- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
باكستان أمام خيار: إما أن تحمل رسائل "الشرق الأوسط الجديد" أو أن تقود "كتلة الهلال الجديدة"
التاريخ لا يكافئ الأمم التي تحمل رسائل للآخرين، بل يخلّد تلك التي تغير التاريخ
مع إعادة تشكيل حرب أمريكا على إيران للشرق الأوسط وفق تصور أمريكا لـ"الشرق الأوسط الجديد"، تجد باكستان نفسها في دور مألوف لكنه مُقيّد: وسيطاً بين واشنطن وطهران. وقد احتفى كثير من الخطاب الداخلي بهذا التموضع الدبلوماسي، لكن اللحظة تفرض سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل تكتفي باكستان بدور ناقل الرسائل، أم يمكنها الارتقاء إلى مستوى رجل الدولة الإقليمي؟
غالباً ما تُحدِث الحروب صدمة في الأمم؛ فتدفعها إلى إعادة تقييم افتراضاتها، وتُربك انحيازاتها القديمة، وتفتح المجال لتفكير استراتيجي جديد. ومع ذلك، فإن استجابة باكستان لأزمة إيران وأمريكا تعكس قدراً من الحذر أكثر من الطموح والرؤية الجريئة. قد يمنح دور الوسيط حضوراً مؤقتاً، لكنه لا يترجم إلى نفوذ دائم. فالرسول يُسهِّل الحوار لكنه لا يحدد النتائج. ورغم أن النشاط الدبلوماسي الأخير زاد من ظهور باكستان، فإن الظهور ليس قوة استراتيجية.
أما فنّ الحكم فيبدأ باستقلالية التفكير، ويتطلب قيادة مستعدة لبلورة رؤيتها الخاصة، المنبثقة من احتياجاتها الأمنية ومصالحها الاقتصادية ونظرتها الحضارية، ورجل الدولة لا ينتظر أن تُسند إليه قوة عظمى دوراً، بل يحدد رؤية ليصبح قوة عظمى. ويشير موقف باكستان الحالي إلى تفضيل منفعة دبلوماسية قصيرة الأمد لواشنطن على الاستقلال الاستراتيجي، غير أن كونها مفيدة لقوة عظمى تبدو في تراجع لا يعادل امتلاك قوة مستقلة.
فما البديل؟ مشروع إقليمي جريء ممكن، إذ تتيح الظروف فرصة نادرة: فشلت أمريكا وكيان يهود في إخضاع إيران عسكرياً، وتبدو قيادات الخليج مُنهكة ومكشوفة، فيما تحتاج إيران إلى إعادة تأهيل ما بعد الحرب. تفتح هذه الظروف مجالاً لمبادرة إقليمية جديدة، إذا أظهرت دوائر صنع القرار في باكستان قدراً من الحنكة القيادية. وسيجدون حلفاء مستعدين في الخليج وإيران يشاركونهم الاستياء من سياسة زعزعة الاستقرار التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة.
يمكن وصف هذه الرؤية بأنها "كتلة الهلال"، لتحل محل إطار سايكس بيكو المتقادم الذي فُرض بعد الحرب العالمية الأولى. ويمكن إعادة تنظيم المنطقة على أسس سياسية وحضارية أكثر طبيعية، بعيداً عن الهيمنة الخارجية، بما يدمج الشرق الأوسط مع جنوب آسيا وآسيا الوسطى في فضاء استراتيجي واقتصادي أوسع.
قد يقوم هذا المشروع على ثلاثة أعمدة: أولاً، تكامل عسكري إقليمي قادر على مواجهة كيان يهود وضمان الأمن الجماعي. ثانياً، ممر طاقي يربط أسواق جنوب آسيا بموارد الخليج الغنية. ثالثاً، تكتل سياسي واقتصادي أوسع يمتد عبر الشرق الأوسط وجنوب آسيا وآسيا الوسطى.
ستكون إيران عنصراً مركزياً في هذا الإطار، لا فاعلاً معزولاً. ولن تعتمد كتلة الهلال على القواعد العسكرية الأمريكية لضمان الأمن، بل يمكن لدول مثل باكستان وتركيا ومصر أن تؤدي دور مزوّدي الأمن الصافي، ويفضل ضمن هيكل قيادة موحّد. كما ينبغي لهذا التكتل أن يدفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من الشرق الأوسط وإنهاء دعمها لكيان يهود، بما يغيّر المشهد الاستراتيجي.
سيجادل المشككون بأن هذه الطموحات غير واقعية، غير أن القيد الحقيقي ليس القدرة بل الخيال. تمتلك باكستان الامتداد الدبلوماسي والقدرة العسكرية والموقع الجغرافي الذي يؤهلها للعب دور أكبر بكثير مما تفعل حالياً؛ وما ينقصها هو الجرأة واستقلالية التفكير لدى القيادة.
وعليه، فالسؤال ليس ما إذا كانت باكستان قادرة على نقل رسالة أخرى بين واشنطن وطهران، بل ما إذا كانت قادرة على تقديم رؤيتها الخاصة. وفي أزمنة الاضطراب، إما أن ترث الأمم المستقبل أو تُسهم في صنعه، وعلى باكستان أن تقرر أي الطريقين تسلك. والخطوة الأولى لكل ذلك هي إقامة الخلافة الراشدة، الحاملة لمشروع حضاري واستراتيجي فريد.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد سلجوق – ولاية باكستان



