- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-10-28
جريدة الراية: الجزائر بين التحوّط المالي
وتوسيع الضرائب
في الوقت الذي تتجاوز فيه أسعار النفط العالمية حاجز المائة دولار للبرميل، تتجه الجزائر إلى إعداد موازنة عام 2027 على أساس سعر مرجعي يبلغ 60 دولاراً، في مقاربة مالية تبدو حذرة تجاه تقلبات أسواق الطاقة، لكنها تفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً للنقاش حول الإيرادات العامة، والضرائب، والقدرة على حماية الناس من أعباء المعيشة.
فوفق تقرير نشرته الجزيرة في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تبلغ قيمة الموازنة الجزائرية المقترحة نحو 148 مليار دولار، بزيادة تقارب 13 مليار دولار عن العام السابق. ويُقدَّر أن توفر إيرادات المحروقات نحو 20 مليار دولار، أي ما يعادل 29.5% من إجمالي إيرادات الدولة. كما يتضمن مشروع قانون المالية توسيع نطاق ضريبة الثروة، من خلال خفض الحد الأدنى لصافي الأملاك الخاضعة لها من 100 مليون دينار إلى 80 مليون دينار.
وتكتسب هذه الأرقام دلالة إضافية في ضوء حركة الأسعار العالمية؛ فقد أغلقت عقود خام برنت يوم 9 تشرين الأول/أكتوبر عند 104.72 دولارات للبرميل، بحسب رويترز. لكن ارتفاع السعر في يوم محدد لا يعني بالضرورة استمراره طوال العام المقبل، ولا يعني أن كل صادرات الجزائر ستُباع بالسعر نفسه.
إن اعتماد سعر مرجعي عند 60 دولاراً لا يعني بالضرورة أن الدولة تتوقع هبوط النفط إلى هذا المستوى؛ فقد يكون الهدف بناء الموازنة على افتراض متحفظ، بحيث لا ترتبط الالتزامات العامة بارتفاعات قد تكون مؤقتة. وإذا استقرت الأسعار فوق هذا المستوى، فقد تحقق الدولة إيرادات إضافية تساعدها على تمويل الإنفاق أو تقليص العجز.
غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بالسعر وحده، بل بكيفية إدارة الفارق بين السعر المرجعي والسعر الفعلي. فإذا تحولت الإيرادات الإضافية إلى احتياطيات مالية واستثمارات منتجة، فإنها قد تمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات المقبلة. أما إذا استُخدمت لتوسيع الإنفاق الجاري من دون معالجة الاختلالات الهيكلية، فقد تتحول الوفرة النفطية المؤقتة إلى التزامات دائمة يصعب تمويلها عندما تتراجع الأسعار.
يضع توسيع ضريبة الثروة الدولة أمام اختبار يتعلق بعدالة توزيع الأعباء. فمن حيث المبدأ، يمكن أن تسهم الضرائب على أصحاب الثروات الكبيرة في تنويع الإيرادات وتقليل الاعتماد على النفط، شريطة أن تُطبَّق بوضوح وعدالة، وأن تستهدف الثروة وفق قواعد دقيقة لا تخلط بين الأصول المنتجة والسيولة المتاحة لدافعي الضرائب.
لكن نجاح هذا التوجه لا يتوقف على حجم الإيرادات المتوقع تحصيلها، بل على مدى قدرة الإدارة الضريبية على ضمان الامتثال، ومنع التهرب، وتطبيق القانون على الجميع. كما أن فرض ضريبة على الثروة لا يعادل تلقائياً فرض ضريبة جديدة على أصحاب الرواتب أو الأفراد ذوي الدخل المحدود؛ ولذلك يجب التمييز بين الإجراءات الواردة في المشروع وبين أية أعباء أخرى قد تظهر لاحقاً.
وفي هذا السياق، أعلن مجلس وزراء الجزائر في 4 تشرين الأول/أكتوبر أن الرئيس عبد المجيد تبون وجّه بعدم إدراج أي ضريبة تمس القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة أو ذوي الدخل المحدود، مع إدراج الزيادات المقررة في الأجور والرواتب.
غير أن التحدي المجتمعي أوسع من مسألة الضرائب المباشرة. فالمرء لا يقيس وضعه الاقتصادي من خلال نص قانون المالية وحده، بل من خلال ما يستطيع شراءه بدخله، وتكاليف السكن والنقل والغذاء، وفرص العمل، وجودة الخدمات العامة. وقد لا تُفرض عليه ضريبة جديدة بصورة مباشرة، لكنه قد يشعر بضغط متزايد إذا تراجعت قدرته الشرائية، أو ارتفعت الأسعار، أو ضعفت فرص التشغيل.
لذلك، فإن حماية الناس لا تتحقق بمجرد إعلان عدم فرض ضرائب تمس دخلهم، بل تتطلب أن تنعكس السياسة المالية على حياتهم اليومية، وأن تكون الزيادات في الأجور قادرة على مواكبة تكاليف المعيشة، وأن يستمر الإنفاق المجتمعي من دون أن يصبح رهينة التقلبات النفطية.
إن الخطر المحتمل لا يكمن في ضريبة الثروة وحدها، بل في اجتماع ثلاثة عوامل: ارتفاع الالتزامات المالية للدولة، وتقلب الإيرادات المرتبطة بالمحروقات، واستمرار الضغوط على مستوى المعيشة. وإذا لم تنجح الدولة في تحقيق توازن بينها، فقد تتسع الفجوة بين الأهداف المعلنة للموازنة والواقع الذي يعيشه أهل البلد.
إن تجاوز النفط مستوى المائة دولار يمنح الجزائر فرصة مالية، لكنه لا يحسم وحده مشكلة الموازنة. فالعائدات تتأثر أيضاً بكميات الإنتاج والتصدير، والأسعار المحققة فعلياً، وتكاليف القطاع، وحجم الإنفاق العام. كما أن السعر المرتفع قد يتراجع، فيما تبقى التزامات الدولة قائمة.
من هنا، لا ينبغي النظر إلى سعر الستين دولاراً بوصفه دليلاً بحد ذاته على أزمة مقبلة، ولا إلى تجاوز المائة دولار بوصفه ضمانة للراحة المالية. الأهم هو ما ستفعله الدولة بالفارق إذا تحقق، وكيف ستوزع الأعباء إذا لم يتحقق.
إن الجزائر بلد غني وذو إمكانات عالية، ويملك اقتصاداً قادراً على مجابهة التحديات. ولقد تعاقب عليه حكام لم يحسنوا استخدام تلك الثروة، بل تكالبوا عليها.
مع الأسف إن حكام اليوم إنما ثبتوا في مناصبهم لنهب البلاد لمصلحة المستعمر، والحصول على بعض الفتات لأنفسهم، وحرمان الشعب من ماله وثرواته.
فيا أهل الجزائر: إن الحل، يكمن في الإطاحة بهؤلاء الحكام، والعودة إلى تطبيق شرع الله؛ عودة تستعيد بها الجزائر هيبتها ومنعتها وقوتها وعزتها، في ظل دولة الخلافة، التي بشرنا بها رسول الله ﷺ، فنطبّق أحكام ديننا، ونرضي الله عنا، وننعم بمعنى الأمن والسعادة، فسارعوا إلى العمل معنا لإقامتها راشدة على منهاج النبوة.
بقلم: الأستاذ نبيل عبد الكريم
المصدر: جريدة الراية



