الأحد، 14 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/10/25م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

زيارة روبيو إلى سمرقند

سلسلة الاستعمار التي تبنيها أمريكا في آسيا الوسطى من المعادن الحيوية إلى عبر الكاسبي

 

 

تبني أمريكا في آسيا الوسطى، بين الهيمنة الاقتصادية والبنية التحتية للصين والسلطة الأمنية ومجال الطاقة لروسيا، فخاً متصلاً بذاتها للواردات والموارد والمال والتكنولوجيا والنقل. وتشكل المعادن المهمة والحيوية القاعدة الموردية لشبكة الاستعمار هذه، بينما تعتبر مؤسسات أمريكا المالية هي السند المالي لها، والشركات الخاصة أداة للغزو، وممرّ النقل الدولي العابر لبحر قزوين الشريان الخارجي الذي ينقل ثروات المنطقة إلى الدول الغربية.

 

وفي 2026/10/19، التقت في سمرقند آليات هذا الفخ الذي بُني ببراعة على مدى سنوات في نقطة واحدة. حيث شارك وزير خارجية أمريكا روبيو في الاجتماع الوزاري بصيغة "C5+1"، كما عُقد الحوار الاستراتيجي بين أوزبيكستان وأمريكا واجتماع مجلس الأعمال والاستثمار الأمريكي الأوزبيكي. ووفقاً للمعلومات، فقد تم تشكيل 54 اتفاقية بقيمة تقارب 12 مليار دولار قبل انعقاد المجلس. وتم تسليم الاتجاهات ذات الأولوية للمستثمرين الغربيين، بما في ذلك استخراج واستغلال المعادن المهمة والمعالجة العميقة لها، والمنتجات عالية التقنية، والطاقة، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الرقمية.

 

وتعمل واشنطن على إعداد هذه الساحة خطوة بخطوة منذ عام 2015. فمنذ إعلان "C5+1" الأول المقرَّر في سمرقند، تم تحديد التجارة الإقليمية، والنقل والاتصالات، والترابط في مجال الطاقة، وتطوير القواعد المشتركة، وتوسيع العلاقات التجارية والاستثمارية مع أمريكا. وهذا يعني أن صيغة "C5+1" لم تكن منذ البداية مجرد منصة للحوار الدبلوماسي فحسب، بل تُستخدم كأداة لتحويل آسيا الوسطى إلى مساحة اقتصادية مترابطة لصالح القوى الرأسمالية الخارجية والتجارة الغربية.

 

وفي عامي 2023-2024، انتقلت سياسة التبعية الاقتصادية العامة هذه إلى الموارد الاستراتيجية. ففي قمة عام 2023، أُعلن عن مبادرة حوار المعادن الحيوية لـ(C5+1 Critical Minerals Dialogue)، وعُقد اجتماعها الأول في 8 شباط/فبراير 2024. وربطت وزارة الخارجية الأمريكية ذلك بدمج آسيا الوسطى في سلاسل التوريد العالمية للمعادن الحيوية. وفي أيلول/سبتمبر 2024، وقعت أمريكا وأوزبيكستان مذكرة تفاهم منفصلة بشأن المعادن الحيوية.

 

وهنا، فإن الهدف الجيوسياسي الرئيسي والصريح بالنسبة لأمريكا هو سياسة كبح جماح الصين (المواجهة) على الساحة العالمية وفي آسيا الوسطى. وفي كلمته الرسمية التي ألقاها في سمرقند، صرّح ماركو روبيو علانية: "تسعى الولايات المتحدة جاهدة للحد بشكل حاد من الاعتماد على الشركاء الأجانب غير الموثوق بهم لضمان أمن صناعاتها الاستراتيجية وسلاسل التوريد الخاصة بها". وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن أكثر من 80% من معالجة العناصر الترابية النادرة والمعادن الحيوية في العالم اليوم تخضع لاحتكار الصين، فإن زيارة وزير خارجية أمريكا لسمرقند برفقة أكثر من 300 من كبار المدراء التنفيذيين الأمريكيين والمطالبة بالسيطرة على المعادن ليس مجرد "استثمار"، بل هو عملية لحصار الصين جيوسياسياً على أعتاب شينجيانج (تركستان الشرقية) والحد من احتكارها للمواد الخام. إن مكان العثور على النحاس والتنغستن واليورانيوم والموليبدينوم، ومن يمولها، وأي سوق تدخلها؛ هو مركز الحرب الجيوسياسية الشرسة بين أمريكا والصين.

 

في 16 حزيران/يونيو 2026، أطلقت مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC) منصة استثمارية مشتركة مع أوزبيكستان. وضعت المنصة مجالات الطاقة والبنية التحتية والمعادن الحيوية والنقل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ضمن قائمة القطاعات ذات الأولوية. ووصف معهد (DFC) منطقة ممرّ النقل الدولي العابر لبحر قزوين بأنها "أكثر الممرات الاقتصادية استراتيجية في العالم"، معلناً صراحة أن المنصة الجديدة ستوسع سلاسل التوريد الأمريكية. إن تمويل (DFC) ليس مجرد رأس مال تجاري عادي، بل إنه بصفته مؤسسة الاستثمار الخارجي لأمريكا، يخدم أهدافها الجيوسياسية والاستعمارية. حيث تُفتح الساحة السياسية عبر صيغة C5+1، ويوفر بنك التصدير والاستيراد الأمريكي (EXIM) ومؤسسة (DFC) الفرص المالية، بينما تتغلغل الشركات الأمريكية الخاصة في مجالات التعدين والمعالجة والتكنولوجيا واللوجستيات.

 

أما B5+1 فهي أداة للتسلل والتغلغل في القواعد وبيئة الأعمال. وتُطلق غرفة التجارة الدولية والمشروعات الخاصة (CIPE) عليها الموازي التجاري لصيغة C5+1، وفي برامج عام 2026، تم إعداد أجندة أعمال إقليمية في قطاعات مثل النقل واللوجستيات، والقطاع المصرفي والمالي، والتجارة الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات، والمعادن الحيوية، والزراعة. ومن خلال ذلك، يجري الحد من الحواجز التجارية وتكييف القواعد بما يتوافق مع مصالح أمريكا. إن دخول الشركة الأمريكية لا ينتهي بعقد واحد فحسب، بل إن البيئة الجمركية والنقل والمصرفية والاستثمارية تُعاد صياغتها بالكامل. ونتيجة لذلك، يتم تحويل خمسة بلاد إسلامية منفصلة إلى مساحة واحدة غير محمية لصالح رأس المال الأمريكي الخاص.

 

وفي 16 تشرين الأول/أكتوبر، افتتحت شركة "Traxys" الأمريكية أول مكتب إقليمي لها في آسيا الوسطى بالعاصمة طشقند. وتمت مناقشة مشاريع مشتركة لمعالجة المعادن المهمة معالجة عميقة واعتماد تقنيات أمريكية لإنتاج منتجات صناعية ذات قيمة مضافة عالية. وتنشط هذه الشركة في مجالات شراء المعادن، والمعادن الحيوية، وتمويلها، وتنظيم لوجستياتها، وتسويقها. وإن هذه السلسلة تربط موارد آسيا الوسطى بالاحتياجات الاستراتيجية الخارجية؛ ومن هذا المنظور، تظهر كآلية اقتصادية ذات طابع استعماري: حيث يُستخرج المعدن، ويُعالج بناءً على التقنيات الأمريكية، ويُموّل، ويُصدّر إلى الأسواق الخارجية، ويرتبط بسلاسل التوريد الضرورية للأمن القومي والصناعة الأمريكية!

 

أما المفاوضات مع شركة "Wabtec"، فقد ربطت قطاع النقل بهذه الموارد وسياسة كبح جماح الصين. ففي 19 تشرين الأول/أكتوبر، وبمشاركة المؤسسات المالية الأمريكية، جرت مناقشة توريد القاطرات، وتقديم الخدمات، وإنشاء مركز خدمة لآليات المحاجر في شركات التعدين. إن السيطرة المتزامنة على استخراج المعادن والبنية التحتية للسكك الحديدية تؤكد أن الموارد واللوجستيات تسيران ضمن سياسة استعمارية موحدة. فالأرض لا يمكن أن تكون مصدراً توريدياً استراتيجياً للمعدن المستقر تحتها فقط، بل إن الأمر يتطلب طريقاً ينقله إلى المراكز الصناعية والأسواق الغربية.

 

ولهذا السبب، أصبح ممرّ النقل الدولي العابر لبحر قزوين الشريان الجيوسياسي الرئيسي وسياسة واشنطن الأساسية. يربط ممر عبر القوقاز آسيا الوسطى بالغرب عبر بحر قزوين وأذربيجان وتركيا. ويُشكل هذا الممر التجاري ضربة جيوسياسية قاسية وفي الوقت نفسه للمسار الشمالي لروسيا ولمشروع "حزام واحد، طريق واحد" الصيني. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال تشغيل هذا الممر، إلى السيطرة على الطرق التجارية التابعة لبكين والتي تمتد عبر آسيا الوسطى للوصول إلى أوروبا، وإضعاف السلاسل الصينية التي تهيمن على المنطقة قدر الإمكان.

 

تخترق الولايات المتحدة منطقة تُعتبر فيها الصين متغلغلة بصفة عميقة نسبياً من الناحيتين الاقتصادية والبنية التحتية. ففي 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وأثناء زيارة رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ إلى طشقند، أُعلن أن محفظة المشاريع المتفق عليها بين أوزبيكستان والصين بلغت 60 مليار دولار، وتم إنشاء أكثر من 6 آلاف مشروع مشترك. لقد بنَت الصين موقعاً راسخاً في قطاعات الطاقة والجيولوجيا والتعدين والتقنيات الرقمية. وفي المقابل، تقوم واشنطن في الميدان ذاته ببناء شبكة من الموارد والمال والنقل تكون بديلاً ومناقضاً لبكين. وعندما سُئِل ماركو روبيو عن تأثير الصين، وصف ذلك صراحةً بأنه منافسة.

 

أما موقع روسيا فيعتمد على الأمن وهجرة العمالة والطاقة. ففي 4 حزيران/يونيو 2026، أعطى ميرزياييف وبوتين إشارة البدء لبناء محطة للطاقة النووية في أوزبيكستان. وبذلك، تشكلت ساحة التنافس بين القوى الثلاث: حيث تستحوذ الصين على المنطقة بالتجارة والديون والبنية التحتية؛ وتهدد روسيا بالأمن والطاقة؛ بينما تمارس أمريكا سياسة نشر شبكتها الاستعمارية من خلال المال العالمي، والمعادن الحيوية، وممرّ النقل الدولي العابر لبحر قزوين سواء بشكل مباشر (عبر الزيارات الدبلوماسية والضغط السياسي للمسؤولين مثل ماركو روبيو)، أو بشكل غير مباشر (عبر الأنظمة التابعة وشركاتها مثل تركيا واليابان والهند وكوريا الجنوبية)!

 

إن الهدف الحقيقي لواشنطن هو تحويل آسيا الوسطى إلى مساحة اقتصادية مستقلة تابعة لرأس المال الأمريكي وسلاسل التوريد الخاصة به، وجعل المنطقة رأس جسر (منصة) جيوسياسياً ضد الصين وروسيا! وهم يمارسون هذه السياسة تحت أقنعة جذابة ومزيفة مثل "الاستثمار" و"فرص العمل" و"المنفعة المتبادلة". بينما تحاول أنظمة آسيا الوسطى الحصول على مساحات للمناورة من خلال منافسة القوى الكبرى. غير أن زيادة عدد السادة الخارجيين ليست استقلالاً! فبدلاً من الاعتماد على مركز خارجي واحد، تنشأ التبعية لقوى خارجية متعددة. وإذا ارتبطت المعادن والتكنولوجيا والمال واللوجستيات بالخارج، تصبح سيادة البلاد مجرد شعار أجوف.

 

يدور الصراع حول تحديد أية قوة استعمارية سترتبط بها معادن المنطقة وصناعاتها وطرق نقلها ضمن شبكتها الاستراتيجية، ومن منها سيستبعد منافسه. إن القوى الاستعمارية مثل الصين وروسيا وأمريكا تقتسم ثروات الأمة وبلادها فيما بينها. وفي الإسلام، ليست الموارد الاستراتيجية لبلاد المسلمين، كاليورانيوم والنحاس والتنغستن وغيرها، قاعدة للمواد الخام تخدم اقتصاد تلك الدول أو سياسة كبح جماح بعضها بعضا، بل هي ملكية عامة! وفي الإسلام، يجوز استخدام التكنولوجيا والتجارة مع الدول الخارجية، لكن منافع رأس المال الخارجي والقوى الكافرة لا تُجعل معياراً للسياسة الاقتصادية.

 

وفقاً لأحكام الإسلام، لا يجوز شرعاً تسليم ثروات المسلمين وطرقهم لسلطة القوى الكافرة ولصراعاتها المتبادلة. قال الله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾. إن الحل الوحيد والمستقل والحقيقي لبلاد المسلمين ولشعوب آسيا الوسطى هو دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. فالخلافة تُوحِّد المعادن والصناعات والطاقة وإمكانيات النقل المتفرقة لبلاد المسلمين تحت إرادة سياسية إسلامية واحدة. ولن تبقى الثروات الاستراتيجية الهائلة لآسيا الوسطى مجرد مواد خام في ألعاب أمريكا ضد الصين، أو روسيا ضد أمريكا، بل ستُسخَّر لبناء الصناعات الثقيلة والقوة العسكرية والاقتصاد المستقل للأمة ذاتها.

 

إن السؤال الأساسي والصحيح ليس سؤال التبعية القائل: أيُّ دولة استعمارية تجلب استثمارات أكثر وأيُّها أقوى؟ بل إن القضية الأساسية تكمن في هل تُسلَّم ثروات المنطقة للأنظمة الاستعمارية والجيوسياسية للقوى الغازية الخارجية، أم تُحوَّل في ظل الخلافة إلى قوة اقتصادية وسياسية مستقلة للأمة ذاتها؟!

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

صلاح الدين الأوزبيكي

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع