السبت، 21 ذو الحجة 1442هـ| 2021/07/31م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وقفات مع "الرجل المريض"

 


ارتبطت دولة الخلافة العثمانية في أواخر أيامها بلقب "رجل أوروبا المريض"، وأصبحت هذه الاستعارة هي الأكثر تداولا لوصف الجسد السياسي الذي أنهكه المرض، كما استُخدمت كمقدمة لعمل الخائن مصطفى كمال الذي فرض الموت (الرحيم!) على ذلك الجسد الآيل للسقوط (كما تصفه المناهج الدراسية في بلاد المسلمين ليومنا هذا).


بادئ ذي بدء، يجهل الكثيرون أن اللقب ذائع الصيت أطلقه إمبراطور روسيا نيكولاي الأول (1796 – 1855م) على الدولة العثمانية في عام 1853م. ونيكولا هذا كان معروفا بأطماعه في الدولة العثمانية ورغبته في تفكيكها والسيطرة على أراضيها الشاسعة، خصوصا في آسيا الوسطى والبلقان والسعي للوصول للمياه الدافئة. وقد برر نيكولا ومن سبقه من قياصرة روسيا طموحهم السياسي والرغبة في التوسع في أراضي الدولة العثمانية بنشر الأرثوذكسية وحماية الأرثوذكس في العالم والسيطرة على القسطنطينية والأراضي المقدسة.


هذه الأطماع الروسية نتج عنها سلسلة من الحروب بين روسيا والدولة العثمانية، ومن هذه الحروب الحرب العثمانية الروسية في 4 شوال 1269هـ، 3 تموز/يوليو 1853م، وكانت بداياتها في أوروبا بمنطقة البلقان، حيث قام حوالي 35 ألف جندي روسي باحتلال رومانيا التي كانت تابعة آنذاك للدولة العثمانية، ثم قامت دولة الخلافة العثمانية بحشد قوات ضخمة على جبهات القتال، وعلى جبهتي الدانوب والقوقاز، واستطاع القائد العثماني عمر باشا أن يلحق هزيمة كبيرة بالروس على نهر الدانوب، وأن يدخل رومانيا. وفي جبهة القوقاز ساند الزعيم الشيشاني المجاهد الإمام شامل الداغستاني (علي بن دنغو) القوات العثمانية أثناء القتال ضد الروس. وقد انضمت كل من فرنسا وبريطانيا في صف الدولة العثمانية للحد من أطماع روسيا القيصرية. وانتهت حرب القرم في عام 1856 بهزيمة الروس، وتعالت الدعوات لإصلاح الدولة الروسية ورفض سياسة القمع والترويع وقهر الأقليات وإخراجها من العصور الوسطى، وأما نيكولاي الأول فقد ساء حاله ومات قبل نهاية الحرب ويقال إنه انتحر.


لم تكترث روسيا لحال أهل المشرق وأفريقيا أو غيرهم في يوم من الأيام، كما لم تكترث لحال المزارعين والعمال والمهمشين في روسيا نفسها. واللافت في الأمر ليس غطرسة نيكولاي وتطاوله على الدولة العثمانية في وقت كانت تعاني فيه روسيا من قضايا داخلية ضخمة ما تلبث أن تطيح وللأبد بعرش قياصرة روسيا في مشارف القرن العشرين، بل إن المضحك المبكي هو أن وصف دولة الخلافة العثمانية بالرجل المريض صدر من رجل إقطاعي متغطرس ومنبوذ من شعبه ولا يفقه في الكون سوى استعباد وقمع البشر.


إذاً لم يتجاوز وصف الدولة العثمانية برجل أوروبا المريض حد استعارة استخدمت في أجواء حرب بين دولتين. ولم يكن الوصف نقد المنصف المخلص بل كان نقدا مبنياً على الرفض والكراهية والتنافس ولم يتجاوز الدعاية الحربية. وبالرغم من أن نيكولاي الأول هو صاحب الاستعارة إلا أن الدول الغربية فرحت بالوصف أيما فرح، فأصبحت تنعق به آناء الليل وأطراف النهار، وأصبحت محاربة الرجل المريض جزءاً أصيلاً في صراع الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، وعليه فإن وصف الدولة الإسلامية بأنها الرجل المريض لم يأت من فراغ وليس مجرد حدث تاريخي عابر، بل إنه أمر يستحق وقفات ووقفات من الأمة في سيرها نحو النهضة.


وهكذا كرر المضبوعون بالثقافة الغربية وأبواقها المرتزقة عبارة الرجل المريض الذي لم يعش بعز وكرامة حياة ترضي طموحاتهم، ولم يمت فيترحموا عليه ويشرعوا في بناء أمجادهم المزعومة بعيدا عنه. وهذا ما سهل لمجرم العصر مصطفى كمال إنشاء الجمهورية التركية، فأصدر شهادة ميلاد لكيان هزيل، ولد مريضا عليلا! بالرغم من هذه الحقيقة البائنة بأن مصطلح الرجل المريض هو دعاية حرب للكفار ضد دولة الخلافة، فإن أردوغان تركيا ردد بسذاجة في خطاب أثناء خوض الجيش التركي لمعركة عفرين في شمال سوريا: "تركيا ليست الجسد الضعيف... أقولها للعالم أجمع تركيا اليوم ليست هي دولة الرجل المريض كما كانت في السابق، تركيا اليوم مختلفة بشكل كامل وتمتلك إمكانات وقدرات وطاقات كبيرة... شعبنا العظيم لبى النداء وصمد بصدره العاري أمام كافة الأسلحة".


أفتراك تجهل تاريخك يا أردوغان أم أنك تصدق أن دولة أجدادك كانت مريضة؟!


﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
هدى محمد (أم يحيى)

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع