- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
خلفيات السياسة العسكرية الأمريكية تجاه منطقة الخليج
نفط الخليج العربي هو "كعب أخيل" الغرب ونقطة ضعفه
وجدت القوات الأمريكية موطئ قدم لها عام 1945م في قاعدة الظهران غرب الخليج، ثم في البحرين عام 1949م، ولم تكن تحلم بها ولا في الخيال، ما فتح شهيتها أكثر للوجود في منطقة الشرق الأوسط المضطربة. بعد خسارة بريطانيا مصر، وإعلانها مغادرة قواتها منطقة الخليج عام 1968م، شرع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في التسلل إلى إيران والسعودية فيما عُرِفَ بسياسة الركيزتين بذريعة مواجهة التوسع السوفيتي باتجاه المياه الدافئة. وقدمت أمريكا في عهد إدارتي نيكسون وفورد تسليحاً عسكرياً ضخماً لطهران بلغ 12 مليار دولار لما كانوا يهتمون بعلمانية محمد رضا بهلوي "على سيرة أبيه" ويسمونها ليبرالية. كانت أمريكا تعتبر إيران إحدى الدول ذات الأهمية الاستراتيجية القصوى في الشرق الأوسط.
لكن الحال اختلف بعد ثورة شباط/فبراير 1979م، وفشل إدارة كارتر بحماية محمد رضا بهلوي، ورحيله عن الحكم منتصف كانون الثاني/يناير 1979م، لصالح معارضيه الإسلاميين. كما فشل في إطلاق الرهائن الأمريكيين المحتجزين داخل سفارة بلادهم في إيران لأكثر من عام، على يد طلاب جامعيين في حزيران/يونيو 1979م. جمّد على إثرها كارتر أصول إيران المالية، وقطع العلاقات الدبلوماسية معها. حتى إنه وافق على القيام بعملية عسكرية لإخراج الرهائن من طهران، لكنها فشلت في إنقاذهم بعملية مخلب النسر، التي انطلقت من عُمان المجاورة، فقد اصطدمت طوافة بطائرة تزويد الوقود C-130، في صحراء طبس بمحافظة خراسان داخل إيران، ما أدى إلى مقتل 8 جنود، فخسرت إدارة كارتر الانتخابات الرئاسية 1980م.
قام الاتحاد السوفيتي أواخر كانون الأول/ديسمبر 1979م بإرسال قواته العسكرية إلى أفغانستان، لمنع تصدير الثورة إلى بلاد آسيا الوسطى "تركمانستان، أوزبيكستان، طاجيكستان، كازاخستان، قرغيزستان" الواقعة تحت سلطته، ما جعل المخططين الأمريكيين يشيرون على الرئيس كارتر بالانتشار في منطقة الشرق الأوسط مقترحين عليه الوجود في رأس ميناس في شبه جزيرة سيناء وعُمان والصومال.
وبما أنها قد حددت موقفها مسبقاً من اعتمادها على نفط الخليج، فقد ساد الذعر في واشنطن من ضياعه، وأفصحت إدارة كارتر عن خطتها تجاهه، مدّعية قلقها من وصول قوات الاتحاد السوفيتي منطقة الخليج، وما سينتج جراء ذلك، واختلق كارتر أعذار إغلاق المصانع وفقدان الوظائف وارتفاع معدل التضخم والتنافس العالمي على النفط، وخلص إلى جعل الخليج منطقة حيوية لأمريكا، بإعلانه المعروف لاحقاً بمبدأ كارتر، الملخص في خطاب ألقاه في 23 كانون الثاني/يناير 1980م الذي قال فيه: "فليكن موقفنا واضحاً تماماً؛ سوف يعتبر أي هجوم تشنّه أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي بمثابة هجوم على المصالح الحيوية الأمريكية، وسوف يتم التصدي لمثل هذا الهجوم بكل الوسائل اللازمة بما فيها القوة العسكرية".
بدأ بعده الحديث بين مسؤولي الأمن والعسكريين، حول تأسيس قوة عسكرية تسند إليها سرعة الوصول إلى الخليج، والحيلولة دون وصول غيرها. فقد فصل شهران، ما بين إعلان المبدأ وتشكيل القوات العسكرية، في 01 آذار/مارس 1980م، تشكيل قوات المهام المشتركة للانتشار السريع، بقيادة بول كزافییه كیلي، وجعل قيادتها في مبنى مول هيل "جحر الخلد" بقاعدة ماكديل الجوية التي شيدت في الخمسينات لتكون بمثابة غرفة لانتظار الأوامر ومركز قيادة قاذفات القنابل النووية التي تنتظر معركة هرمجدون!
جعلت أمريكا مصر نقطة عبور لقوات المهام المشتركة للانتشار السريع، التي بدأت منذ تشرين الثاني/نوفمبر 1980م، استخدام رأس ميناس، حيث تقدم كل سنتين قوات بحجم 6500 جندي لتقوم بمناورات فيها لمدة 20 يوماً. ولم تقف تدريبات قوات المهام المشتركة عند هذا الحد، فقد توسعت لتشمل خطط استخدام قنابل manpack النووية، التي تزن الواحدة منها 75 كجم كما في خطة كومر. كل ذلك من أجل إحكام السيطرة الأمريكية على نفط الخليج، ومعتمدة الحصول على دعم أنظمة الخليج في حشد وتجميع القوات والطائرات الأمريكية على أراضيها، يقترح 200 ألف جندي لتنفيذها، يجري نقلهم خلال شهر. فقد حصلت الحكومة الأمريكية على موافقة أنظمة الحكم في الخليج، ووقعت معها اتفاقيات تُسهّل لها القيام بأعمال عسكرية في الشرق الأوسط، عبر قوات المهام المشتركة للانتشار السريع، المخصصة للتدخل في الشرق الأوسط، التي صارت تحمل اسم القيادة المركزية "سنتكوم" منذ إدارة الرئيس ريغان.
بناءً على ذلك وضعت قوات المهام المشتركة للانتشار السريع خططها لضرب حصار أمريكي بحري على موانئ إيران كبندر عباس ومنوشهر، واحتلال جزيرة خرج الواقعة في مضيق هرمز "التي يتدفق إليها 96% من نفط إيران" إلى ناقلات النفط الأجنبية، واحتلال غيرها من مدن إيران خاصة الواقعة على سلسلة جبال زاغروس الممتدة من شمال غرب إيران على حدود تركيا، حتى مضيق هرمز. مع حساب أمريكا ردة فعل البلاد الإسلامية المتوقعة.
قبل أن يترك جيمس كارتر البيت الأبيض للرئيس الأمريكي الجديد رونالد ريغان، قام في 07 كانون الثاني/يناير 1980م بتوقيع أمر سري يجيز للبنتاغون استخدام القوة العسكرية لمنع إيران من إغلاق مضيق هرمز أمام صادرات النفط، ما يعني فتح الباب سراً وعلانية أمام تدخل أمريكا في منطقة الخليج.
لقد نُفِذَ الكثير مما وضع في خطتي بول كزافييه كيلي وكومر في حرب أمريكا لإخراج القوات العراقية من الكويت في العام 1991م، وفي حرب احتلال العراق في 2003م، وكذلك حرب احتلال أفغانستان في 2001م، مع استخدام قذائف اليورانيوم المنضب وغير المنضب.
وإن كان ما يفعله ترامب اليوم بقصد إخضاع إيران وجعلها تابعة لأمريكا، بعد أن كانت تدور في فلكها، إلا إنه ليس سوى مواصلة لمخططات وأعمال لسياسة أمريكية قديمة، تصب اليوم في الضغط على الصين عبر مصدر النفط الثاني القادم إليها، بعد وضع واشنطن يدها على نفط فنزويلا، لإجراء تسويات بينهما، بغية تفادي التأثير العاصف على الاقتصاد الأمريكي جراء الأزمة الاقتصادية القادمة، وإنقاذ الدولار ومعه النظام المالي العالمي من انهيار وشيك، جراء ما يزيد عن خمسة عقود من سياسة فصل الدولار عن الذهب.
تلك نظرة الولايات المتحدة لمنطقة الشرق الأوسط "المسلمة" الغنية بالنفط ولموقعها الاستراتيجي المتوسط للعالم، بغية وضع اليد والسيطرة عليها، ولو باستخدام الأسلحة النووية والحشد لمعركة هرمجدون، لتهديدها الحضاري للحضارة الرأسمالية، وخطورة أهلها على الحضارة الرأسمالية الغربية فيما يدّعون!
إن حُمَّى النفط جعلت أمريكا تظن أن بوسعها وضع اليد على حقول النفط حول العالم. فمن الخليج في ثمانينات القرن الماضي، شخصت أمريكا بأبصارها مع مطلع القرن الجديد نحو بحر قزوين، ثم مدت يدها على فنزويلا ومن يدري أين ستكون غداً؟!
إن حصة النفط الكبيرة تقع في بلاد المسلمين. وليس من اللياقة ولا السياسة انتزاعه عنوة. ألم يأن للمسلمين جميعاً أن يكون لهم رأس يتقون به ويقاتلون من خلفه؟ قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ». فسارعوا أيها المسلمون لتنصيبه ومبايعته تفلحوا وتفوزوا، ويهنأ العالم في ظلكم.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس شفيق خميس - ولاية اليمن



