة مع الخالق ولو حملت اسم "روحية". فالمهم هو مضمونها أي واقعها وليس اسمها فقط، أي واقعها وحكم الشرع فيها حقيقة. فمثلا لا مكان للدولة المدنية في الإسلام لأنها علمانية المضمون. ولو كان اسمها يوحي للبعض أنها محكومة من مدنيين وليس عسكريين. ولو كان كذلك يوحي لبعضها الآخر أنها مجرد دولة قائمة على قوانين تنظم حياة الناس دون تمييز. فكل الدول لها قوانين وما يميز دولة عن أخرى هي مرجعيتها الفكرية وأسسها. فالمصطلح ضبابي والأفضل تجنبه في أحسن الأحوال منعا من تجييره لسردية الغرب في الحكم. بالمقابل فإن الإسلام لا يحوي دولة دينية كذلك لأن حكامها بشر وليسوا ملائكة. بقي إذن أن الدولة في الإسلام بشرية لكن التشريع فيها لله وحده فتكون السيادة فيها للشريعة الإسلامية لا لأهواء البشر بمن فيهم الحكام. فملاحظة دقة المصطلحات أمر مهم ودورها في نشر السرديات على أنواعها وتوجهاتها الحقيقية حتى يتسنى بقاء هيمنة الإسلام. كما حصل مع سرديات الغرب العلمانية التي احتوت على مصطلحات كانت الغاية منها إلهاء الأمة عن معرفة سر نهضتها ودفعها لإرضاء الغرب وجعل جزء من الأمة تابعا لها كما حصل جراء استخدام مصطلحات "الإرهاب والاعتدال والتطرف والأصولية والتطرف العنيف وداعش والاندماج واحترام التنوع..." كما هي تحت ضغط الواقع ومخافة الوقوع تحت ظل مخالفتها دون التطرق للأهداف الحقيقية من ورائها، أي أهداف الدول التي أطلقتها في حصار الإسلام وحملة دعوته حول العالم وإبقاء سيادة هيمنة أفكار وأنظمة الغرب العلمانية في تنظيم المجتمع بدلا عن الإسلام. ولمنع الوقوع في حبائلها فلا بد من الباحث عن الحق أن يقوم بالتالي:
1- التزود بالثقافة الإسلامية واستحضار الأدلة الشرعية التفصيلية أي بذل مجهود شخصي في التعمق في كتب الحديث الشريف والسيرة النبوية والتفسير وعلوم التجويد والقرآن الكريم والحفظ منه ومن السنة النبوية ما أمكن من الأدلة التفصيلية.
2- التعمق في فهم الإسلام بوصفه منظومة متكاملة لشؤون المجتمع سواء السياسية والاقتصادية والاجتماعية مقابل منظومة الغرب العلمانية. وهذا يلزمه كذلك دراسة ما طرأ في العصر الحديث من أحداث على الأمة الإسلامية والكيفية التي قضى فيها الكفار على دولة الخلافة، والطريقة الشرعية والعملية لعودتها. ما يستلزم البحث والتنقية ودراسة كل ما اكتسب من علوم شرعية ومعرفة ما طرأ عليها من خطأ في الفهم أو النقل على سواء. وأضرب على ذلك مثال حديث رسول الله ﷺ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ». وإن كان حديثا متعلقا بأمر غيبي وليس بالمنظومة التشريعية المعنية، فإني ضربته كمثال لأن البعض أراد أن يفهم أن حرف الهاء في كلمة "صورته" عائدة إلى الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله من ذلك، لأن هذا البعض يريد تأييد بعض عقائد النصارى حول ألوهية عيسى عليه السلام بالرغم من أن كلام الله سبحانه وتعالى على النقيض من ذلك حسب ما جاء في صريح القرآن الكريم. فينبغي للمتعمق في حديث كهذا أن يعلم أن هناك محاولات تحريف للإسلام بشتى الوسائل وأن حرف الهاء في الحديث المذكور بالحقيقة عائد كضمير إلى آدم عليه السلام. أما المثال الثاني الذي أضربه فهو حديث أقرب لواقع المنظومة التشريعية فهو حديث نصه (كما يرويه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه) «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ ﷺ: إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَداً سَأَلَهُ وَلَا أَحَداً حَرَصَ عَلَيْهِ». فمنه من فهم أن الإسلام يأمر الناس باعتزال السياسة. وفهمه بشكل يتناقض مع مقتضيات ما قام به تكتل الصحابة في مكة من تحد لصناديد وقيادات وطريقة حكم قريش، وبشكل يتناقض مع أعمال كتلته ﷺ وعرض الرسول ﷺ نفسه على القبائل. وكل ذلك أعمال سياسية ثبتت بالسيرة النبوية وبالقرآن الكريم كذلك وهي أعمال لأخذ قيادة المجتمع. وبالتدقيق نجد أن الحديث المذكور ليس دعوة لاعتزال السياسة ولاعتزال رعاية شؤون الناس، ولا دعوة لترك الحكم ليكون بأيدي الكفار ولتكون كلمة الطاغوت والجاهلية هي العليا. وليس بحديث يظهر منه أي تناقض مع ما حصل من أحداث سياسية في سقيفة بني ساعدة إثر وفاة الرسول ﷺ من التنازع على ما يقود الأمة وما نتج عنه من نصب خليفة للمسلمين. بل عمل الأنبياء هو السياسة كما في الحديث الشريف: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ. قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ». أي هو أشرف عمل وهو قيادة البشرية على الحق لا الباطل. إذن يتبين أن الحديث عن تولية شخص يحمل على غير ما يفهم منه البعض. فالحديث عن جهاز دولة إسلامية قائمة وبشخص الرسول ﷺ، وليس دولة تحكم بأحكام الطاغوت. ما يستدعي وجود دولة تطبق الإسلام أساسا قبل الحديث عن تولية من عدمها. وهذا بالتأكيد يستلزم عملا لإيجادها في أرض الواقع بل طلبا لوجودها من أمة موجودة مكلفة بحمل رسالة الإسلام وتنفيذ أحكامها. فالحديث لا يعدو إلا أن يكون وصية للقائم على دولة الإسلام بألا يولي أحداً مسؤولية في الدولة بناء على تقدم أحد الناس إليه بخصوصها بل لمعرفة القائم على الدولة الخاصة بقدرات كل إنسان وأهليته لتلك المسؤولية آخذا بالحسبان تقواه وورعه الشخصي بالإضافة إلى كفايته في العمل المعين أو المسؤولية المعينة. فالتعمق في فهم الأدلة الشرعية واستظهار أدلتها وتمييز ما هو ضعيف من الصحيح منها هو أحد الأعمدة في بناء شخصيات إسلامية تقود الناس إلى المشروع الإسلامي الصحيح لا إلى مشروع عدوها العلماني. وما يساعد في أن يبلغ التعمق مداه حتى يكون مستنيرا هو التأكد من أن الثقافة المتبناة سواء أكان أدلة نصية أو فهما لتلك النصوص لا يتناقض بعضها مع بعض في أي جزئية، وقد حرص حزب التحرير على ذلك أيما حرص في ثقافته المتبناة - سواء أكانت كتبا يقوم بتثقيف الأفراد بها بشكل أسبوعي أو عبر نشراته المتعددة وأجوبة الأسئلة التي تصدر عنه في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو التعليمية أو ما تعلق بسياسة الدعوة والجهاد. وكانت تلك الثقافة مستنيرة إلى درجة أنه تم ربط كل فكرة جزئية أو فرعية (سواء أكانت من العقائد أم الأحكام الشرعية) بالأساس الذي انطلقت منه، أي تم ربط كل ذلك بالمفهوم الرئيسي للقيادة الفكرية الإسلامية ألا وهي "لا إله إلا الله محمد رسول الله". كما فعل كذلك مع كل ما يناقض المبدأ الإسلامي في أرض الواقع من أفكار ومفاهيم ومبادئ كالنظام الرأسمالي أصحاب مفهوم "الحل الوسط بين رجال الدين والكهنوت وبين علماء الكون في العالم النصراني" أو كالنظام الشيوعي أصحاب مفهوم "لا إله والكون مادة". لكنه لم يفعل ذلك ليؤكد على مضامين المبادئ المخالفة للإسلام، بل ليشرح واقعها وفلسفتها وكيفية انبثاق نظمها عن عقيدتها ونقضها وتبيان مخالفتها لحقائق الأمور أي عدم انطباقها على واقعها فضلا عن مخالفتها لرسالة الإسلام.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَىٰ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ * تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نزار جمال



