الأربعاء، 17 جمادى الأولى 1448هـ| 2026/10/28م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

2026-10-21

 

جريدة الراية: استراتيجية أمريكا في الساحة الدولية
الحصار رباعي الأبعاد وتخبط الهيمنة المتزعزعة


فور عودته إلى البيت الأبيض، بدأ ترامب باتخاذ خطوات حادة، ومستفزة أحياناً، وغير متوقعة في مجال السياسة الخارجية. وما يبدو في الظاهر كتحركات متفرقة أو اندفاعية، ليس في الحقيقة سوى تجليات لعقيدة جيوسياسية موحدة وهجومية تهدف إلى الحفاظ على هيمنة أمريكا العالمية وإعادة بناء أحزمة الأمان. وتُنفذ هذه الاستراتيجية عبر أربعة محاور جيوسياسية رئيسية:


1. قارة أمريكا: عقيدة مونرو المحدثة وحزام الأمان الأول


تستهدف أمريكا، في إطار حماية مصالحها الحيوية، تطهير القارة الأمريكية - حلقة الأمان الأولى - من القوى الأجنبية بالدرجة الأولى. وتستعيد عقيدة مونرو (أمريكا للأمريكيين)، التي ضعفت لفترة طويلة، زخمها من جديد:


• السيطرة على قناة بنما: استعيد الشريان الحيوي للتجارة العالمية والترانزيت الاستراتيجي من تحت تأثير شركات الصين ليعاد بالكامل إلى سيطرة واشنطن. وتعد هذه ضربة قاضية للنفوذ اللوجستي لبكين في المنطقة اللاتينية.


• السيطرة على الأنظمة والترتيبات في أمريكا اللاتينية: عبر ضغوط علنية، ودسائس عسكرية وسياسية، وانقلابات عسكرية ضد الأنظمة المعارضة، بدأت أمريكا بتشكيل حكومات تنفذ أوامرها دون تردد. وقد أدى شراء ولاءات القادة العسكريين المحليين وتوظيفهم إلى إثارة حالة شديدة من البلبلة والذعر بين النخب العسكرية حول العالم، ما أجبر العديد من الدول على إجراء عمليات تدوير وإحلال عاجلة في صفوف جيوشها.


• إنهاء نفوذ بريطانيا: عبر دعمها العلني لخافيير ميلي في الأرجنتين، أعادت واشنطن على يديه إثارة قضية جزر فوكلاند (مالفيناس) الخاضعة لسيطرة بريطانيا. كذلك فإن المطالب الاقتصادية والسياسية المفروضة على كندا ليست مجرد تطلعات إقليمية، بل هي تحركات تهدف إلى الاستئصال التام للجذور التاريخية ونفوذ بريطانيا في هذه القارة.


• الجدار الحدودي والضغط الداخلي: الجدار القائم على الحدود الجنوبية وحظر الهجرة ليسا مجرد إجراءات ضد اللاجئين؛ بل هما جزء تنظيمي من سياسة تهدف إلى إخضاع المسلمين المخلصين داخل أمريكا بالكامل للنظام، وممارسة الضغط على من يرفض الامتثال، أو التضييق عليه، أو ترحيله.


وخلاصة القول: إن أمريكا تعمل على ترسيخ هيمنتها المطلقة على قارتها؛ وذلك من خلال إقصاء الصين من بنما، وتقويض المصالح الاقتصادية لروسيا والصين في القارة، فضلاً عن الحد من نفوذ بريطانيا.


2. المحور الأوروبي: تناسخ الهيمنة وحزام الأمان الثاني


بدأ التغلغل العميق لرؤوس الأموال والتكنولوجيا الصينية في أوروبا يلقي بظلاله على الهيمنة المطلقة لأمريكا في القارة العجوز. ولإعادة إحياء هيمنتها، لجأت واشنطن إلى تفعيل أدوات حازمة:


• الترهيب الاستراتيجي: أثارت المطالبات العلنية بجزيرة غرينلاند حالة من الذعر في الأوساط السياسية الأوروبية. ولم يكمن الهدف الحقيقي من هذه المطالبة في الاستحواذ على الأرض، بل في ابتزاز أوروبا وإرغامها على قطع علاقاتها بالكامل مع روسيا والصين.


• تحميل العبء المالي: عبر إرغام أوروبا على تحمل نفقات حلف الناتو، تنجح أمريكا في تأمين "حزام الأمان الثاني" ليس على حسابها الخاص، بل على حساب أموال الأوروبيين أنفسهم.


3. السياسة المناهضة للصين: خنق المنافس المحتمل برّاً وبحراً


إن أمريكا إذ ترى في الصين أكبر منافس مادي لها، يُذكر بقوتها الاقتصادية والصناعية المتعاظمة قبيل الحرب العالمية الثانية، قد بدأت بالفعل عملية عزلتها على الساحة الدولية:


• تفكيك التحالفات: من أجل تقويض الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا، استدرجت روسيا إلى المستنقع الأوكراني حتى استنزفت قواها. والمخطط يستهدف استدراج بكين إلى مستنقع مماثل عبر بوابة تايوان.


• قطع سلاسل الإمداد: وُجهت ضربات متتالية لطرق التجارة العالمية التابعة للصين؛ حيث أُغلقت قناة بنما أمام نفوذها، وتعرقلت تدفقات الطاقة من أمريكا اللاتينية وحلف طهران موسكو. وتجري المحاولات لإبطاء محرك الاقتصاد الصيني عبر حرمان منشآت التكرير وإعادة المعالجة لديه - والمصممة للتعامل مع أنواع محددة من المواد الخام - من الحصول على هذه المواد.


4. الاستراتيجية الموجهة للبلاد الإسلامية: احتواء الخطر المبدئي الحقيقي


غير أن الخطر الأكبر والجذري والتاريخي بالنسبة لأمريكا لا يتمثل في الصين أو روسيا. فبعد أن انتزعت أمريكا القيادة الدولية من بريطانيا، ورثت عنها أيضاً راية محاربة الإسلام. وتعتبر اليوم أن الشرط الأساسي للحفاظ على عرشها المتزعزع يكمن في منع عودة الإسلام إلى معترك الحياة وسدة الحكم:


• الحملات الصليبية المستمرة: إن تدمير أفغانستان عام 2001، والعراق عام 2003، ولاحقاً الصومال وغيرها من بلاد المسلمين، لم يكن إلا لمنع البلاد الإسلامية من النهوض.


• إجهاض الصحوة: تم تضليل موجة الصحوة العامة (الربيع العربي) التي انطلقت عام 2011 عبر شعارات ديمقراطية زائفة وحركات مضللة. وتحولت الثورات في مصر وتونس وليبيا إلى ثورات مضادة على أيدي عملاء الغرب. أما في سوريا، فقد أُمطر أهلها الذين رفضوا الخضوع للمستعمرين بآلاف الأطنان من صواريخ الناتو وروسيا.


• تحفيز القمع العالمي: أعطت أمريكا الضوء الأخضر لبطش الدول الأخرى في سبيل إخضاع المسلمين وكسر إرادتهم. فالإبادة الجماعية للأويغور في الصين، وهدم المساجد في الهند، والمذابح في ميانمار، والتضييق المنهجي في روسيا وأوروبا؛ كل هذا هو جزء من سياسة ممتدة لسحق الأمة الإسلامية والتضييق عليها من كل جانب.


• الإبادة الجماعية في غزة والدرع الصهيوني: إن الفظائع التي يرتكبها كيان يهود في فلسطين ليست مجرد إجراءات لحفظ أمنه، بل هي مذبحة تديرها واشنطن وترعاها بشكل مباشر، بهدف ترهيب المسلمين في المنطقة، ومنع تكتلهم حول درعهم الإسلامي الواحد؛ الخلافة، وكسر وعيهم وإرادتهم.


• ورقة إيران والنزاع المصنوع: بعد أن أدى الصمود المنقطع النظير لأهل غزة إلى تعزيز مشاعر الإعجاب والاهتمام بالإسلام في جميع أنحاء العالم، عمدت أمريكا إلى تفعيل ملف إيران لتشتيت أنظار الرأي العام. وتدفع واشنطن بهذا المخطط لتحقيق هدفين: الأول هو السيطرة على النفط والممرات المائية الإيرانية لخنق الصين، والثاني هو ترسيخ وهم "إسرائيل الكبرى" لدى كيان يهود مع الإبقاء عليه مجرد أداة ودمية في يدها.


وختاماً: إن العدوانية الاضطرابية التي تبديها أمريكا اليوم لا تعبر عن قوتها المطلقة، بل هي دليل جلي على فقدانها زمام الإدارة العالمية والأزمة العميقة التي يعانيها نظامها. إن المشكلة التي تواجه المسلمين اليوم ليست مجرد سياسة نظام بعينه، بل هي النزع الأخير ونشجة الموت للنظام الرأسمالي بأكمله، والذي تملّكه الرعب من النهوض الإسلامي المرتقب. وإن السبيل الوحيد لكسر هذا الحصار الرباعي يكمن في تخلي المسلمين عن الحدود والأوهام الجيوسياسية التي رسمها الغرب، والاندماج مجتمعين للعمل لإقامة درعهم الحقيقي؛ الخلافة الراشدة.

 

بقلم: الأستاذ بدر الدين بن عبد الله

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع