- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
ما الذي يخفيه ترامب؟ وهل أُجبر على السلام مع إيران؟
في السياسة الدولية، لا تكون الحروب دائماً وسيلةً لتحقيق نصر عسكري حاسم، بل قد تتحول في أحيان كثيرة إلى أداة لإعادة ضبط موازين القوى وفرض شروط تفاوضية جديدة. ومن هذا المنظور يبرز سؤال جوهري بعد الاتفاق الأمريكي-الإيراني الأخير: إذا كانت الملفات التي اندلعت المواجهة بسببها ما تزال مفتوحة، فما الذي حققته واشنطن فعلياً؟ وهل كان الاتفاق تعبيراً عن انتصار استراتيجي أم مخرجاً اضطرارياً فرضته حسابات الداخل الأمريكي؟
عند بدء التصعيد، طُرحت أهداف واضحة تمثلت في منع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، وتقليص نفوذها الإقليمي، والحد من برنامجها الصاروخي، ودفعها نحو تغيير سلوكها السياسي. غير أن متابعة المشهد بعد إعلان الاتفاق تكشف أن أياً من هذه الملفات لم يُحسم بشكل نهائي. فالبرنامج النووي الإيراني لم يُعلن عن إنهائه، والقدرات الصاروخية ما تزال قائمة، والنفوذ الإقليمي لطهران لم يتراجع بصورة حاسمة، فيما بقيت الملفات الكبرى معلّقة بانتظار جولات تفاوضية لاحقة.
هذا الواقع يطرح سؤالاً مباشراً: إذا كانت الحرب أو الضغوط القصوى لم تحقق أهدافها المعلنة، فلماذا جرى الانتقال إلى اتفاق، ولو مؤقتاً؟
الإجابة لا تكمن في طهران وحدها، بل في واشنطن أيضاً.
فالسياسة الخارجية الأمريكية كثيراً ما تكون امتداداً لحسابات الداخل. فالرئيس الأمريكي، أياً كان، لا يستطيع تجاهل الاقتصاد، والرأي العام، والانقسامات السياسية الداخلية. ومع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، بدأت تتزايد المخاوف من انعكاساته على الاقتصاد العالمي، خصوصاً عبر ارتفاع أسعار الطاقة وما يسببه ذلك من ضغوط تضخمية داخل الولايات المتحدة. وهي ملفات شديدة الحساسية لأي إدارة سياسية.
إلى جانب ذلك، خرجت الولايات المتحدة من تجربتي العراق وأفغانستان وهي أكثر تحفظاً تجاه الحروب الطويلة والمكلفة. كما أن جزءاً من القاعدة السياسية الداعمة لترامب يتبنى رؤية تقوم على تقليص الانخراط العسكري الخارجي والتركيز على الداخل الأمريكي، ما يجعل أي تصعيد واسع مع إيران مغامرة سياسية عالية الكلفة.
من هنا يمكن قراءة الاتفاق الأخير بوصفه محاولة لاحتواء التصعيد وإدارة الوقت أكثر من كونه تسوية نهائية. فأمريكا تحتاج إلى تهدئة الجبهة الخارجية وتجنب استنزاف اقتصادي وسياسي قد ينعكس داخلياً، فيما تحتاج إيران بدورها إلى مساحة من الهدوء لإعادة ترتيب أوضاعها الاقتصادية والسياسية بعد سنوات من الضغوط المتصاعدة.
وبهذا المعنى، لا يبدو الاتفاق نصراً كاملاً لأي من الطرفين، ولا هزيمة حاسمة لأحدهما، بل أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة فرضتها توازنات القوة والظروف الداخلية للطرفين معاً.
لكن السؤال الأهم يظل قائماً: هل نحن أمام تسوية حقيقية أم مجرد تأجيل لجولة صراع جديدة؟
التجربة التاريخية تشير إلى أن كثيراً من الاتفاقات الكبرى بدأت كحلول مؤقتة لوقف التصعيد وفتح مسارات التفاوض. بعضها تطور لاحقاً إلى تسويات مستقرة، بينما تحوّل بعضها الآخر إلى مجرد استراحة بين جولات صراع أشد.
لذلك قد يكون من المبكر الحديث عن منتصر أو مهزوم في هذه المرحلة. فما جرى لا يبدو نهاية للأزمة بقدر ما هو انتقال من المواجهة المباشرة إلى ساحة التفاوض السياسي. أما الحكم النهائي على النتائج، فلن يتضح إلا مع ما ستسفر عنه المراحل اللاحقة من تفاوض، وما إذا كانت القضايا الجوهرية قد عولجت فعلاً أم جرى فقط تأجيلها.
إذا كانت الضغوط الداخلية الأمريكية قد أسهمت في دفع الإدارة الأمريكية نحو اتفاق مؤقت مع إيران، فإن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى الطرف المقابل؛ أي تلك الدوائر التي كانت ترى أن اللحظة مناسبة لحسم الملف الإيراني بصورة نهائية، وليس الاكتفاء بإدارة الأزمة.
ففي الصراعات الكبرى، لا يوجد اتجاه واحد داخل مراكز القرار، بل تتنافس رؤيتان دائماً: رؤية تميل إلى إدارة الصراع، وأخرى تسعى إلى إنهائه جذرياً. ويبدو أن الملف الإيراني يجسد هذا التناقض بوضوح.
منذ سنوات، تنظر قطاعات مؤثرة داخل المؤسسة الأمنية والسياسية في كيان يهود إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأبرز. ومن هذا المنطلق، لم يكن الهدف بالنسبة لهذه الدوائر مجرد احتواء البرنامج النووي، بل إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية بما يضمن لكيان يهود تفوقاً طويل الأمد.
ولهذا يعتقد عدد من المحللين أن بعض الدوائر في كيان يهود كانت تفضل استمرار الضغط إلى أقصى مدى ممكن قبل العودة إلى طاولة التفاوض، باعتبار أن إطالة أمد الاستنزاف قد تفرض لاحقاً شروطاً أكثر قسوة على طهران.
لكن المسألة لا تتوقف عند إيران وحدها. ففي الرؤية الاستراتيجية لأمريكا وكيان يهود، يُنظر إلى نفوذ إيران بوصفه جزءاً من منظومة إقليمية مترابطة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. وبالتالي فإن إضعاف إيران يُعد خطوة ضمن مشروع أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
ومن هنا برزت خلال السنوات الماضية مشاريع متعددة تحت عناوين مثل "الشرق الأوسط الجديد" أو "إعادة هندسة المنطقة"، والتي تشترك جميعها في هدف تقليص قدرة القوى الإقليمية الكبرى على تحدي النفوذ الأمريكي وكيان يهود.
غير أن هذه الرؤية تصطدم دائماً بعامل حاسم: الكلفة.
فإنهاء الملف الإيراني عسكرياً بشكل كامل ليس عملية محدودة النتائج، بل قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة، واضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، وتدخل قوى دولية أخرى، فضلاً عن استنزاف اقتصادي وعسكري قد يتجاوز قدرة الولايات المتحدة على الاحتمال في ظل التحديات العالمية المتصاعدة.
وهنا يظهر جوهر الانقسام داخل دوائر القرار؛ فريق يرى أن اللحظة التاريخية مناسبة لمواصلة الضغط حتى تحقيق تحول استراتيجي جذري في المنطقة، وفريق آخر يرى أن إدارة الصراع وتخفيف كلفته خيار أكثر واقعية واستدامة.
وقد يعكس الاتفاق الأخير، في جوهره، انتصاراً مؤقتاً للرؤية الثانية، لكنه لا يعني انتهاء الصراع بين الاتجاهين. فما تزال الملفات الأساسية مفتوحة، والأهداف الاستراتيجية لم تتحقق بصورة نهائية، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى هدنة سياسية منه إلى تسوية نهائية شاملة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: أي الرؤيتين ستفرض نفسها في المرحلة المقبلة؟ رؤية إدارة التوازنات والاحتواء، أم رؤية الحسم وإعادة تشكيل الشرق الأوسط من جديد؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل المنطقة لعقود قادمة، أكثر مما تحدده نتائج أي مواجهة عسكرية منفردة.
وفي خضم هذا المد والجزر قد تستفيق شعوب المنطقة وتنتفض على حكامها وتقلب الطاولة على المخططات الغربية، فتتحرك الشعوب الإسلامية تجاه قضاياها المصيرية وتسقط زمرة الحكام الخونة الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا، وتغير وجه التاريخ بإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي وعدنا بها رسول الله ﷺ.
فيا أبناء أمة الإسلام هُبوا إلى نصرة الدين وغذوا السير مع العاملين لإقامة دولة الخلافة، فإن الأجواء مواتية، ورياح الخلافة اقتربت، فاغتنموا الفرصة أن تكونوا من رجالها وأن تكونوا من المستخلفين لا من المستبدلين.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
نبيل عبد الكريم



