- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
أزمة الحضارة الغربية وغياب البوصلة الإنسانية
إن ما تشهده المدن الأوروبية من احتجاجات واسعة على غلاء المعيشة، وما يرافقها من أعمال شغب واضطرابات مجتمعية، يكشف جانباً من الأزمات العميقة التي تواجه الحضارة الغربية. فخلف واجهات المدن البراقة، وناطحات السحاب، ومظاهر التقدم التكنولوجي والاقتصادي، توجد مجتمعات تعاني من ضغوط المعيشة، واتساع الفجوات المجتمعية، وفقدان الأمان والاستقرار لدى شرائح واسعة من الناس. واللافت للنظر أن حضارة استطاعت أن تبلغ هذا المستوى من التقدم المادي، ما زالت عاجزة عن معالجة كثير من الاختلالات المجتمعية والاقتصادية التي تمس حياة الإنسان وكرامته.
وهنا تبرز المفارقة بين التقدم المادي والبناء الحضاري المتكامل؛ فالحضارة ليست مصانع متطورة، ولا أسواقاً ضخمة، ولا أرقاماً مرتفعة في الناتج الاقتصادي فحسب، بل هي منظومة قيم تصون الإنسان، وتحقق له السعادة والعدالة، وتؤسس للتكافل والتراحم والمسؤولية المجتمعية. ومن هذه الزاوية تتجلى عظمة التصور الحضاري الإسلامي، الذي لم يجعل الإنسان مجرد مستهلك في منظومة اقتصادية، بل جعله محور العمران وغاية الإصلاح، وربط القوة بالعدل، والمال بالمسؤولية، والغنى بحق الفقير، وجعل التكاتف مبدأً أصيلاً في بناء المجتمع.
إن التفوق المادي وحده لا يصنع حضارة متكاملة، وإن المجتمعات لا تُقاس بما تملكه من ثروة وقوة، وإنما بما توفره للإنسان من كرامة وعدالة وأمن. فالحضارة التي تعمّر المدن ولا تعمّر الإنسان، وتضاعف الثروة دون أن تضمن الكرامة، تظل حضارة ناقصة، عاجزة عن تحقيق الرفاهية الحقيقية للإنسان.
إن العالم اليوم، في خضم ما يعيشه من أزمات اقتصادية وإنسانية واضطرابات أخلاقية، أصبح بأمسّ الحاجة إلى استعادة المعنى الإنساني للحضارة. وهنا تبرز حاجة البشرية إلى الحضارة الإسلامية، باعتبارها رسالة إنسانية جاءت لخدمة الإنسان، وصون كرامته، وتحقيق العدل والتراحم بين الناس. فالإسلام لم يأتِ ليبني الحجر على حساب البشر، ولا ليجعل الحياة سباقاً محموماً نحو المال والقوة، وإنما جاء ليقيم حياة متوازنة يسودها الأمن والسكينة والرحمة، يعيش فيها الإنسان آمناً على نفسه وكرامته وحقوقه.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من ناطحات السحاب بقدر حاجته إلى بناء الإنسان، ولا إلى مزيد من الثروة بقدر حاجته إلى عدالة توزّع خيراتها على الناس جميعاً، ولا إلى قوة تفرض الهيمنة بقدر حاجته إلى قيم تصنع الحياة الحرة الكريمة.
تلك هي الرسالة التي حملتها الحضارة الإسلامية: أن يكون الإنسان غاية العمران، وأن تكون الحياة كريمة وهادئة وآمنة للجميع.
ولعل أولى خطوات النهوض تبدأ بتحرير عقولنا من التبعية الفكرية، والانبهار بالغرب، ومن عقدة الدونية التي تجعل المبهورين بالفكر الغربي يرون في كل ما يأتي من الغرب نموذجاً يُحتذى به، وفي كل ما ينتمي إلى حضارتنا ماضياً تجاوزه الزمن!
إن الإنصاف يقتضي أن نقرأ الحضارة الإسلامية بعقول متحررة من الأحكام المسبقة، وأن نعيد اكتشاف قيمها ورسالتها الإنسانية، التي جعلت من رعاة الإبل سادةً تتطامن أمامهم الأمم، بعيداً عن التعصب والتمجيد الأعمى. فالعالم يحتاج اليوم إلى حضارة تعيد للإنسان كرامته، وتوازن حياته، وتضع القيم فوق المصالح، والإنسان فوق المادة. وتلك مسؤولية لا ينبغي أن نتخلى عنها، ونحن نحمل إرث حضارة جعلت خدمة الإنسان وإعمار الأرض من أعظم مقاصدها. وعما قليل، سنوطّد سيادتنا، ونمكّن لعزتنا في الأرض بإذن الله، ونحقق لهذه الإنسانية المعذّبة ما كانت تصبو إليه منذ أجيال خلت. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مؤنس حميد – ولاية العراق



