الخميس، 07 ربيع الأول 1448هـ| 2026/08/20م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الاستقلال الزائف: أكثر إنجازات الاستعمار سوءاً

 

 

لم يكن أكثر إنجازات الاستعمار سوءاً هو أنه احتل بلادنا، ونهب مواردنا، واستغل اقتصاداتنا لمصالحه، بل كان أكثر إنجازاته سوءاً أنه نجح، قبل أن يغادر بلادنا، في إقامة عالم كامل داخل أذهاننا؛ عقلية استمرت في الوجود بعد فترة طويلة من انتهاء الحكم الاستعماري رسمياً. انسحبت الجيوش، وأُنزلت أعلام الاستعمار، وظهرت وجوه جديدة في أروقة السلطة. ومع ذلك، بقيت الخريطة التي أنشأها الاستعمار. ولم تكن الخريطة وحدها هي التي نجت، بل نجت كذلك الأفكار والمصالح والهويات ونزعة التباعد المرتبطة بها.

 

وفي وقت من الأوقات، قُسّمت المناطق التي كانت تشكل جزءاً من كيان سياسي وحضاري إلى كيانات منفصلة بواسطة حدود رُسمت حديثاً. ثم حُوّلت هذه الحدود القومية من مجرد خطوط جغرافية إلى عناصر محدِّدة للهوية. وبالتدريج، ظهر جيل أصبح فيه الشخص الذي يعيش على الجانب الآخر من الحدود القومية، مهما كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً باللغة أو الدين أو الثقافة أو التاريخ "أجنبياً"!

 

واليوم، إذا بدأ مسلم ينظر إلى مسلم آخر، يشبهه في جوهره، باعتباره أجنبياً لمجرد أن الشخص الآخر يحمل جواز سفر مختلفاً، فيجب أن نسأل أنفسنا: هل يقتصر هذا الانقسام على الخريطة، أم أنه ترسّخ أيضاً في أذهاننا؟ لقد كان هذا هو الإنجاز المذهل للعبقرية الشريرة للاستعمار: فهو لم يقسّم الأرض فحسب، بل رسّخ ذلك التقسيم في أذهاننا أيضاً.

 

ثم أُنشئت مؤسسات منفصلة لكل دولة جديدة. وظهرت مصالح سياسية متميزة، وحُدّدت أولويات اقتصادية مختلفة، وبدأت روايات وطنية منفصلة في التشكل. وعزّز التعليم والإعلام والخطاب السياسي تدريجياً فكرة أن هويتنا الحقيقية تكمن داخل حدودنا، وأن حدود ولائنا تنتهي هناك! لقد كانت العملية خفية إلى درجة أننا بالكاد لاحظناها. وهنا حقق الاستعمار أكثر إنجازاته سوءاً.

 

إن الاحتلال الأجنبي مرئي، أما الاحتلال العقلي فليس كذلك. فعندما يتمركز جيش أجنبي في بلد ما، يكون الخضوع واضحاً. فزيّ الجندي المحتل وعلمه وأوامره تذكّر الناس باستمرار بأنهم ليسوا أحراراً. لكن عندما يبدأ النظام نفسه في العمل من خلال المؤسسات المحلية، والسياسة المحلية، واللغات المحلية، والشعارات المحلية، يغيّر الظلم مظهره. وعندها تبدأ العبودية في الظهور كأنها استقلال! ولهذا فإن الاستقلال الحقيقي لا يعني ببساطة أن الجنود الأجانب غادروا أرضنا. كما أنه لا يعني مجرد إنزال علم ورفع علم آخر.

 

وإذا كانت القرارات تُتخذ من جانبنا، لكن الأولويات والمعايير تعود إلى شخص آخر؛ وإذا كانت المؤسسات مؤسساتنا، لكن اتجاهها يُحدَّد في مكان آخر؛ وإذا ظل اقتصادنا مرتبطاً بمصالح القوى الأجنبية وشروطها؛ وإذا ظل نظامنا التعليمي منفصلاً عن أولوياتنا الحضارية الخاصة؛ وإذا ظل تفكيرنا السياسي محصوراً داخل مفاهيم صُممت أصلاً لتقسيمنا، فعلينا أن نسأل أنفسنا سؤالاً صعباً: هل أصبحنا مستقلين حقاً، أم أننا غيّرنا حكامنا فحسب؟

 

إن المرحلة الأولى من الاستقلال الحقيقي هي تحرير العقل. ويبدأ الاستقلال الحقيقي عندما نتوقف عن مجرد الإجابة عن الأسئلة التي يسلّمها إلينا الآخرون، ونبدأ في طرح أسئلتنا الخاصة. ومن أجل الاستقلال الحقيقي، يجب علينا أن نحدد:

 

- ما هويتنا؟

- أين تكمن مصالحنا الجماعية؟

- ما الذي يحدد أولوياتنا ومعاييرنا؟

- ما الغرض الذي ينبغي أن يخدمه اقتصادنا؟

- لمن ينبغي أن تمثل سياستنا مصالحهم؟

- ما التصور للإنسان الذي ينبغي لتعليمنا أن ينمّيه؟

- ما المعيار الذي ينبغي أن نحكم به على قراراتنا السياسية؟

 

لأنه إذا لم نتخذ قراراتنا بأنفسنا، فسيتخذها شخص آخر حتماً. وإذا لم نحدد أولوياتنا بأنفسنا، فسيحددها شخص آخر نيابةً عنا.

 

إن أخطر شكل من أشكال العبودية هو ذلك الذي لا يعود فيه العبد قادراً على رؤية قيوده. ومأساة العبودية في العصر الحديث هي أنها لا تأتي وهي ترتدي القيود. فأحياناً تأتي في صورة الدَّين؛ وأحياناً باسم المصلحة المشتركة؛ وأحياناً مصحوبة بوعود التنمية؛ وأحياناً تحت راية الضرورة العالمية؛ وأحياناً من خلال تحولها إلى جزء من طريقة تفكيرنا نفسها.

 

إن استقلال أرضنا مهم، لكن استقلال أذهاننا أهم بكثير. فالعقل الذي تعلّم حتى معنى الحرية من آسِره قد يستمر في اتخاذ قرارات كالعبد، حتى على أرض حرة، وقد يستمر في التفكير داخل الإطار نفسه الذي صُمّم لإبقائه خاضعاً. وسيعاني الاستعمار أكبر هزيمة له في اليوم الذي لا نجد فيه الشجاعة لتجاوز الحدود القومية المصطنعة التي أنشأها فحسب، بل نجد أيضاً الشجاعة لكسر حدود العقلية التي تركها وراءه.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعد معاذ – ولاية باكستان

 

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع