الإثنين، 03 ذو القعدة 1442هـ| 2021/06/14م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • 2 تعليقات

بسم الله الرحمن الرحيم

 جواب سؤال

علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي

 

السؤال: سيجري في المملكة المتحدة استفتاء على البقاء في الاتحاد الأوروبي وذلك يوم 23 حزيران/يونيو 2016. يجري هذا الاستفتاء في وقت حساس بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي لا يزال يعاني من الأزمة الاقتصادية التي بدأت في عام 2008. وتثار تساؤلات عن إمكانية بقاء الاتحاد الأوروبي على قيد الحياة إذا انسحبت بريطانيا، وعن إمكانية أن يكون له مستقبل بغض النظر عن نتيجة الاستفتاء، وتثار تساؤلات أيضا في المملكة المتحدة حول دور بريطانيا في العالم، لأن للاستفتاء آثاراً عديدة. فما المتوقع من هذا الاستفتاء؟ وجزاك الله خيرا.

 

الجواب: حتى يمكن توقع ما يكون نستعرض كيف نشأ الاتحاد وموقف بريطانيا منه:

 

1- كانت جذور تشكيل الاتحاد الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1945، متمثلة في الرغبة في توحيد أوروبا حتى لا يكون هناك المزيد من الحروب في القارة. فقد كان لدى القارة الأوروبية تاريخ طويل من الحروب. ولقد أيد ونستون تشرشل، رئيس وزراء المملكة المتحدة في ذلك الوقت، هذه الفكرة، واقترح بأن يكون لأوروبا "كيان يمكنها أن تعيش بموجبه في سلام، وفي أمان، وفي حرية ... كنوع من الولايات المتحدة الأوروبية". وفي ذلك الوقت، بعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، لم تأخذ بريطانيا هذه الفكرة، حول اتحاد أوروبا، على محمل الجد، بل حتى لم تتصورها ممكنة. وعندما أنشئت مؤسسة الفحم والصلب عام 1951، ووقعت اتفاقية روما عام 1957، لم تنضم بريطانيا لها، فقد كانت تخشى أن تهدد أوروبا الموحدة السلطة البريطانية، ولهذا اتخذت موقف الانتظار والترقب لمعرفة ما إذا كان الاتحاد سيبقى على قيد الحياة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن عدم انضمام بريطانيا أدّى إلى إضعاف الاتحاد منذ البداية، ذلك لأن دولة كبرى في أوروبا لم تكن جزءا من الاتحاد. قال أحد مهندسي الاتحاد الأصلي، الفرنسي جان مونيه: "لم أفهم أبداً لماذا لم ينضمّ البريطانيون، وتوصلت إلى استنتاج مفاده أنه لا بد أن سبب ذلك كان ثمن الانتصار - الوهم بأنك تستطيع الحفاظ على ما عندك دون تغيير". بي بي سي 2014/04/01.

 

2- وبحلول عام 1960 كان الاتحاد الأوروبي قد استقر، وأدرك الساسة البريطانيون أن وجودهم خارج الاتحاد الأوروبي كان يعني أنه ليس لديهم نفوذ عليه. فأدرك ساسة بريطانيا أنهم بحاجة لأن يكونوا على طاولة قيادة أوروبا من أجل التأثير عليها، وللتأكد من أنها لم تتوحد إلى درجة تجعل بريطانيا ضعيفة وغير مهمة. لذلك قدَّمت في عام 1961 طلباً للانضمام إلى الاتحاد، فرفض دخولها - مرتين - من قبل الرئيس الفرنسي شارل ديغول. فقد سعى لإبعاد بريطانيا عن أوروبا، لأنه فهم أن استراتيجية بريطانيا كانت منع توحيد أوروبا. واتهم بريطانيا "بالعداء العميق" للكيان الأوروبي. لكن ديغول استقال من منصب الرئيس الفرنسي في عام 1969، وتوفي بعد سنة واحدة من ذلك. فاجتمع خلفه جورج بومبيدو مع رئيس الوزراء البريطاني إدوارد هيث عام 1971، وبعد مفاوضات طويلة، منح بريطانيا العضوية في الاتحاد الأوروبي.

 

3- بعد ذلك بدأت بريطانيا على الفور في عهد حزب المحافظين تدعو إلى إعادة التفاوض على شروط انضمام بريطانيا للاتحاد، في محاولة لتقويض الاتحاد... وعندما جاء حزب العمال إلى الحكم في عام 1974، استخدمت قيادته إعادة التفاوض لتهديد زعماء الاتحاد الاوروبي، لأنها طلبت عرض بنود إعادة التفاوض على الجمهور للاستفتاء العام، ثم توصل زعيم ألمانيا الغربية هيلموت شميدت ورئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون إلى صفقة تبقي بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، بأن يعطي شميت بعض التنازلات لإظهار أن الحكومة البريطانية حققت هدفها المتمثل في إعادة التفاوض. لقد قامت الأحزاب الرئيسية الثلاثة في بريطانيا بحملة كاملة لإبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي؛ وبعد الاستفتاء في عام 1975، صوت 67% من الناخبين لصالح البقاء في الاتحاد، الذي كان في ذلك الوقت مجرد منطقة تجارة حرة. وبحلول عام 1980 كان قادة الاتحاد يركزون على زيادة الاندماج في الاتحاد، والتوجه نحو أوروبا أكثر اتحادية، وعملة واحدة، وكان الاتحاد الأوروبي يتحرك نحو اتحاد سياسي وسوق واحدة، مما يجعل بريطانيا مجرد دولة أخرى مندمجة في أوروبا مثل بلجيكا! لقد كان هذا يعني أيضا أن تتخلى بريطانيا عن بعض سيادتها وسلطتها والقوانين البرلمانية لصالح البرلمان الأوروبي في بروكسل. وعلى الرغم من تأييد مارجريت تاتشر لأوروبا في البداية، إلا أنها ألقت في عام 1988 خطاباً في بروج، بلجيكا، أوضحت فيه الموقف البريطاني، حيث رفضت "دولة أوروبية كبرى تمارس سيطرة جديدة من بروكسل". فأدى ذلك إلى حدوث انشقاق في حزب المحافظين، والذي لا يزال موجوداً حتى اليوم، مما أدى في النهاية إلى سقوطها، وهكذا فشلت بريطانيا في إبقاء الاتحاد الأوروبي منقسماً، فوقَّعت في نهاية المطاف اتفاقية ماستريخت في عام 1992، وأدى هذا إلى نقل واسع في السلطة إلى الاتحاد الأوروبي الجديد، ولكن بريطانيا ضمنت خيار الخروج من العملة الموحدة.

 

4- في عهد حكومة مارجريت تاتشر، 1979 - 1990 تعمقت الخلافات كثيراً بين سياسيي حزب المحافظين والطبقة السياسية. فاستقال وزراء عدة، بينهم جيفري هاو، نائب رئيس مجلس الوزراء... وبينما لم يكن هناك معارضة للاتحاد الأوروبي في عام 1971، كبرت المعارضة لرؤية بعض السياسيين أن بريطانيا تتخلى عن الكثير من السلطة إلى أوروبا. لقد قال الأستاذ بوجدانور، خبير في تاريخ بريطانيا، في كنجز كولدج - لندن "كانت أوروبا قضية سامّة/مؤذية في السياسة البريطانية، ليس لأنها سببت الانقسام بين الطرفين فحسب، ولكن بسبب الانقسامات العميقة داخل الأحزاب (البريطانية) أيضاً. فقد يرى البعض أن الصراع الأساسي في السياسة البريطانية بعد الحرب العالمية ليس أكثره بين اليسار واليمين بقدر ما هو بين أولئك الذين يعتقدون أن مستقبل بريطانيا يكمن في أوروبا وأولئك الذين لا يعتقدون ذلك" بي بي سي 2014/04/01.

 

5- لقد كان هناك قضيتان افترق السياسيون والكثير من الجمهور البريطاني عليهما؛ واحدة هي قضية السيادة والأخرى هي القومية. والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يعني نقل العديد من السلطات إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي. ويشمل ذلك العديد من القوانين التي تتخذ في بروكسل بدلا من البرلمان البريطاني. وهذا يتعارض مع كون كل دولة أمة، وذلك لأن سنّ الدول العلمانية للقوانين والسياسات الخاصة بها علامة على الاستقلال... وهكذا فإنه بازدياد تكامل الاتحاد الأوروبي، فقدت المملكة المتحدة المزيد من الصلاحيات، وقد تسبب ذلك في العديد من الانقسامات بين صفوف الطبقة السياسية. كما أن الاتحاد الأوروبي هو أيضا منظمة تتجاوز الحدود الوطنية، الأمر الذي يتحدى الهوية البريطانية والتاريخ البريطاني، بوصفها دولة إنجليزية منفصلة. لقد تسببت هذه القضايا في انشقاقات كبيرة، وكانت مشكلة كبيرة بالنسبة لحكومات متعاقبة في استخدام الاتحاد الأوروبي لمصالحها الخاصة. فإنشاء حزب الاستقلال في المملكة المتحدة حول قضية معاداة أوروبا أدى إلى حصول ذلك الحزب على دعم الكثير من الشعب البريطاني، مما تسبب في مزيد من الانقسامات داخل حزب المحافظين، وأدى إلى مزيد من الرأي العام المعارض للاتحاد الأوروبي. لقد حصل حزب الاستقلال على مقاعد في البرلمان الأوروبي، واستخدم موقعه هناك للطعن فيه ولتقويضه، وتأكدت شعبية ذلك الحزب في الانتخابات العامة عام 2015 عندما احتل المركز الثالث في الانتخابات العامة، ولكن النظام الانتخابي البريطاني بأن الفائز الأول يتولى السلطة هو الذي أبقاه بعيدا عن السلطة في نهاية المطاف.

 

6- ولكن منذ بداية الأزمة المالية في عام 2008 اشتبكت بريطانيا مع الاتحاد الاوروبي بشأن العديد من القضايا، فقد اشتبك رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون مع أوروبا بشأن خطط لفرض ضريبة على البنوك، وتقييد القطاع المالي في لندن... وفي آذار/مارس 2015 فازت المملكة المتحدة في دعوى قضائية ضد البنك المركزي الأوروبي في محكمة العدل الأوروبية، حيث حاول البنك المركزي الأوروبي نقل وظيفة مقاصة معاملات منطقة اليورو إلى داخل الاتحاد، وكان يمكن لمثل هذه الخطوة أن تستبعد لندن، بينما تكون باريس وفرانكفورت أكثر جاذبية كمراكز مالية، ما من شأنه أن يضعف الموقف الاقتصادي في بريطانيا. لقد استخدم ديفيد كاميرون التهديد بمغادرة الاتحاد الأوروبي وسيلة للتفاوض على شروط أفضل مع مسؤولي الاتحاد الأوروبي، وإذا لم يفلح هذا التهديد فقد هددهم بالاستفتاء على ترك الاتحاد.

 

7- بالنسبة لبريطانيا، يشكّل الاتحاد الأوروبي الموحد تهديدا لقوتها، فكان إبقاؤه منقسماً هدفها الدائم. فبريطانيا تريد من جهة إبقاء الاتحاد الأوروبي منقسماً، وتريد من ناحية أخرى استخدامه لمصلحتها الخاصة في القضايا الدولية. لقد عملت بريطانيا في كل فرصة على تقويض الاتحاد الأوروبي، منذ لحظة الانضمام إليه، والدعوة بعد ذلك على الفور إلى المفاوضات، الأمر الذي أدى بدوره إلى الاستفتاء: دعت إلى سوق واحدة في الاتحاد الأوروبي ثم وقفت ضده... وانتقدت إنشاء دولة أوروبية عظمى، لأن ذلك يقوّض سيادتها... ودعت بريطانيا إلى وحدة في أوروبا ثم انسحبت من الانضمام إلى منطقة اليورو... هكذا عملت بريطانيا في كل فرصة على فكّ الاتحاد الأوروبي وإبقائه ضعيفاً، ولكنها أدركت منذ الأيام الأولى للاتحاد الأوروبي بأنه يجب أن تكون في الاتحاد من أجل التأثير فيه، فهي بحاجة، سياسياً، للبقاء داخل الاتحاد الأوروبي، وهكذا انضمت إلى الاتحاد لتحقيق هذا الهدف بعد أن رأت أنه لا يمكنها تحقيقه من خارجه. لقد أدرك ديغول هدف بريطانيا المذكور فأبقى بريطانيا خارج الاتحاد، ولكن سُمِح لها في نهاية المطاف بالانضمام إليه!

 

8- تستفيد بريطانيا أيضا اقتصاديا من الاتحاد الأوروبي، وهذا يفيد شركاتها ونخبتها الغنية، فاقتصاد بريطانيا تسيطر عليه الخدمات؛ والخدمة الرئيسية في بريطانيا هي الخدمات المالية. إن بريطانيا تصدّر القليل من السلع، ولكنها تعتمد على الخدمات المالية من أجل الدخل، ورأس المال والعملات الأجنبية. كما أن سوق الاتحاد الأوروبي الموحّد يعني أنه يمكن لبريطانيا أن تصدّر بدون قيود تجارية إلى كلّ أوروبا، مما يفيد الشركات الكبرى والنخبة الغنية. لذا فتركها للاتحاد الأوروبي يفقدها هذا الموقع ويؤدي إلى مشاكل سياسية في البلاد. وكذلك فإن ترك الاتحاد الأوروبي يعني أن بريطانيا ستتوقف عن أخذ قوانين أو قرارات يصدرها الاتحاد الأوروبي، ولأن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الرئيس لبريطانيا، فإن تركها للاتحاد بينما هي دولة أوروبية يضعف موقعها في أوروبا... هذا بالإضافة إلى أنها في هذه الحالة ستحتاج إلى تحدّي الاتحاد الأوروبي من خارجه وهذا يضعف تأثيرها في الاتحاد. أما تأثيرها فيه وهي في داخله فهو تأثير أقوى وأشد فاعلية.

 

9- وبناء على ما سبق يمكن إجمال علاقة بريطانيا بالاتحاد والمتوقع من الاستفتاء كما يلي:

 

أ- أرادت بريطانيا دائما أن تضعف الوحدة الأوروبية، وعملت من داخل الاتحاد الأوروبي لتحقيق ذلك.

 

ب- في الوقت نفسه، تنظر بريطانيا للاتحاد الأوروبي من زاوية مصالحها الخاصة، وتعمل لتعديله لصالحها، مما يثير كثيراً غضب فرنسا وألمانيا.

 

ج- هناك بعض الأضرار التي تمس بريطانيا نتيجة وجودها في الاتحاد الأوروبي، حيث تخسر السيادة والسلطة؛ لكنه ينظر إلى ذلك كثمن عليها دفعه لتبقى مؤثرة فيه. وهذا سبّب الانقسامات بين السياسيين، والنخب والشعب البريطاني ما جعل الحكومة البريطانية تطالب باستعادة بعض السلطات من خلال التهديد بإجراء استفتاء عام على ترك الاتحاد الأوروبي.

 

د- لهذه الأسباب فليس من المتوقع أن تترك بريطانيا الاتحاد الأوروبي، بل يرجح أنهم سيصوّتون لصالح الوضع الراهن...

 

هذا ما يغلب على الظن في هذه المسألة، ومع ذلك فإن بريطانيا تتقن فن الابتزاز، ولذلك فليس من المستبعد أن تمدد موعد الاستفتاء إذا اقتضته مصلحتها، أو تجعل النتائج غير حاسمة، وذلك ليكون هناك مجال للأخذ والرد لمزيد من ابتزاز الاتحاد الأوروبي في تقديم تنازلات... والمتوقع أن تستمر بريطانيا في خداعها للاتحاد الأوروبي إلى أن يوجد في الاتحاد من يعرف حقيقتها فيطردها من الاتحاد دون أن تبتزه بالطَّرق على أبواب مواعيد الاستفتاء!

 

 

الخامس والعشرون من رجب 1437هـ

2016/05/02م

2 تعليقات

  • إبتهال
    إبتهال الأربعاء، 04 أيار/مايو 2016م 02:34 تعليق

    جزاكم الله خيرا وبارك جهودكم

  • khadija
    khadija الأربعاء، 04 أيار/مايو 2016م 00:22 تعليق

    أدامكم الله سندا لخدمة هذا الدين .. وسدد رميكم وثبت خطاكم .. ومكنكم من إعلاء راية الحق راية العقاب خفاقة عالية .. شامخة تبدد كل المكائد والخيانات والمؤامرات.. اللهمّ آمين، إنه نعم المولى ونعم النصير..

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع