الأحد، 04 شوال 1447هـ| 2026/03/22م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

محاضرة- الدولار والعملة البديلة - أبو عمر البدراني

  • نشر في اقتصادية
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1167 مرات

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

لقد يسر الله لي دراسة مناسبة قبل كتابة هذا الموضوع للتعرف على طبيعة العملة الأمريكية -الدولار- وأسباب كونه عملة تحويل واحتياط دولية، واطلعت على كثير من الأرقام والإحصائيات والآراء الاقتصادية والسياسية،وكنت على وشك أن أضمن موضوعي هذا حصيلة مناسبة من هذه الأرقام لعلها تعطي المستمع الكريم فكرة مناسبة عن هذه المشكلة الصعبة -الدولار الأمريكي- ولكنني عدلت عن ذلك إلى فكرة التعامل مع الواقع الموجود، بمعنى أن ندرك واقع الدولار الآن وما أهيميته في المبادلات والتعاملات الأخرى وبالتالي على الحركة الاقتصادية.


أولاً -اتفاقية بريتون وودز-


تنادى الحلفاء بزعامة الولايات المتحدة عام 1944 لعقد مؤتمر في بريتون وودز للنظر في النواحي النقدية والتجارية الدولية بعدما أصابها من خلل خلال الحرب الكونية الثانية وكون الولايات المتحدة هي المنتصرة عملياً من حيث أن الحرب لم تطأ أرضها ولا بنيتها الاقتصادية من ناحية ومن ناحية أخرى تكدس ثلثي ذهب العالم في خزائنها المقدر (25 مليار دولار) آنذاك من أصل 38 مليار دولار أمريكي.
فقد جعل المؤتمر:


1- الذهب هو أساس نظام النقد الدولي، بمعنى أن تربط كل دولة عملتها بالذهب بتحديد وزن ذهبي لها مع عدم السماح بحرية التبديل بالذهب، ما عدا الدولار الأمريكي فهو الذي يسمح بتبديله بالذهب للأسباب المذكورة سابقاً.


2- جعل سعر أونصة الذهب (31.1) ملغرام بـ 35 دولار أمريكي قابلاً للتحويل وهذا يعني أن من يحوز أي مبلغ بالدولار يستطيع أن يبدله بالذهب بالسعر الرسمي وهو 35 دولار للأونصة، بينما إذا كان بحوزته أي عملة أخرى بحسب هذا القرار لا يستطيع تبديل ما بحوزته بالذهب.


وهذا ما جعل الدولار عملة احتياط، فبدل تخزين الذهب كاحتياطات للعملة، أخذت دول العالم تشتري الأوراق النقدية الذهبية -الدولار- وتجعلها بجانب الذهب في خزائنها، بعد ذلك حدثت عدة أزمات مالية في العالم، أدى ذلك إلى هروب المستثمرين نحو الذهب، فأخذوا باستبدال الدولارات بالذهب مما جعل الأرصدة الذهبية في الخزينة الأمريكية بالذوبان حتى جاء العام 1960 فتعادل الذهب والدولار بحيث وصلت نسبة التغطية الذهبية للدولار 100% وهي بحسب الإحصائيات كانت بواقع 188 مليار دولار تقريباً لكل من الأرصدة الذهبية والدولار مع العلم أنها كانت أكثر من 300% في الأربعينات وبدأت بعد ذلك رحلة التناقص واستمرت بعد العام 1960 كذلك إلى أن وصلت تغطية الذهب للدولار 50% فقط في العام 1965 أي بواقع 14 مليار دولار ذهب إلى 25 مليار دولار واستمرت في الزيادة حتى بلغت في آواخر 1970 إلى احتياطي ذهبي 11 مليار دولار مقابل 43 مليار دولار أي 25% مقدار التغطية الذهبية للدولار ثم جاء قرار الرئيس الأمريكي نيكسون في عام 1971 وقطع العلاقة بين الذهب والدولار بإزاحة التغطية الذهبية عن الدولار وتحرير الدولار من أي التزامات سابقة، وعملت الولايات المتحدة على جعل الذهب بضاعة وليست غطاء للعملة وصار الطلب على الذهب شديداً بحيث ارتفع سعره حتى زاد عن 160 دولار للأونصة الواحدة وذلك بسبب مشاكل اعترت الاقتصاد الأمريكي والدولار الأمريكي وبناءاً على هذه الزيادة أيضاً انخفضت قيمة الدولار ودخل بعدها الدولار في أزمات ما زالت قائمة حتى الآن.


إن هذا الإجراء لهو أكيد عملية سرقة ونصب وقعت فيما أعلم على وجه الكرة الأرضية.


هذه هي البلطجة الأمريكية، الاقتصاد العالمي يقوم بورقة هي الدولار قيمتها لا تزيد عن ثمن الورق والحبر الذي عليها.


ثانيا: قد يقال أن قيمة الدولار تستمد من قوة الاقتصاد الأمريكي الذاتية وبالتالي فإن للدولار قيمة حقيقية، والرد على ذلك هو أن الاقتصاد الأمريكي كان هو الأقوى حتى منتصف القرن العشرين وبعد ذلك تغيرت الأمور، ينقل الدكتور عبد الحي زلوم في كتابه حروب البترول الصليبية صفحة 383 تحت عنوان نهاية الإمبراطورية الأمريكية -قلب صناعي فارغ- ينقل تعليق ايمانويل تود مستشار الرئيس شيرال ((شخصياً أحب الولايات المتحدة، وحتى وقت قريب كانت أمريكا العامل الأكثر أهمية في الحفاظ على النظام الدولي، غير أنها تحولت الآن إلى عامل عدم استقرار فمن جهة فقدت أمريكا قوتها الصناعية وأصبحت تعاني من عجز قياسي في الميزان التجاري يصل حالياًَ إلى 435 مليار دولار وتحتاج البلاد إلى 1.5 مليار جنيه إسترليني يومياً كعملة صعبة ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على تلبية احتياجاتها الاقتصادية دون مساعدة الآخرين وبالمقارنة نجد أن قوة أوروبا تكمن في قدرتها التصديرية" ويقول: " فقد ارتفع حجم العجز في الميزان التجاري الأمريكي من 100 مليار دولار عام 1990 إلى حوالي 600 مليار دولار حالياً _الطبعة العربية 2005- وهو العجز الذي يتم تمويله من خلال تدفقات رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة التي تعيد بذلك التجربة الاسبانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، فمع تدفق شحنات الذهب من العالم الجديد استسلمت اسبانيا للإنتاجية القليلة وارتفعت معدلات الاستهلاك والعيش بمستويات عالية تتعدى القدرات الفعلية للبلاد وانتهاء بالوقوع في مصيدة التراجع الاقتصادي والتقني" انتهى الإقتباس.


هذا مع العلم أن الدين العام للولايات المتحدة بلغ 34 تريليون دولار وهو ثلاثة أضعاف الناتج القومي الأمريكي البالغ 12 تريليون دولار، لو أن هذه الأرقام بل أقل منها بكثير وقع في أية دولة أخرى سواء أوروبية أو روسيا مثلاً لأصابها انهيار تام وشلل اقتصادي وتغير في النظام والسلطة وما إلى ذلك والسبب أن عملة هذه البلاد ليست عملة محررة من القيود كالدولار، فإذا طبع ذلك البلاد نقوداً ورقية إضافية انخفضت قيمتها بنسبة كمية الطباعة، بينما الولايات المتحدة تطبع ما تريد وتنقل هذا التضخم في عملتها المحلية من داخل الولايات المتحدة إلى خارجها ويتحمل عنها الاقتصاد العالمي كافة التبعات السيئة، فتشتري البنوك المركزية في اليابان والصين وألمانيا ودول أوروبا وغيرها ما وجد فائضاً من الدولارات حفاظاً على اقتصادها الذاتي كونه يعتمد في الاحتياط النقدي على الدولار بشكل رئيسي ومن ثم يحافظ على الاقتصاد الأمريكي من الضعف والتفكك.


فمثلاً مقابل إنتاج الأوبك من النفط المقدر بـ 30 مليون برميل يومياً وبسعر 55 دولار تطبع الولايات المتحدة 1650 مليون دولار يومياً مقابلها أي ما يزيد عن 6 مليار دولار سنوياً، فالنفط قيمة حقيقية والدولار لا قيمة حقيقية له، ولأن النفط مقدر بالدولار فالدول تنتج والولايات المتحدة تطبع وتضخ في الأسواق دولاراتها وعلى دول العالم امتصاص ما يوجد في السوق من دولارات وهكذا تغطي أمريكا نفسها بثروات غيرها.


-إذاً مديونية عامة تزيد 34 تريليون دولار.
-عجز في ميزان المدفوعات يزيد عن 600 مليار دولار.
-عجز بل عجوزات في الميزان التجاري مقابل كثير من الدول مثل الصين والدول الأوروبية.
-دولارات ضائعة في العالم لا قيمة لها إلا وهم قوة الولايات المتحدة.


كل هذا يؤدي إلى النقطة الثالثة:


ثالثاً: قرار إنهاء الولايات المتحدة من الخارج.


لقد جاءت هيمنة الدولار كعملة دولية بقرار سياسي وصنعت المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لحماية العملة الأمريكية والاقتصاد الأمريكي من الزوال، ولكن النتيجة الراهنة التي تعيشها الولايات المتحدة كارثية، فقد تنبهت كثير من الدول إلى الورطة التي حلت بها نتيجة استناد عملتها إلى الدولار، وهي أنه في حال هبوط قيمة الدولار فهذا يعني تبخر قيمة المدخرات والاحتياطات الدولارية، لذلك عملت أوروبا للوصول إلى أوروبا الموحدة، فوصلت إلى الوحدة الاقتصادية ووحدت عملتها باليورو الذي دخل في احتياطات كثير من الدول وكذلك في المعاملات التجارية الدولية، وأخيراً اتفقت روسيا والصين على جعل الروبل واليوان عملة تجارية بين بلديهما في محاولة للتخفيف من آثار الدولار عليهما.


فماذا لو أن الصين امتنعت عن شراء الدولار وسندات الخزينة الأمريكية؟ وهي التي تنتج الآن 3 آلاف طن من الذهب سنوياً.


ماذا لو جاء نظام وقال لا للدولار، مثلما هيمن الدولار بقرار سياسي فإن إسقاطه أيضاً سيكون بقرار سياسي شجاع من نظام يرفض الهيمنة الأمريكية ويملك من المقومات الفكرية والاقتصادية ما يمكنه من ذلك مع أن بعض الدول الآن تملك اقتصاد حقيقياً يؤهلها على اتخاذ هذا القرار ولكنها أجبن من ذلك فالنفعية حطمت هيبة الدول وكثير من كرامتها أمام الاستعمار والهيمنة الغربية وخصوصاً الأمريكية.


إن النظام المؤهل لاتخاذ هذه الخطوات هو نظام الإسلام (الخلافة) فكيف ذلك:


حتى يكون الحل واضحاً جلياً أضفه ضمن نقاط محددة:


1- إن الواقع العملي يقول أن العملات في العالم من حيث طبيعتها :


أ‌- إما أنها تستند إلى الذهب كلياً أو جزئياً، أما كلياً فإما أن تكون العملة ذهباً أو ورقاً نائباً عن الذهب وتكون مغظاة بكامل القيمة المحددة في القانون، وجزئياً أن تكون التغطية الذهبية ليست كاملة فهي 75% أو 50% أو أقل من ذلك.


ب‌- أن لا تستند إلى الذهب وتسمى النقد الإلزامي وهو أن يصدر قانون بصفة هذه الورقة النقدية وقيمتها كالدولار واليورو مثلاً.


هذا هو الواقع بالنسبة للعملات العالمية والمحلية والحاصل أن الدول تصدر وتستورد الخدمات والبضائع وتحب أو تشترط أن يدفع لها بعملة معينة سواء بعملتها المحلية أو بأي عملة دولية أخرى وهذا يحتم أن تحوز الدولة المقابلة العملة المناسبة للشراء من هذه الدولة.


فالشرع يجيز اقتناء هذه العملات من أجل شراء المواد والبضائع التي تلزم الدولة والناس باعتبارها أشياء والأصل في الأشياء الإباحة.


والحاصل أن المسألة في إسقاط عملة من عدم إسقاطها وإنما هو في رفع الهيمنة الدولية لصاحبة تلك العملة عن بلاد المسلمين فالمسألة ليست في الامتناع عن استخدام الدولار والجنيه الإسترليني وما شابه ذلك وإنما في رفع هيمنة الولايات المتحدة على دول العالم عبر استخدامها للدولار من كونه عملة احتياط وتسعير وتبادل دولية، لذلك فإن اتخاذ الدول عملات خاصة بها يحد من سيطرة الدولار على اقتصادياتها واحتياطاتها من العملة الأمريكية.


أما استخدام الدولة الإسلامية (الخلافة) للذهب والفضة كعملة أي نقد أو أساس للعملة فإنه آت من اعتباره حكماً شرعياً فالإسلام يوجب على الدولة اتخاذ الذهب والفضة عملة لها ودليل ذلك:


1- قول الله سبحانه: {.... وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }التوبة34، فالنهي في الآية خص الذهب والفضة وليس أي مال آخر لأنها أداة التبادل النقدي مع العلم أن جمع أي مال آخر يسمى احتكاراً ولا يسمى كنزاً، فالكنز بمعنى جمع الذهب والفضة حصراً بالنقد ألذي بالذهب والفضة.


2- أن الشرع ربط أحكاماً شرعية معينة بالذهب والفضة خصوصاً وذلك لأنها نقد ومنها تعيين الزكاة في الذهب والفضة، وكون حد السرقة في ربع دينار ذهب فصاعداً وتعيين ألف دينار ذهباً دية القتل في أصل الذهب واثني عشر ألف درهم فضة.


وإعتبار الصرف لا يكون إلا في الذهب والفضة، واعتبر الزيادة عن صرف الذهب بالذهب ربا وحرمه وكذلك الفضة بالفضة، وجعل التفاضل بين الذهب والفضة جائزاً ولكن يداً بيد، وكذلك الصرف بين الذهب والفضة وباقي العملات جعلها بالتفاضل ولكن يداً بيد.


من هنا نفهم الكيفية التي نتعامل بحسبها مع كافة العملات المحلية للدول الأخرى والتي تسمى الآن عملات دولية، فالتعامل بهذه العملات بيعاً وشراءً ليس لاتخاذها عملة احتياط أو نقد وإنما عملة للتبادل التجاري فحسب فالتبادل مباح مطلقاً بأي شيء مطلقاً لأن (الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم).
قلنا أن العملات الأخرى إما فضة وذهب أو ورق نائب عن الذهب والفضة كلياً أو جزئياً أو ورق إلزامي قانوني غير مرتبط بالذهب والفضة.


فنحن في ظل دولة الخلافة أما نتعامل بالذهب والفضة مباشرة وإما بالورق النائب عن الذهب والفضة بحيث يستبدل عند الطلب بقيمته من الذهب والفضة كاملاً، فالدينار الذهبي يساوي 4.25 غرام، فمن الممكن طباعة ورقة بديلة عن هذا الدينار الذهبي لأنه أخف وزناً وأسهل للتعامل ولكن عند الاستبدال نستطيع أن نستبدله فوراً عن الطلب من الجهة المخولة بالاستبدال (مثلاً مصارف تكون موزعة في مدن وقرى الدولة تقدم هذه الخدمة سواء من قبل الدولة أو مصارف أهلية) أو ممن يملك قطعاً ذهبية كدنانير أو غير دنانير فالعبرة بالوزن لا بالشكل أو النقش الموجود على القطع الذهبية، فقد تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم بقطع فارسية ورومية ويمنية منقوش عليها وغير منقوش، الذي كان معتبراً هو الوزن والوزن كان وزن أهل مكة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الوزن وزن أهل مكة» وكذلك يقال عن الفضة ولكن بوزن آخر غير وزن الذهب.


ويُعمل بنظام الذهب ونظام الفضة سوية لتسهيل عملية التبديل وتقسيم العملة وأجزاءها وقيمها حتى تستوعب كافة عمليات البيع والشراء والاستبدال والصرف مع ملاحظة أن عمليات الصرف يجب أن تكون حاضراً يداً بيد، أي في نفس المجلس، فإذا كان من جنس واحد أي ذهب بذهب، أو فضة بفضة، فهي وزن بنفس الوزن من نفس الجنس وإن اختلف الشكل، أي قطعاً ذهبية بالتبر، فالعبرة هو الوزن لا الشكل، وكذلك الفضة بكافة أشكالها وأنواعها وزناً بوزن وكلها بنفس المجلس من حيث التقابض، أما الذهب بالفضة والعكس فيتفاضل الوزن ولكن التقابض في نفس المجلس.


وعند شراءنا لعملة أجنبية ذهباً نأخذ وزناً بوزن يداً بيد داخل الدولة وخارجها فالعبرة للحكم الشرعي لا للزمان ولا للمكان، وكذلك إن كانت فضة، فتطبق الأحكام الشرعية نفسها مع عملة الدولة.


فإن كانت أوراق نقدية مغطاة بقيمة معينة من الذهب أو الفضة، فإنها تؤخذ بقيمة ما فيها من الذهب أو الفضة فقط دون زيادة أو نقص وإلا كان رباً إذا كان النقد من جنس واحد ويجوز التفاضل باختلاف جنس النقد وإن كانت أوراق إلزامية كالدولار واليورو، ليس لها قيمة من الذهب والفضة فإنها تشترى بحسب ما فيها من قوة شرائية، والأصل أن نحوز من هذه العملات الإلزامية بقدر ما نحتاج، ولا أن نكدسها في بلادنا، لما في ذلك من مخاطر فقدانها لقيمتها بقرار ما من دولتها مثلاً، فنتكبد خسائر لا داعي لها سواء على صعيد الدولة أو الأفراد، وعلى صعيد آخر فإن احتياج الدولة أو الأفراد لهذه العملات هو حسب احتياجنا لبضائع تلك الدولة أو بحسب سياسة دولة الخلافة تجاه تلك الدولة وهذا بحسب السياسة الخارجية ومقتضيات حمل الدعوة وهذا موضوع آخر.


وعلى الدولة الإسلامية أن تقلل حاجتها بأقل قدر ممكن للدول الأخرى فالأصل فيها أن تشترى وتدخل للدولة ما هو ضروري من الناحية الإنسانية كالطعام مثلاً وما هو ضروري لقوة الدولة من سلاح ومواد إستراتيجية وأن تنمي قدراتها الذاتية من المأكل والمشرب والملبس والمواد الضرورية للصناعة سواء الصناعة العسكرية أو المدنية والطاقة والمواد المؤثرة في التقدم الصناعي والاتصالات وما شابه ذلك، وهذا يؤدي إلى قلة الاتصال مع الدول الأخرى وبالتالي يؤدي إلى تعاظم عوامل الاستقرار داخل الدولة وخارجها، وإن كان حجم العلاقة التجارية بينها وبين الأمم الأخرى مع كل هذا الحرص سيكون كبيرا، بحسب احتياج تلك الدول إلى كثير من بضائعنا، مما يجيز لنا الشرع أن نبيعه للدول الأخرى المعاهدة مثلاً والمحاربة حكماً سواء من المواد الطبيعية كالمواد الخام أو المواد الصناعية والزراعية والخدمات الأخرى، وما نحتاجه نحن بطبيعة الحال.


من هذا كله يتبين أن العملات ضمن هذه المعالجة ستصبح محلية لا دولية وأن نظام الذهب هو الذي سيتجه إلى الشيوع والانتشار، لعوامل الاستقرار الناتجة عن استخدامه فالذهب والفضة لها قيمة ذاتية في نفسها، ليست موجودة في العملات الأخرى الإلزامية.


من الملاحظ أن الدول الاستعمارية فقط هي التي استخدمت أسلوب النقد الإلزامي من أجل الاستعمار، بغض النظر عن المخاطر التي يتعرض لها الناس أو الدول كما هو مشاهد عملياً ومحسوس الآن.


لذلك فإن وجود نظام الخلافة بالإضافة لكونه ضرورة شرعية لأنه فرض، فهو ضرورة بشرية لأن هذا الوجود من أهم عوامل الاستقرار الدولي على الإطلاق وكفي أن أحكامه آتية من التشريع الإلهي الخالي من الأنانية والجشع واستنزاف ثروات الشعوب والأمم.


هذه هي الطريقة العملية للخلاص من هذه المعاناة التي تعيشها الشعوب في زمن الاستعمار زمن الحرية الاقتصادية الكاذبة التي خلفت تحكم حفنة جشعة من البشر لا تزيد عن 1% من السكان في مصير البشرية، دون رادع من دين أو دولة أو خلق، هذه هي الرأسمالية هذه هي أمريكا ودولارها، فالمسألة هي بإيجاد نظام بديل صحيح يقوم على أساس روحي وهو الإيمان بالله خالقاً مدبراً للبشر وعيشهم، يجعل أساس العيش عبادة الله لا جمع الثروة، بل يجعل الثروة في خدمة هذه العقيدة التي أوجبت على الحاكم أن يرعى رعيته بتقوى الله وأن يحافظ على كرامتها ودينها وثروتها وأن يكون هو أحد أفراد هذه الأمة خادم لها لا متسلط عليها، وأن يكون مقياس الحياة الحلال والحرام لا التبعية المادية، فيوجد بين الناس دين ودولة إنسانية تعالج مشاكل الناس تبعاً لإنسانيتهم لا باعتبارهم وسائل إنتاج وعمل، أو مرتزقة قتل وحماة سلطة.


إن وجود هذا النظام سيكون مثيراً، وسيواجه ردود أفعال مختلفة قد تكون خشنة أو أقل من ذلك، ولكنه وبغض النظر فإن هذا النظام هو الذي سيكون.
{يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ(33)} التوبة
.
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبو عمر البدراني

إقرأ المزيد...

سلسلة قل كلمتك وامش - سنون من عمر النكبة ح4 - الأستاذ أبو محمد الأمين

  • نشر في سياسية
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1300 مرات

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

قلنا في الحلقة الماضية إن جامعة الدول العربية وأعضاءها السبعة عام 1948م قاموا بتسليم أكثر أراضي فلسطين لليهود من خلال مسرحية هابطة مثلوها على أهل فلسطين معلنين أنهم جاؤوا لحماية فلسطين من اليهود، ودخلت الجيوش العربية في ذلك الوقت في معارك صورية لم توقف اليهود ولن تحم الأرض ولا الأعراض من اعتداءات قطعان يهود.

وما أن حصل الاحتلال اليهودي وتسليم معظم الأراضي إلا وبدأت المفاوضات بين حكام الدول العربية وقادة الكيان اليهودي الغاصب في جزيرة رودس حيث وقعت اتفاقيات الهدنة بين اليهود والدول العربية.

هذه الاتفاقيات مكنت لليهود في فلسطين الذين أصبح وجودهم وكيانهم شبه الشرعي باعتراف الأمم المتحدة وحكام الدول العربية.

نقول شبه الشرعي لأن كيان يهود لن يكون شرعيا ً إلا باعتراف أهل فلسطين أو من يمثلهم في هذا الكيان.

وحتى يطمئن الصليبيون على بقاء هذا الكيان في فلسطين بدأوا يتحركون لعقد صلح دائم بين العرب واليهود، يكون أبناء فلسطين هم الأساس في هذا الاعتراف والتنازل عن فلسطين لليهود، فبدأ الأمريكان بالتحرك وعقدوا مؤتمرا ً للدبللوماسيين الأمريكان في الشرق الأوسط في استانبول عام 1950م، وكان من قرارات هذا الاجتماع تشجيع هيئة الأمم المتحدة على تنفيذ مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية وتسوية قضية اللاجئين. وبدأت الخطوات العملية لتحقيق هذا القرار ويبدوا أن أمريكا توصلت إلى بعض الاتفاقات مع ملك الأردن عبدالله في ذلك الوقت لكن الإنجليز لم يمهلوه لإتمام ما اتفق عليه مع الأمريكان فاغتالوه على باب المسجد الأقصى في القدس، وبالتالي لم تستطع أمريكا التحرك إلى الأمام في مشروع قرار التقسيم بإيجاد الدولتين وذلك لمقاومة بريطانيا لهذا المشروع ووجود عملاء بريطانيا على رأس هرم السلطة في الكيان اليهودي الغاصب أمثال بن غوريون وتطلعهم إلى الاستئثار بجميع فلسطين من النهر إلى البحر كمت ينادي نتنياهو هذه الأيام.

وفي عام 1959م أعلن دالاس وزير خارجية أمريكا خطة أمريكا لحل قضية فلسطين تقوم على الأسس التالية:

1. إقامة كيان للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة.
2. تدويل القدس
3. حل مشكلة اللاجئين بإرجاع قسم صغير منهم إلى فلسطين تحت حكم إسرائيل وتعويض الأكثرية الساحقة منهم وتوطينهم خارج فلسطين.

ولقد أوكلت أمريكا إلى عميليها في المنطقة جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم بالمضي قدما ً في تنفيذ هذه الخطة، ولقد قام عبد الكريم قاسم بالدعوة إلى إقامة الجمهورية الفلسطينية وتجنيد أهل فلسطين لاستنقاذ بلادهم، وبدأ بالفعل بتدريب بعض الفلسطينيين في العراق وقام بطبع الميداليات وعليها فلسطين إلى غير ذلك، وقام كذلك العميل الأمريكي الثالث في المنطقة الملك سعود بن عبد العزيز بالتحرك والضغط على الملك حسين لقبول المشروع إلا أن الملك حسين وبأوامر وضغط من الإنجليز لم يوافق على ذلك ومارست أمريكا ضغوطا ً شديدة على الأردن لقبول المشروع، وعقدت جامعة الخيانة مؤتمرا ً في شتورا بلبنان سنة 1960م لبحث المشروع، وتحت الضغط الشديد وافق هزاع المجالي رئيس وزراء الأردن في ذلك الوقت على المشروع وأوعز إلى وزير خارجيته موسى حنا ناصر ليوافق على المشروع، لكن هذه الموافقة كلفت هزاع المجالي حياته حيث تم تفجير مبنى رئاسة الوزراء فتوقف السير في المشروع، وفي عام 1961م أرسل الرئيس الأمريكي الجديد كنيدي رسائل إلى الحكام العرب يتعهد بتمويل خطة السلام وتوطين اللاجئين وتعويضهم وحل مشكلة مياه الأردن. وعقد مؤتمر في القاهرة حضره عن الأردن بهجت التلهوني الذي اجتمع به السفير الأمريكي للضغط عليه، لكن التلهوني لم يستطع الموافقة نتيجة تهديد الملك حسين له.

بقيت الأمور ترواح مكانها إلى أن جاء العميل الإنجليزي بورقيبة إلى فلسطين وأعلن مشروعه لحل القضية الفلسطينية وهو المشروع الإنجليزي القائم على إيجاد الدولة العلمانية في جميع فلسطين تكون الكلمة في هذه الدولة واليد العليا لليهود، ويكون النظام السياسي أشبه ما يكون بالنظام السياسي في لبنان، لكن أهل فلسطين وبتحريض من عبد الناصر رفضوا المشروع وهاجموا بورقيبة ورموه بالطماطم والبيض الفاسد، فتوقف أيضا ً مشروع الإنجليز أي مشروع الدولة العلمانية نتيجة هجوم عملاء الأمريكان عليه ومقاومته مقاومة شديدة.

اشتد هجوم عملاء الأمريكان على مشاريع الإنجليز وعملاء الإنجليز في المنطقة حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فلم تجد بريطانيا مخرجا ً من هذه الضائقة السياسية التي يعيشها عملاؤها إلا أن ترتب مع إسرائيل وعملائها لحرب تشنها إسرائيل فتلقن عبد الناصر درسا ً لا ينساه، ومن خلال هذه الحرب يقوم الملك حسين بتسليم الضفة الغربية لليهود حتى يستريح من الضغوط التي تمارسها أمريكا عليه.

ابتدأ حكام الأردن وسوريا بالحملة الإعلامية الشديدة على عبد الناصر وأنه يهادن اليهود وأنه يحتمي وراء البوليس الدولي في سيناء، فاستفز ذلك عبد الناصر الذي كان يعيش سياسيا ً على شعبية اكتسبها بالكذب والتضليل، فقام بالطلب من قيادة البوليس الدولي بالانسحاب من سيناء وكذلك قام بإغلاق مضائق تيران أمام الملاحة اليهودية، وهكذا تكون الفرصة قد سنحت لليهود وحلفائهم عملاء الإنجليز لإشعال الحرب وتنفيذ الخطة. وحتى يحكم الإنجليز الخطة أرسلوا الملك حسين إلى القاهرة لتوقيع اتفاقية للدفاع المشترك، وعاد الملك حسين ومعه أحمد الشقيري وشعبيته تعانق السماء، أما إسرائيل فبدأ رئيس وزرائها اشكول بالتردد والخوف فأتى الإنجليز بموشيه دايان وسلموه وزارة الدفاع في الكيان اليهودي، وبذلك تم الاستعدادات للحرب التي ابتدأتها إسرائيل صباح الخامس من حزيران عام 1967م.

وفي الحلقة القادمة نتابع المشوار بإذن الله - تعالى-.

وفي الختام أسأل الله - تعالى- أن يمكن للمخلصين العاملين على إيجاد الخلافة الراشدة التي تطهر البلاد والعباد من رجس اليهود ومن وراءهم من الصليبيين، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أخوكم، أبو محمد الأمين

إقرأ المزيد...

نداء إلى أمة الإسلام في ذكرى هدم الخلافة - ابو ابراهيم

  • نشر في أخرى
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1633 مرات

الحمد لله العزيز الغفار, والصلاة والسلام على النبي المختار, وآله الأطهار, وصحبه الأبرار, وتابعيهم الأخيار, ما توالى الليل, والنهار.. اللهم أعزنا بالإسلام وأعز الإسلام بنا يا عزيز يا قهار.


أيها الإخوة المسلمون، أحبتنا الكرام! مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير! نحييكم بتحية الإسلام, فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد:
يقول الله تعالى في محكم كتابه وهو خير القائلين: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير).


نتوجه بهذا النداء إلى كل من آمن بالله رباً, وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وبالقرآن الكريم منهاجاً ودستوراً، وبالإسلام عقيدة ونظاماً.


يا أمة القرآن!
يا أمة الإسلام!
يا أمة التوحيد!


أيها المسلمون في كل مكان! فوق كل أرض, وتحت كل سماء!
أيها المسلمون الغيورون على دينكم وأمتكم، انظروا كيف وصف الله تعالى الأمة الإسلامية بقوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس(. وهذا يعني أن هذه الأمة أرادها الله أن تقود الأمم الأخرى، وتحمل لها الرسالة، وتوجِّه العالم لتنقله من الظلمات إلى النور.
ولكنا نراها اليوم ممزقة مغلوبة ذليلة مقلدة تلهث وراء الأمم الكافرة.
ألا يؤثر فيكم، أيها المسلمون، هذا الواقع المخزي؟
ألا يحرك فيكم شعور المؤمنين ونخوة المسلمين، لترفضوا ما أراده لكم الكفار، وتسعوا لتتبوَّءوا المنزلة التي أرادها الله لكم حيث قال: (كنتم خير أمة أخرجت للناس(.


يا أمة القرآن!
يا أمة الإسلام!
يا أمة التوحيد!


في مثل هذه الأيام من سالف الأعوام، دعوناكم إلى ما فيه عز الدنيا والآخرة, دعوناكم إلى نصرة الإسلام والمسلمين بإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة, التي رفع لواءها إخوانكم في حزب التحرير وعملوا لإقامتها جادين منذ أن نشأ هذا الحزب قبل أكثر من نصف قرن من الزمان, ولا يزال يعمل حتى هذه اللحظة.


هذا الحزب الذي بذل كل ما بوسعه من جهد وكل ما لديه من طاقات ووقت في سبيل هذه الغاية الشريفة وهذا الهدف النبيل, وكم قدَّم شبابه ولا زالوا يقدمون من التضحيات, ومن الصبر والثبات على المبدأ, وكم تحملوا من الصعوبات وكم لاقوا من المشقات في حمل الدعوة, وها نحن اليوم نكرر لكم هذا النداء عسى أن يلقى منكم آذناً صاغية, وعقولاً واعية, وقلوباً مخلصة, وصدوراً إلى الإيمان منشرحة, ونفوساً إلى نصر الله تعالى واثقة مطمئنة.
هذا الحزب هو ثلة تحمل الحق وتهدي به وتسلك دروبه وتتوهج بتوهجه.


ثلة انبثـقت من أرض الخصب والنماء، وفي أرض الخصب والنماء، من أمة وجبت قيادتها للبشرية؟
ثلة تظمئ نهارها وتحيي ليلها وتوقظ أهلها لإعزاز هذه الأمة وإحيائها من جديد..؟
ثلة تتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.. إنهم أولو بقية من أولى النهى ينهون عن الفساد في الأرض، ويدفعون عذاب الله أن يقع، ويسيرون بالأمة إلا أن يتناغم سلوكها مع أمر ربها، وتأتلف قلوبها على هديه في ظلال دولة الجاه والعز والسلطان..؟


يا أمة الخير والعطاء!
يا أمة الإيمان!
يا أمة النبي العدنان!


إن الغاية جليلة، وإن الأمل كما ترون مشرق واعد, وها نحن ندعوكم لتحملوا الدعوة مع إخوانكم في حزب التحرير لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وأن تغُذُوا السير، وتخوضوا غمار الشدائد معهم، ولا يلفتنكم عن غايتكم كيد الكائدين ولا مكر الماكرين ولا تثبيط المثبطين، وليكن الله ورسوله أحب إليكم مما سواهما، وراقبوا الله في السر والعلن ولا تخالفوا له أمراً ولا تجعلوا لله عليكم حجة وامضوا حيث تؤمرون..
فيا أيها المؤمنون، ويا شباب الإسلام.


يا أبناء خير أمة أخرجت للناس!
يا أبناء أمة الوسط والشهادة!


إنَّ أمتكم واسطة العقد وجوهرة الحياة ورمز الوجود، أودع الله فيها أسرار عزته ومكنون هدايته ونور تجلياته وسلطان برهانه... لقد اختارها الله واصطفاها لتكون شاهدة على جميع الأمم! وإن دينكم دين الإسلام العظيم... دين عقيدة يشرح الله بها الصدور, وينير بها البصائر، وتتفتح لها الأبصار, فتهدي إلى صراط مستقيم. هذه العقيدة ينبثق عنها نظام تَصلُِحُ به الحياة، وتُنتظَّمُ به المسالك، وتقوم عليه الأركان ويجتمع عليه الأخيار. نظام يحكم بين الناس بالحق ويجافي الهوى ويقيم الوزن بالقسط. نظام يأرز إلى رحاب عدله عدوٌ وصديق. نظام أراده الله وحققه قائدكم محمد صلى الله عليه وسلم, نظام انقاد له خلفاء وأمراء، تحصنوا به ورفعوا راياته واهتدوا بنوره، فتحققت لهم عزتهم فكانت لهم وكانوا لها، فوافاهم السعد وسعدت بهم الحياة، ودانت لهم الرقاب، واستظل الناس يتفيئون ظلال الإسلام وارفين، وفتح الله عليهم بركات الأرض والسماء.


يا أصحاب القوة! ويا أهل المنعة!
يا قادة الجيوش! أيها الضباط والساسة وشيوخ العشائر!
يا أبناء أمة الأمجاد والانتصارات!
يا أبناء أمة البطولات والفتوحات!


هل أتاكم النبأ العظيم؟ وهل جاءكم من الأنباء ما فيه مزدجر؟ أن أمتكم قد دهمتها داهية الدواهي، وقد غشيتها كل الأمم فأذلت ناصيتها ودالت أيامها وبعدت بها شقة الهوان. أن أمتكم تئن أنين الفصال وتتدافع بها الحسرات. أنها تستصرخ فيكم نخوات أبنائها البررة، وتهتف في أعماقكم أن أغيثوني، فلئن ذللتُ فلن تعزوا بعدي أبدا، ولئن أُصبت فلن ترفعوا رأساً أبداً...


يا أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي!
يا أحفاد خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص!
يا أحفاد المثنى بن حارثة وشرحبيل بن حسنة وأبي عبيدة عامر بن الجراح!
يا أحفاد القعقاع بن عمرو, والمظفر قطز, وأبي دجانة, وطارق بن زياد!
يا أحفاد محمدٍ الفاتح, والذي امتدحه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: « نعم الأمير أميرها, ونعم الجيش جيشها!».
يا أحفاد السلطان صلاح الدين الأيوبي والخليفة المعتصم بن هارون الرشيد.


هبوا لنصرة دينكم, وأقيموا دولة الخلافة, دولة العز والتمكين, فإن الله سائلكم عما وهبكم من نعمة القيادة والرياسة وقوة التأثير والقدرة على التغيير. فرفع لواء الإسلام وإقامة سلطانه بأيديكم, وعزة هذه الأمة ونصرها بعد إرادة الله تعالى مرهون بكم, فأقبلوا كما أقبل الأنصار ولا تترددوا, فكونوا خير من استجاب وخير من تأسى بأنصار الله وأنصار رسوله, كسعد وأسيد والبراء, ولا تتولوا عن نصرة دعوة الله مدبرين فيستبدل الله بكم قوماً غيركم, ثم لا يكونوا أمثالكم, قوماً يحبهم الله تعالى ويحبونه, أعزة على الكفار, أذلة على المؤمنين, يجاهدون في سبيل الله, لا يخافون لومة لائم!


يا أصحاب القوة! ويا أهل المنعة!
يا قادة الجيوش! أيها الضباط والساسة وشيوخ العشائر!
يا أهل النخوة والرجولة والكرامة والعزة والشرف!


الأمة الإسلامية اليوم فيها كل المؤهلات لأن تعود إلى قيادة الدنيا، ولأن تكون الدولة الأولى في العالم:


1. فمن حيث الثروة المادية، فقد حبا الله تعالى البلاد الإسلامية بما يجعلها أغنى بلاد العالم بما عندها من بترول ومعادن وأموال.


2. ومن حيث الموقع الجغرافي، فإنَّ البلاد الإسلامية تحتل أفضل رقعة من الأرض سواء للمواصلات أو التجارة أو الزراعة أو الحرب.


3. ومن حيث الثروة البشرية، فإن عدد المسلمين اليوم يقرب من نحو مليار مسلم.


4. ومن حيث الثروة الفكرية، فإن هذه الأمة عندها أرقى فكر وتملك أهدى رسالة في الوجود، إنها تحمل القرآن الكريم. وبقية العالم لديه أفكار ومبادئ من وضع البشر، أما الإسلام فهو من عند الله الكون كله وخالق البشر أجمعين.


5. ومن حيث واقع الأمة، فإن المسلمين في شوق وتوق لأن تتغير أوضاعهم المزرية، فالعزة لم يذوقوا طعمها منذ أجيال وكرامتهم ديست بأقدام اليهود وعملائهم، وخيرات بلادهم تنهب لأعدائهم، وهم يتلهفون للتغيير.


6. ومن حيث الحافز للتضحية، فإنَّ من طلب الأمر العظيم يجب أن يضحي بالشيء العظيم. ولا يوجد في الدنيا من عنده الحافز الجاد للتضحية كما عند المسلم. فالحسنة عند الله تعالى بعشر أمثالها وتضاعف إلى سبعمائة ضعف بل إلى أضعاف كثيرة. وما يقدم المسلم من شيء يجده عند الله. ويجد جنة عرضها السموات والأرض. ورضوان من الله أكبر: {وما تقدِّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله }


7. ومن حيث الأصالة والعراقة، فإنَّ هذه الأمة ليست وليدة اليوم، بل هي عريقة سبق لها أن حملت الدعوة الإسلامية وغيرت بها مجرى التاريخ، وظلت الدولة الأولى في العالم أكثر من ألف سنة. وهذه الأمة قد كَبَتْ، ولكل جواد كبوة. فهل ندعُها في كبوتها؟ إنها أمتنا، ولن نتخلى عنها لأنها نحن فهل يتخلى المرء عن نفسه؟ لقد آن لنا أن ننهض. فانفضوا عنكم إخوتي المسلمين غبار اليأس وثقوا بأنكم إن كنتم مع الله كان الله معكم: وتذكروا قول الله تعالى: )ولينصرن الله من ينصره(. وقول الله تعالى: )إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم(. وقول الله تعالى: )إن ينصركم الله فلا غالب لكم(. واخلعوا عنكم رداء الأنانية واعلموا أن مصلحتكم الحقيقية هي بالتضحية في سبيل الله. فما عندكم ينفذ وما عند الله باق.

أيها المسلمون:
سابقوا لامتطاء صهوة سنام المجد أعزة على الذرى!
وأقيموا لأنفسكم وزناً في زمن أُخسرت فيه الموازين!
واجعلوا لأمتكم قيمة وشأناً في زمن ضاعت فيه القيم!
أنقذوا البشرية من علوجها!
وطهروها من أدرانها!
وادرءوا عنها أرجاسها!


كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يثبت لهم العدو فُواقَ ناقة عند اللقاء، فقال هرقل وهو على أنطاكية لما قدمت منهزمة الروم: ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم.. أليسوا بشراً مثلكم؟ قالوا بلى. قال فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا بل نحن منهم أضعافاً في كل وطن. قال فما بالكم تهزمون؟
فقال شيخ من حكمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم، ومن أجل أننا نشرب الخمر ونزني ونركب الحرام وننقض العهد ونغضب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض. فقال لئن كنت قد صدقتني ليرثن ما تحت قدمي هاتين، وهكذا كان..


هذه شهادة عدوكم لكم أيها الإخوة بالخيرية، فهلا اشتاقت أنفسكم لأن تكونوا سادة على عرش الوجود تمخرون عبابه وتتسنمون سنامه.


أما آن لكم أن تخرجوا من بينكم من يخاطب السحاب بعد أن تدين له الرقاب..
أما آن لكم أن تكونوا قدر الله على أعدائه كما قال سبحانه )عباداً لنا أولي بأس شديد(.
أما آن لكم أن تتـفيأ البشرية في ظلالكم إلى ربوات الأمن والسلم والعدل والإيمان..
أما آن لكم أن تنفضوا عن كواهلكم غبار الذل؟
أما آن لكم أن تجدوا ذاتكم وقد ضاعت بين الركام؟
أما آن لكم أن تستشعروا مسؤوليتكم في قيادة البشرية؟
أما آن لكم أن يرضى عنكم رب الأرض و السماء؟
أما آن لكم أن تخرجوا من بينكم أميراً للمؤمنين يحبكم وتحبونه ويرضى عنكم وترضون عنه؟
أما آن لكم أن تخرجوا من بينكم أميراً للمؤمنين تسيرون معه إلى رحاب الظفر والنصر؟
أما آن لكم أن تتلوا على سمع الورى قول الله تعالى: )واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره(؟
أما آن لكم أن تحوزوا خيري الدنيا والآخرة؟ والله يا قوم إنَّ هذه لأيام المفاصلة:


فلا ألفين أحداً منكم يعض أصابع الندم بعد فوات الأوان يقول: (يا ليتني كنت معكم فأفوز فوزاً عظيما(.
لا ألفين أحداً منكم وقد فات قطار الخير يتحسر ويقول: يا ويلتى لم اتخذ مع الرسول سبيلا، يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلا.
فلا ينفع الندم بعد فوات أوانه وقد كان ينفع من قبل... وتذكروا قول الله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح وقاتل).. فلمثل هذا فليعمل العاملون.. وإلى رضوان الله وفردوسه الأعلى فليتنافس المتنافسون..

أيها المسلمون:
ارفعوا أكف الضراعة إلى الله تعالى وأمنوا على هذا الدعاء عساها تكون ساعة إجابة في هذا اليوم المبارك من شهر رجب الخير:
اللهم يا قوي يا عزيز, يا قيوم السماوات والأرض, يا ذا الجلال والإكرام والفضل والإنعام, نسألك يا الله يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أن تفرج بإقامة الخلافة كروبنا, وأن تشرح بها صدورنا, وأن تستعمل بها أبداننا, وتقر بها عيوننا, فإنه لا يعيننا على الحق غيرك, ولا يؤتيناه إلا أنت, ولا حول ولا قوة إلاَّ بك! اللهم أرد لنا إرادة التمكين والاستخلاف في الأرض, وأرد لنا أيام العزة والريادة! اللهم عجل لنا بقيام دولة الخلافة واجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين. والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إقرأ المزيد...

حزب التحر

  • نشر في باكستان
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 2016 مرات

صورة للاعتصام الاحتجاجي على اعتقال 18 شخص ممن حضرو المؤتمر ، وقد رفع المحتجون يافطة مكتوب عليها " الحكومة تقمع الدعوة للخلافة من اجل أمريكا".

 

إقرأ المزيد...
الاشتراك في هذه خدمة RSS

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع