- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
كوبا في مرمى أمريكا
على بُعد أقل من 150 كيلومتراً من السواحل الأمريكية، تقف كوبا؛ جزيرة صغيرة في الجغرافيا، لكنها كبيرة في رمزية الصراع السياسي بين أمريكا وخصومها التاريخيين. وبينما تتجه أنظار أمريكا إلى الملفات الكبرى مثل إيران والصين وروسيا، يظل الملف الكوبي حاضراً في الخلفية، كجرحٍ لم يلتئم منذ عقود من الحصار والعقوبات والعداء المبدئي.
ومع عودة الخطاب الأمريكي المتشدد، خصوصاً في الأوساط المرتبطة بتيار ترامب، يطفو سؤال استراتيجي: هل يمكن أن تتحول كوبا مجدداً إلى ساحة اختبار لقوة أمريكا في "حديقتها الخلفية"؟ أم أن أي تغيير في موازين النظام الدولي سيجعل من أي مغامرة في الكاريبي حقبة أكثر تعقيداً مقارنة بالحرب الباردة؟
بين ضغط اقتصادي خانق، وردع جغرافي حساس، وتحالفات دولية متغيرة، تقف كوبا في معادلة دقيقة؛ بين دولة صغيرة تحاول البقاء، وإمبراطورية عالمية تختبر حدود نفوذها. فقد ظلت العلاقات بين كوبا وأمريكا لعقود تقوم على الاحتواء والعقوبات أكثر من المواجهة المباشرة، إلا أن عودة الخطاب التصعيدي من أمريكا، خصوصاً في سياق نفوذ ترامب، أعادت طرح كوبا كخاصرة رخوة يمكن الضغط عليها، بعد ملفات أكثر سخونة مثل فنزويلا وإيران والصين وروسيا، رغم أن المشهد يبدو أعمق من مجرد استعراض قوة أمريكية.
لماذا تتجه أمريكا نحو التصعيد مع كوبا بعد إيران؟
منذ تبني مبدأ مونرو، تعتبر الولايات المتحدة أن أمريكا اللاتينية مجال نفوذ حصري لها، ووجود نظام معادٍ على بُعد أقل من 150 كيلومتراً من فلوريدا ظل دائماً يمثل عقدة جيوسياسية أمريكية. وقد تعمّقت هذه العقدة خلال الحرب الباردة، عندما دخل الاتحاد السوفيتي على خط دعم كوبا، لتصبح الجزيرة رمزاً للاستنزاف الاستراتيجي الأمريكي.
وفي حال انتهت المواجهة مع إيران إلى تهدئة أو تسوية أو حتى تصعيد محدود، قد تعود الإدارة الأمريكية إلى التركيز على الحديقة الخلفية، أي الكاريبي وأمريكا الجنوبية، خصوصاً مع تصاعد نفوذ روسيا والصين هناك. إذ تخشى واشنطن من تمدد هذا النفوذ، خاصة في ظل وجود تعاون استخباراتي وعسكري مع روسيا، واستثمارات صينية في البنى التحتية والاتصالات داخل كوبا، بما قد يجعل الجزيرة منصة مراقبة إلكترونية قريبة من الأراضي الأمريكية. وهو ما يفسر إصرار واشنطن على منع تحوّل كوبا إلى موطئ قدم استراتيجي لخصومها.
إلى جانب ذلك، هناك البعد الانتخابي الداخلي؛ فالتيار الجمهوري، خصوصاً المحيط المرتبط بترامب، يستثمر في أصوات الجالية الكوبية في ولاية فلوريدا. لذلك فإن التشدد تجاه هافانا لا يُفهم فقط كسياسة خارجية، بل أيضاً كورقة انتخابية داخلية.
كما أن خطاب ترامب المتكرر حول كوبا، واصفاً إياها بـ"الدولة الفاشلة"، يعكس رغبة في إحداث تغيير جذري في النظام الحاكم في هافانا. ويأتي ذلك في ظل أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها كوبا منذ عقود، مع نقص حاد في الوقود وتراجع الإمدادات، حتى باتت البلاد تعاني من شبه انقطاع في مصادر الطاقة. وبالتالي، فإن تهديد أمريكا يجمع بين استغلال الأزمة الاقتصادية والرغبة في تحقيق إنجاز سياسي واستراتيجي.
أوراق الضغط الأمريكية على كوبا
تمتلك أمريكا مجموعة من أدوات الضغط، أبرزها:
الحصار الاقتصادي: وهو الأداة الأهم منذ ستينات القرن الماضي، ويشمل عزلاً مالياً، ومنع الاستثمارات، وتقييد التحويلات البنكية، والضغط على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع كوبا.
الحرب المالية والنقدية: إذ تستطيع الولايات المتحدة خنق تدفق الدولار إلى كوبا، وتقليص السياحة الغربية عبر التحذيرات والعقوبات، إضافة إلى عرقلة القروض الدولية، في ظل اعتماد كوبا الكبير على السياحة والتحويلات والطاقة المستوردة، ما يجعل اقتصادها هشاً.
التأثير الإعلامي والسيبراني: تمتلك واشنطن أدوات إعلامية واسعة، وتستطيع دعم المعارضة والفضاء الرقمي الضاغط، وهو ما ظهر بوضوح خلال احتجاجات عام 2021.
ورغم ذلك، لا يعني هذا أن تحقيق الحسم أمر سهل، إذ قد تتعثر القوة أمام صلابة الواقع السياسي والاجتماعي داخل الجزيرة.
أوراق الردع الكوبية
رغم ضعفها النسبي، تمتلك كوبا أدوات ردع غير تقليدية، أهمها:
الجغرافيا السياسية الحساسة: أيّ اضطرابات كبيرة في كوبا قد تؤدي إلى موجات هجرة ضخمة نحو فلوريدا، ما يخلق فوضى بحرية وإنسانية، وهو سيناريو تخشاه الولايات المتحدة بشدة، كما حدث في تسعينات القرن الماضي.
الخبرة الأمنية والنظامية: يمتلك النظام الكوبي أجهزة أمنية متماسكة وخبرة طويلة في مواجهة الاختراقات، إضافة إلى بنية حزبية مركزية شديدة الانضباط.
التوظيف الدولي والتحالفات: رغم التراجع الاقتصادي، لا تزال كوبا قادرة على توسيع علاقاتها مع روسيا والصين، واستثمار حضورها في أمريكا اللاتينية. وأي تصعيد قد يتيح لموسكو وبكين استخدام الأزمة للضغط على واشنطن، وتحويل الملف الكوبي إلى ورقة استنزاف دبلوماسية، مع إمكانية حشد رأي عام لاتيني معادٍ للتدخل الأمريكي.
هل تتحول كوبا إلى مستنقع لأمريكا؟
إن البيئة اللاتينية تاريخياً معادية للتدخلات الأمريكية، وأي تدخل مباشر في كوبا قد يوقظ موجة قومية ويسارية واسعة في القارة، بما قد يؤدي إلى انفجار إقليمي غير محسوب. وبالتالي، فإن الكلفة السياسية لأي مغامرة عسكرية تبدو أعلى بكثير من مكاسبها المحتملة. وهو ما قد يدفع واشنطن إلى تفضيل أدوات الضغط غير المباشر: تشديد العقوبات، خنق الاقتصاد، الحرب الإعلامية والاستخباراتية، ودعم الاحتجاجات الداخلية، واستثمار الأزمة المعيشية.
في المحصلة، ترى أمريكا أن بقاء نظام معادٍ على بعد خطوات من سواحلها يمثل تحدياً استراتيجياً، بل وإهانة جيوسياسية لمفهوم "حديقتها الخلفية". لكن الأهم أن العالم اليوم لم يعد نسخة من الحرب الباردة؛ فالتشابك بين القوى الكبرى وتعدد مراكز النفوذ يجعل أي تصعيد مباشر محفوفاً بالمخاطر، تتجاوز حدود الجزيرة الصغيرة إلى كامل أمريكا اللاتينية، وربما إلى النظام الدولي بأسره.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



