الثلاثاء، 16 ربيع الثاني 1442هـ| 2020/12/01م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

الانتخابات الأمريكية 2020

 

ورد في مجلة "السياسة الخارجية Policy Foreign"، عدد خريف 2020، بعنوان: "الانتخابات الأهم على الإطلاق"، "يحاول مايكل هيرش إثبات مدى أهمية الانتخابات الأمريكية القادمة في تحديد مستقبل الأمة، بل والنظام العالمي، لعدة عقود مقبلة، مُستعيناً في ذلك بآراء كبار خبراء ومحللي السياسة الأمريكية".

 

أولا: يتطلع البعض إلى الانتخابات الأمريكية القادمة من منظور لا تسلط عليه الأضواء عند بعضهم بسبب حساسية الوضع في أمريكا من ناحية داخلية نتيجة بروز التناقضات داخل المجتمع، ومن ناحية خارجية وأثره على القيادة العالمية نتيجة العداء الأمريكي للجميع ومحاولة أمريكا الاستئثار بالغنائم وحدها والنظرة السلبية لبقية الدول حتى الحلفاء، وبالرغم من كون الولايات المتحدة دولة مؤسسات ودور الرئيس فيها محكوم بدستور يحدد صلاحياته وأثره فيها مع الاعتراف له بدور حقيقي دستوري في الحكم سواء مارسه هو بما يملك من أهلية وقدرة سياسية حقيقية كما هو شأن الأوائل، أم كان ممثلا لدور الفئة الحاكمة الحقيقية مع إتقان تأدية الدور أو عدم إتقانه، كما هو شأن ترامب مثلا، مع الإقرار بصلاحيات أخرى دستورية لمؤسسات الحكم فيها غير الرئاسة، فضلا عن الدور الحقيقي للدولة العميقة فيها والتي تتحكم بكل شيء، فقد لوحظ أن المقالات والآراء التي تكتب عن مرحلة وجود ترامب الأولى والانتخابات القادمة فيها شيء من الغرابة لم نعهد سماعها من الأمريكان أنفسهم؛ فمثلا يقول إدوارد جيه واتس، المؤرخ من جامعة كاليفورنيا، إنه إذا أعيد انتخاب ترامب، فإن الأعراف والقيود الديمقراطية الأمريكية ستختفي تماماً، بطريقة تعكس ما حدث في الجمهوريات السابقة، وإنه حتى لو فاز بايدن، فإن تعافي الولايات المتحدة سيستغرق وقتاً طويلاً. ويقول العديد من النقاد والباحثين إن أفضل أمل هو أن يُهزَم ترامب بقوة في تشرين الثاني/نوفمبر، وأن يقبل بهذه النتيجة.

 

في نهاية المطاف، أصبح العالم ينظر إلى ترامب على أنه انحراف تاريخي غريب، وظاهرة فريدة من نوعها، ومن غير المُرجح أن تظهر هذه الشوفينية والنرجسية وعدم الكفاءة مرة أخرى، سواء في رئيس جمهوري أو ديمقراطي. لقد بات واضحا الحديث عن رفض تسليم ترامب للسلطة في حال خسر الانتخابات ودور الجيش والمحكمة العليا وعصابة ترامب من البيض والأسلحة وسلاسة تسليم السلطة والانتقال السلمي فضلا عن هجوم ترامب على الزعماء الآخرين واتهام أمريكا بالتبعية للصين حال فوز بايدن ونعته للمتظاهرين بالحيوانات ورأيه في المهاجرين والهجرة والجدار... معزوفة لم تكن تسمع أصبحت الآن حقيقة واضحة، إن (ترامب - بطريقته الفظة - يحرك أعمق التقاليد الأمريكية ومخاوف المؤسسين الأوائل، الذين كانوا دائماً قلقين بشأن تجاوز الحد في الصراعات الخارجية، وحذروا باستمرار من آثارها المدمرة للذات، بما في ذلك صعود الديماغوجيين مثل ترامب. ومن أشهر ما قاله جون كوينسي آدامز، الرئيس السادس للولايات المتحدة الأمريكية، في عام 1821م، إن أمريكا يجب ألا تذهب "بحثاً عن الوحوش لتدميرها" في الخارج. وقال آدامز إن القيام بذلك من شأنه أن يفسد شخصية الأمة).

 

ثانيا: من الواضح جدا غرابة وجود رئيس همجي في قيادة الدولة الأولى عالميا والتي حكمت العالم بعد الحرب العالمية الثانية وتوفرت لديها من الإمكانيات ما لم يتوفر لدولة غيرها ونهضت بالمبدأ الرأسمالي نهضة واضحة وإن كانت غير صحيحة، ولولا وجود خلل في الدولة العميقة حاليا واختلاف كبير في وجهات النظر والمحافظة على الهيمنة وعدم السقوط وتراكم الأزمات بعد وأد المبدأ داخليا وخارجيا، حيث ظهر هذا الاختلاف أولا بين الأحزاب الأمريكية العريقة على حساب مصلحة الكيان السياسي الأمريكي، وبرأيي ظهر هذا الاختلاف والتخبط في الإقالات والتعيينات الكثيرة في إدارة ترامب مما شكل نظرة غريبة جدا عن صانع القرار الأمريكي نتيجة التخبط في التعيين والإقالة وصدمة كبيرة من الإقالات بعد فترة وجيزة من التعيين في مراكز حساسة جدا وبشكل لافت وكبير.

 

والأصل في الدولة الأولى وفي عقلها المركزي وصاحب القرار أن يتولى قيادتها رجل من جنس الفكرة التي قامت عليها الدولة لا أن ينقلب على فكرتها ونظرتها ولا يحتكم للأسس والقواعد السياسية بل يعلن الاستهزاء بها ورفضها ويهدم المؤسسات التي بنتها الدولة خلال حقبة طويلة جدا دون أن يكون هناك بديل إلا الابتزاز السياسي والترهيب بالعقوبات والبلطجة والتي باتت مظهرا واضحا وسياسة خارجية أمريكية في عهد ترامب حتى مع الحلفاء وليس فقط الأعداء. ومن المعلوم لدى أي سياسي أن وضع العالم كله في جهة العداء في ظل ضعف وخوف على القيادة والهيمنة مع الاعتراف بالضعف والتراجع مع وجود رئيس بلطجي بدون خلفية سياسية مع عدم القدرة على الدور الذي أنيط به، ليدل أن هناك مشكلة عميقة جدا في الدولة الأمريكية واستمرار هيمنتها العالمية، وهو مقامرة سياسية خطيرة جدا من حيث أثرها على الزعامة الأمريكية والنظرة لها من دول العالم حتى أصبحت الآن محل تندر العالم.

 

وأخيرا ليس هذا المقال تبشيرا بانتهاء الزعامة الأمريكية وانتهاء دورها وإنما دراسة لمظاهر الضعف وبدايات التراجع والأفول العالمي؛ فقد نشرت صحيفة لوفيغارو الفرنسية مقالا للمؤرخ والاقتصادي الفرنسي نيكولا بافيريز من جامعة السوربون العريقة عبّر فيه عن تخوفات عديدة على مستقبل الولايات المتحدة منطلقا من أن "الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020 هي، في الوقت نفسه، من أكثر الانتخابات مصيرية وخواء وقلقا في تاريخ الولايات المتحدة"، معتبرا أن ما عكس ذلك بجلاء هي المناظرة التلفزيونية بين المرشحين الرئاسيين ترامب وبايدن التي "لم يخرج منها أي فائز بل ضحيتان اثنتان: الولايات المتحدة والديمقراطية"، حيث يرى الكاتب أن ترامب بدل أن يعيد عظمة أمريكا فإنه سرّع بقوة في تراجعها ولا يمكن لإعادة انتخابه سوى أن تؤدي بالبلاد إلى الفوضى المدنية وإكمال تفكك النظام التعددي، وكذلك التحالفات التي أسست للديمقراطيات الغربية وتفوقها".

 

إن الولايات المتحدة ليست قدرا وإنما هي حالة سياسية توفرت لها أسباب البقاء مع أسباب الاندثار المبدئية والممارسات السياسية الرعناء في الحقبة الأخيرة، لكن تبقى مسألة مهمة وهي عدم إمكانية الفراغ السياسي العالمي إذ لا بد من بديل مبدئي حضاري آخر بكيان سياسي يقوم بالقضاء على الوضع الموجود لإقامة نظام عالمي جديد بطراز فريد، وليس هذا متوفرا إلا في الإسلام ودولته دولة الخلافة الراشدة القائمة بإذن الله قريبا.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حسن حمدان

 

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع