- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم

2026-01-04
اندبندنت عربية: ما هو حزب التحرير الذي بدأت سوريا بمحاكمة أعضائه؟
عبدالرزاق المصري، شاب سوري يتحدر من مدينة جسر الشغور بريف إدلب من مواليد 1985. كان طالباً في كلية الزراعة لدى اندلاع الانتفاضة السورية ضد نظام البعث عام 2011، والتحق بالثورة منذ أيامها الأولى، وانضم إلى ما يسمى حزب التحرير الذي ينادي بالخلافة الإسلامية، بيد أنه ليس تنظيماً مسلحاً، بل يدعو عبر ما يسميه "الفكر"، من دون حمل السلاح.
في عام 2017 شارك المصري في احتجاجات مناهضة لـ"هيئة تحرير الشام" آنذاك (وهي الفصيل الأكبر الذي أعلنت سوريا حله مع بقية الفصائل المعارضة التي اندمجت مع بعضها فشكلت الجيش السوري الجديد). تعرض المصري بسبب نشاطه ضد الهيئة للاعتقال مرات عدة، كان آخرها في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، قبل نحو شهر من انطلاق معركة "ردع العدوان".
في الأيام الأخيرة من عام 2025 نشرت عائلته بياناً تعلن فيه أن السلطات السورية حكمت على ابنها بالسجن لمدة 10 أعوام، واعترضت العائلة على الحكم الذي وصفته بـ"الجائر"، وقالت في البيان إنها لا تنتمي لحزب التحرير ولا تدافع عن فكره. من جانبها لم توضح وزارة العدل السورية أسباب الحكم الصادر في حق المصري، ولم يتضح حتى لحظة إعداد هذا التقرير إذا ما كان المصري حوكم بسبب انتمائه لحزب التحرير، أو بسبب نشاطه السابق في إدلب، أو لأسباب أخرى، لكن السؤال الأبرز يدور حول هذا الحزب وعلاقته بالحكومة السورية سابقاً وحالياً؟
الفكر والانتشار
حزب التحرير ليس حزباً سورياً، بل حزب عابر للحدود تأسس في العاصمة الفلسطينية القدس عام 1953، وهو تكتل سياسي - فكري، يدعو وفق بياناته الرسمية إلى غايتين، "الأولى حمل الدعوة إلى الإسلام، والثانية استئناف الحياة الإسلامية". وينشط الحزب في المجالات السياسية والإعلامية وفي مجال الدعوة الإسلامية، ويتجنب ما يسميه بـ"الأعمال المادية"، مثل الأعمال المسلحة لتحقيق غايته.
تأسس الحزب على يد القاضي تقي الدين النبهاني الذي درس في إسطنبول عام 1924، ثم انتقل إلى مصر لإكمال دراسته في الجامع الأزهر قبل أن يعود إلى القدس ويعلن تأسيس الحزب عام 1953، وبقي في قيادة الحزب حتى وفاته عام 1977.
حظر حزب التحرير في عدد من الدول العربية والإسلامية والأوروبية لأسباب معظمها يتعلق بالأمن القومي لتلك البلاد (أ ف ب)
يتخذ الحزب من الدول الإسلامية مجالاً لعمله بهدف "إقامة دولة الخلافة" سلمياً، ولديه ناطقون رسميون في عدد من البلاد الإسلامية والكثير من المكاتب الإعلامية، وللحزب انتشار في عدد من الدول العربية، خصوصاً سوريا وفلسطين ولبنان والأردن، والإقليمية مثل تركيا وباكستان وفي عدد من الدول الآسيوية، وكذلك لديه وجود في الدول الغربية، خصوصاً المملكة المتحدة وألمانيا، أما بيانات الحزب الرسمية فتدعي انتشاره في أكثر من 70 دولة حول العالم.
حظر حزب التحرير في عدد من الدول العربية والإسلامية والأوروبية لأسباب معظمها يتعلق بالأمن القومي لتلك البلاد أو التشكيك في نياته واتهامه بـ"تعزيز التطرف الإسلامي والترويج لأيديولوجيات تمنح فرصة للعنف". وتعرض كثير من أعضائه للاعتقال في تركيا ودول عربية عدة، وتم حظره بقرار رسمي في بنغلاديش، وفي أستراليا يناقش اليوم قرار في شأن احتمالية إدراجه على قوائم الإرهاب.
حزب التحرير في الساحة السورية
أما في سوريا فلحزب التحرير تاريخ طويل من المواجهة ونشاط يمتد لعقود، إذ بدأ أفراد الحزب ينتشرون في المدن السورية، خصوصاً في دمشق وحلب وحمص وحماة منذ ستينيات القرن الماضي، لكن نشاطه تراجع بصورة كبيرة بعد حكم نظام البعث خلال العقود الخمسة الأخيرة، قبل أن يعود نشاطه بكثافة بعد عام 2012، حين بدأ يقيم فعاليات بصورة علنية في المناطق التي كانت خارج سيطرة النظام السوري السابق، ووجد في مناطق سيطرة الفصائل المعارضة هامش حرية أكبر، إلا أنه على رغم ذلك وقع في مواجهة فكرية وسياسية مع المعارضة السورية التي ترفض فكرة العودة إلى الخلافة، وتدعو لبناء دولة سورية مدنية، وفق معايير العصر الحديث. ولم تقتصر المواجهة الفكرية بين الحزب والمعارضة على فصائل "الجيش السوري الحر"، بل حصلت مواجهات فكرية مع فصائل عدة كانت تصنف على أنها راديكالية مثل "هيئة تحرير الشام" سابقاً، وكان الحزب ينتقد بشدة التحالفات السياسية التي كانت تقوم بها الهيئة في فترة حكمها لمدينة إدلب خلال الأعوام التي سبقت سقوط الأسد، كذلك كان ينتقد علاقتها مع تركيا، وكان يتهم الهيئة بأنها "تعوق فتح الجبهات لقتال النظام"، إلا أن مراقبين يرون أن الهيئة كانت تخطط بهدوء وبصمت قبل أن تفاجأ المنطقة بعملية "ردع العدوان".
بعد إسقاط نظام الأسد لم يكن لـحزب التحرير نشاط ملحوظ، لكن مع نهاية عام 2025 ألقت الأخبار الضوء على محاكمات جرت في إدلب في حق أعضاء من حزب التحرير، من أبرزها الحكم بالسجن 10 أعوام في حق عبدالرزاق المصري. وقد أثار هذا الحكم جدلاً في الساحة السورية بسبب توقيته وتوازنه مع أجواء الإفراج عن عناصر من النظام السابق، مما أثار تساؤلات حول معايير العدالة الانتقالية والسياسية في سوريا الجديدة.
خلاف فكري وأيديولوجي
الصحافي السوري حسام المحمود أوضح أن الأحكام الأخيرة التي صدرت في حق أعضاء في حزب التحرير هي نتاج مشكلة مستمرة منذ ما لا يقل عن عامين، والأحكام القضائية المتفاوتة، بين سجن 10 أعوام أو أقل لبعض الأعضاء، جاءت كنتيجة لترك الملف عالقاً بعد تحرير سوريا وإسقاط نظام الأسد.
وبحسب الصحافي فإن حزب التحرير لم يكن على وفاق فكري وأيديولوجي مع "هيئة تحرير الشام" في إدلب، مما جعله عرضة للتضييق، وأخذ بعدد من أعضائه إلى السجون من دون وجود أعداد رسمية واضحة، مع الإشارة إلى اعتقال آخرين خلال عام 2024 حين شهدت إدلب آنذاك احتجاجات طالبت بإطلاق سراح المعتقلين وتبييض السجون من المعتقلين، إضافة إلى مطالب أخرى.
وحول الانتقادات التي تواجهها هذه الأحكام القضائية، بين الصحافي أن كثيراً من الناشطين والحقوقيين والمقربين من "الهيئة" التي جرى حلها بعد "التحرير"، طالبوا بصورة متكررة بإطلاق سراح المعتقلين في إدلب، وتحديداً بعد إطلاق سراح المعتقلين من سجون الأسد، فسجنهم والاحتفاظ بهم إلى اليوم في وقت يتوالى فيه إخلاء سبيل موقوفين من أتباع النظام ممن تمسكوا بالبندقية حتى آخر لحظة دفاعاً عن الأسد، سيلقى انتقادات داخلية بطبيعة الحال، خصوصاً أن المعتقلين في إدلب معارضون لنظام الأسد بطبيعة الحال.
ملف على الطاولة
كذلك لفت الصحافي إلى أن الخلاف الذي يرتبط جزئياً بالأيديولوجيا بين حزب التحرير و"الهيئة"، ربما دفع الأخيرة لاتخاذ موقف حازم من هذا الملف، على اعتبار أن "التحرير" حزب إسلامي يؤمن بإحياء الخلافة ولا يعترف بالحدود الجغرافية، والتعامل من الملف ينبغي أن يتحول إلى وزارة العدل بعد حل "هيئة تحرير الشام"، كونها لم تعد طرفاً خصماً بالصورة الفصائلية الضيقة، مع تأكيد ضرورة ألا يكون هناك معتقل رأي في سوريا، إضافة إلى أهمية عدم تعرض المعتقل أو السجين لانتهاكات إنسانية، وهي مسائل تدركها الحكومة الجديدة وعبرت عنها زيارة وزير الداخلية قبل أسابيع إلى سجون إدلب، وهذا يعني أن الملف على الطاولة.
المصدر: اندبندنت عربية



