السبت، 27 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/11/07م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من استهداف جبل الفأس إلى إعادة تشكيل موازين القوى

حين تتحول الجغرافيا والاقتصاد والطاقة إلى أدوات في الحرب

 

لم تعد المواجهة الأمريكية الإيرانية مجرد صراع حول البرنامج النووي، ولا مجرد خلاف بشأن تخصيب اليورانيوم أو امتلاك التكنولوجيا النووية. فالتطورات المرتبطة بجبل الفأس الإيراني، وتهديدات أمريكا باستهدافه، وما رافقها من نقاشات حول طبيعة الأسلحة التي يمكن استخدامها، تكشف عن مستوى أعمق من الصراع، يتصل بمستقبل قوة إيران، وقدرتها على إعادة بناء بنيتها الاستراتيجية، وموقعها في معادلات الطاقة والنفوذ الإقليمي.

 

جبل الفأس.. عقدة عسكرية تتجاوز حدود المنشأة النووية

 

يمثل جبل الفأس، المعروف بالفارسية باسم "كوه كولانغ غاز لا"، أحد أكثر المواقع الإيرانية إثارة للجدل في الملف النووي. ويقع بالقرب من منشأة نطنز في محافظة أصفهان، ويضم مجمع أنفاق عميقاً ومحفوراً داخل تكوينات صخرية شديدة الصلابة. وتكمن أهمية الموقع في طبيعته الجغرافية والهندسية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن أجزاء منه تقع على أعماق كبيرة، ما يجعل استهدافه بالقنابل التقليدية الخارقة للتحصينات عملية معقدة، لا سيما أن الولايات المتحدة لا تملك ضماناً بأن الضربة الجوية وحدها تستطيع تدمير ما يوجد في داخله.

 

وقد أشارت تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، المنشورة في أيلول/سبتمبر 2026، إلى تصاعد أعمال الإنشاء والتحصين في الموقع خلال العام، لكنها أكدت أن صور الأقمار الصناعية لا تثبت بصورة قاطعة وجود أجهزة طرد مركزي عاملة داخله. كما أشار معهد العلوم والأمن الدولي إلى استمرار إغلاق مداخل الأنفاق وتقييد الوصول إليها في تشرين الأول/أكتوبر 2026.

 

وهنا تكمن معضلة أمريكا: كيف يمكن تدمير منشأة محصنة داخل جبل، دون معرفة كاملة بما تحتويه، ودون ضمان أن الضربة ستنهي قدرة إيران على إعادة تشغيل البرنامج النووي؟ وهذا ما يجعل جبل الفأس أكثر من مجرد هدف عسكري؛ إنه اختبار لحدود تفوق أمريكا العسكري أمام الجغرافيا والتحصينات والتكنولوجيا.

 

القنبلة القذرة.. ما حقيقتها وما الذي يمكن أن تحققه؟

 

أثار الحديث عن احتمال استخدام سلاح إشعاعي ضد جبل الفأس تساؤلات واسعة حول طبيعة هذا السلاح وأهدافه. ومن الضروري هنا التمييز بين ثلاثة أنواع من الأسلحة:

 

  • القنبلة القذرة: جهاز يستخدم متفجرات تقليدية لنشر مواد مشعة وتلويث منطقة معينة.
  • السلاح النووي: يعتمد على تفاعلات نووية تطلق طاقة هائلة وتسبب دماراً واسعاً وآثاراً إشعاعية.
  • الذخائر التقليدية الخارقة للتحصينات: تستهدف تدمير المنشآت العميقة والأنفاق دون إحداث انفجار نووي.

القنبلة القذرة ليست قنبلة نووية، ولا تنتج الانفجار النووي الهائل الذي نعرفه، لكن خطورتها تكمن في نشر المواد المشعة، وإحداث تلوث قد يفرض إجراءات عزل وتنظيف مكلفة، ويثير الذعر ويعطل الحياة والأنشطة الاقتصادية. وتوضح المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن الخطر الأساسي للقنبلة القذرة يأتي من الانفجار نفسه ومن التعرض للمواد المشعة أو استنشاقها، وأن حجم التأثير ومدته يعتمدان على طبيعة المواد وكميتها وانتشارها.

 

لكن هل يعني ذلك أن استخدامها سيجعل جبل الفأس منطقة محظورة لسنوات؟ ليس بالضرورة، فمدة التلوث لا تتحدد بمجرد وصف السلاح بأنه قنبلة قذرة، بل بنوع المادة المشعة وخصائصها وكمية انتشارها والظروف البيئية وإمكانات إزالة التلوث. وبالتالي لا يوجد أساس علمي للجزم بأن استخدامها ستجعل المنطقة مغلقة لسنوات عديدة. والأهم أن الحديث عن استخدامها ضد جبل الفأس لا يستند، حتى الآن، إلى دليل موثوق يثبت أن واشنطن قررت استخدامها أو أنها أعدت خطة فعلية لذلك.

 

أما الحديث الذي انتشر في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2026 عن احتمال استخدام سلاح نووي، فقد أثارته تصريحات وتكهنات إعلامية، وليس إعلاناً عن قرار أمريكي. وكان ترامب قد قال في تشرين الأول/أكتوبر 2026 إن استهداف الجبل قد يكون ضرورياً، لكنه استبعد استخدام سلاح نووي، مع حديثه عن إمكان استخدام أسلحة تقليدية.

 

هل الغاية إغلاق الجبل أم إغلاق المستقبل النووي الإيراني؟

 

إذا افترضنا أن واشنطن قررت استهداف جبل الفأس، فإن هناك أهدافاً استراتيجية محتملة تتجاوز تدمير الأنفاق والمنشآت:

 

أولها: منع إيران من استخدام الموقع لتطوير قدراتها النووية بعيداً عن أعين الرقابة الدولية والضربات العسكرية.

 

وثانيها: جعل إعادة بناء البنية النووية أكثر صعوبة وكلفة، سواء من خلال تدمير المنشآت أو تعطيل المداخل والخدمات والبنية التحتية المحيطة بها.

 

وثالثها: منع إيران من امتلاك منشأة محصنة تستطيع استخدامها مستقبلاً لإعادة إنتاج قدراتها النووية بعد كل جولة عسكرية.

 

لكن هناك مشكلة في هذه الاستراتيجية؛ فتدمير منشأة لا يعني بالضرورة تدمير المعرفة العلمية أو الإرادة السياسية أو القدرة على بناء منشآت بديلة. وقد أشار تحليل CSIS إلى أن إيران تمتلك منشآت وأنفاقاً أخرى، وأن تكرار الضربات العسكرية لا يقدم حلاً دائماً للمسألة النووية.

 

من هنا يمكن فهم أن الغاية الأمريكية المحتملة ليست مجرد إغلاق جبل الفأس، بل محاولة فرض معادلة تجعل إعادة بناء القوة النووية الإيرانية أمراً بالغ الصعوبة.

 

هل تبقى آثار المواجهة داخل إيران؟

 

من الخطأ الاعتقاد بأن استخدام سلاح إشعاعي أو حتى تصعيد عسكري تقليدي ضد إيران سيبقى محصوراً داخل حدودها، فهناك ثلاثة مستويات من التداعيات:

 

أولاً: المستوى البيئي والإشعاعي

 

إذا حدث تلوث إشعاعي، فإن امتداد آثاره يعتمد على نوع المادة المشعة والظروف الجوية وطبيعة المنطقة. ولا يمكن الجزم بأن التلوث سيصل إلى الدول المجاورة أو الخليج دون بيانات علمية عن طبيعة الحادث واتجاه الرياح وتركيز المواد المشعة. لكن المخاطر لا يمكن استبعادها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنشآت نووية أو مواد مشعة.

 

ثانياً: المستوى العسكري والأمني

 

قد يؤدي استهداف المنشآت الإيرانية إلى ردود عسكرية لا تقتصر على المواقع الأمريكية، بل قد تشمل قواعد عسكرية ومنشآت طاقة ومرافق استراتيجية في دول المنطقة. وهذا يضع دول الخليج أمام معادلة صعبة: فهي تستضيف قواعد ومصالح أمريكية، لكنها في الوقت نفسه معرضة لتحمل جزء من تكلفة أي مواجهة لا تتحكم بقرار اندلاعها. وقد تناولت وكالة رويترز في تقريرها المنشور في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 مخاوف دول الخليج من أن تتحول القواعد الأمريكية والمنشآت الحيوية إلى أهداف للرد الإيراني، مع اتساع احتمالات استهداف البنية التحتية للطاقة والمرافق المدنية.

 

ثالثاً: المستوى الاقتصادي العالمي

 

وهنا تكمن إحدى أخطر النتائج؛ فإيران ليست مجرد دولة منتجة للنفط، بل تقع إلى جوار مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية. وأي تصعيد يهدد حرية الملاحة فيه يمكن أن يرفع أسعار النفط والشحن والتأمين، ويؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد. وبالتالي فإن تكلفة المواجهة لا تتحملها إيران وحدها، بل قد تمتد إلى الاقتصادات الآسيوية والأوروبية، وإلى الدول المستوردة للطاقة والسلع الأساسية.

 

الصين وروسيا.. هل تتحول المواجهة إلى صراع على النظام الدولي؟

 

لا يمكن قراءة حصار أمريكا لإيران بمعزل عن المنافسة الدولية مع الصين وروسيا. فالصين ترتبط بالشرق الأوسط بمصالح استراتيجية واقتصادية كبيرة، وتعتمد على المنطقة كمصدر مهم للطاقة، كما تنظر إلى استقرار طرق التجارة والممرات البحرية باعتباره جزءاً من أمنها الاقتصادي. أما روسيا، فتنظر إلى التحولات في المنطقة من زاوية موازين القوى الدولية، وموقعها في مواجهة نفوذ أمريكا، ومصالحها في أسواق الطاقة والأمن الإقليمي.

 

لكن لا ينبغي افتراض أن بكين أو موسكو ستدخلان مواجهة عسكرية مباشرة دفاعاً عن إيران، فلكل منهما حساباته ومصالحه وحدود المخاطرة التي يمكن أن يقبل بها. ومع ذلك، فإن إخضاع إيران اقتصادياً وعسكرياً قد يبعث برسالة أوسع إلى الدول التي تسعى إلى بناء علاقات اقتصادية واستراتيجية خارج دائرة نفوذ أمريكا. وهنا يتحول الملف الإيراني إلى جزء من صراع أكبر حول من يملك القدرة على التحكم في مصادر الطاقة، ومسارات التجارة، وشبكات التمويل، والتكنولوجيا.

 

الممرات البحرية.. الجغرافيا التي لا يمكن تجاوزها

 

تظل الممرات البحرية إحدى أهم أوراق القوة في هذه المواجهة؛ فمضيق هرمز ليس مجرد ممر جغرافي، بل نقطة اختناق استراتيجية تمر عبرها كميات كبيرة من النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق العالمية. وأي تهديد للملاحة فيه يمكن أن يخلق أزمة تتجاوز أطراف الصراع، خصوصاً في آسيا التي تعتمد اقتصاداتها الصناعية على استمرار تدفق الطاقة. ومن هنا فإن الحرب على إيران، إذا اتسعت، قد تتحول إلى مواجهة على أمن الطاقة العالمي، وليس فقط على البرنامج النووي.

 

والولايات المتحدة، رغم كونها من كبار منتجي النفط والغاز، لا تنظر إلى أمن الطاقة باعتباره مسألة تتعلق بحاجتها المباشرة إلى النفط الخليجي فقط، بل باعتباره مسألة تتصل باستقرار الأسواق العالمية، وحماية طرق التجارة، ومنع القوى المنافسة من امتلاك نفوذ مفرط على شرايين الاقتصاد الدولي.

 

إن السيطرة على الممرات لا تعني بالضرورة امتلاك النفط، بل امتلاك القدرة على التأثير في وصوله إلى الأسواق وتكلفته وتوقيت تدفقه. وإن أخطر ما في المواجهة الراهنة ليس احتمال تدمير جبل الفأس وحده، بل احتمال تحول القوة العسكرية والحصار الاقتصادي إلى وسيلتين متكاملتين لفرض واقع استراتيجي جديد.

 

فالضربة العسكرية قد تعطل منشأة، والحصار قد يمنع إعادة بنائها، والضغط السياسي قد يدفع الدولة المستهدفة إلى تقديم تنازلات تتجاوز الملف الذي بدأت الحرب بسببه. لكن هذه الاستراتيجية تحمل في داخلها مخاطر كبيرة. فالإفراط في استخدام القوة قد يدفع إيران إلى مزيد من التشدد، وقد يؤدي إلى اتساع المواجهة وتهديد أمن الطاقة والممرات البحرية، كما قد يضعف ثقة دول المنطقة بالضمانات الأمنية الأمريكية.

 

أما استخدام سلاح نووي، إن حدث، فسيكون تجاوزاً بالغ الخطورة للخطوط التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وسيفتح الباب أمام تآكل المحظورات النووية وتغيير حسابات الأمن لدى دول العالم

 

إن واشنطن قد تستطيع تدمير منشأة، وقد تستطيع فرض حصار، لكنها لا تستطيع ضمان أن يؤدي ذلك إلى استقرار دائم أو إلى قبول سياسي بالواقع الذي تحاول فرضه. فالحروب قد تدمر البنية التحتية للقوة، لكنها لا تضمن امتلاك مستقبلها. والحصار قد يخنق الاقتصاد، لكنه لا يصنع بالضرورة الطاعة السياسية. أما حين تصبح الأسلحة والموارد والممرات أدوات لإعادة تشكيل إرادة الدول، فإن الصراع يتجاوز حدود إيران ليصبح صراعاً على مستقبل المنطقة والنظام الدولي بأكمله.

 

ونحن في منطقة الشرق الأوسط أكثر البلاد معنيّة بهذا الصراع، فإن أردنا ألّا نكون البلاد التي تحترق، والدماء التي تنزف، والأرض التي تُنهب، وألّا تصبح بلادنا مسرحاً لصراعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل؛ فعلى أبناء هذه الأمة أن يعوا أنهم إن لم يتحركوا لنصرة دينهم، والتخلص من الحكام العملاء، والخروج من بوتقة العمالة والتبعية إلى فضاء الانعتاق والتحرر والالتزام بأحكام الله، واستئناف الحياة الإسلامية، فإن ما سوف يخسرونه لتنفيذ سياسات الغرب أكثر بكثير مما قد يخسرونه لو تحركوا لاستعادة سلطتهم وقرارهم على أرضهم، والتزامهم بتطبيق شرع ربهم؛ فهو أقل كلفة، وفيه العزة للمسلمين والخلاص للعالم.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع